
نبذة عن الكتاب:
يتتبع ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي في كتاب «الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف» نشأة الاختلاف الفقهي وتطوره منذ عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى استقرار المذاهب الفقهية وما طرأ عليها بعد القرون الأولى، محاولًا تفسير اختلاف الأحكام من خلال اختلاف ما بلغ العلماء من السنة، وتفاوت فهمهم لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله، واختلافهم في الجمع بين النصوص وتعليل الأحكام، ثم من خلال تفرق العلم في الأمصار وتكون المدارس الفقهية وتفاوت مناهج أهل الحديث وأصحاب الرأي. ويصرح بأن أصل الرسالة جواب عن سؤال في أسباب اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم في الأحكام الفقهية خاصة، فسماها «الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف».
ويبدأ بوصف طبيعة الفقه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، فيبين أنه لم يكن علمًا مدونًا مقسمًا إلى أركان وشروط وآداب ومسائل مفترضة على الطريقة التي استقر عليها عمل الفقهاء فيما بعد، وإنما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يشاهدون وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته وحجه فيقتدون به، ويسألونه عند وقوع الحوادث، ويرون إقراره وإنكاره وفتاواه وأقضيته. ولذلك لم تكن كل جزئية من أفعال العبادة مصنفة عندهم ابتداءً إلى فرض وسنة وأدب، بل كانوا يدركون مراد الخطاب والفعل بما يحف به من قرائن، فيحملون بعض ما شاهدوه على الوجوب وبعضه على الاستحباب وبعضه على الإباحة أو النسخ.
ويرد أول أسباب اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى تفاوت ما بلغ كل واحد منهم من السنة؛ فقد يسمع صحابي رضي الله عنه حكمًا أو فتوى لا يسمعها الآخر، فيجتهد الثاني بحسب ما عنده. وقد يوافق اجتهاده الحديث الذي لم يبلغه، كما وقع لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه في المرأة التي توفي عنها زوجها ولم يسم لها صداقًا، إذ اجتهد لها بمهر نسائها والعدة والميراث ثم شهد معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك. وقد يبلغ الحديث المجتهد بعد أن كان قد أفتى برأيه فيرجع إليه، كما رجع أبو هريرة رضي الله عنه عن قوله في صوم من أصبح جنبًا بعدما أخبرته أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما ذهب إليه.
وقد يبلغ الخبر العالم لكنه لا يثبت عنده على وجه يقوى على معارضة ما استقر لديه من دليل، فيبقى على اجتهاده، ويمثل الدهلوي لذلك بموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من خبر فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في نفقة المطلقة وسكناها، وبخبر عمار رضي الله عنه في تيمم الجنب. وقد لا يصل الحديث أصلًا إلى بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما في إنكار عائشة رضي الله عنها على ابن عمر رضي الله عنهما أمر النساء بنقض شعورهن عند الغسل، واستدلالها بأنها كانت تغتسل مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا تزيد على إفراغ الماء على رأسها. وبهذا يفسر الدهلوي قدرًا من اختلاف السلف بأنه اختلاف في مقدار المروي المتاح لكل عالم، لا اختلاف في أصل تعظيم السنة أو وجوب اتباعها.
ويجعل سببًا آخر اختلافهم في فهم الفعل النبوي: هل وقع على جهة التشريع والقربة أم على جهة العادة والإباحة والاتفاق؟ فيذكر نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح بعد الحج، حيث عده بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم من سنن الحج، بينما حملته عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم على مجرد النزول الموافق لحاجته لا على قصد التعبد. ويذكر الرمل في الطواف أيضًا، إذ حمله الجمهور على السنية، بينما ربط ابن عباس رضي الله عنهما فعله بعارض مخصوص هو ما قاله المشركون عن ضعف المسلمين. فالواقعة واحدة، وإنما اختلف الحكم المستنبط منها باختلاف تحديد جهة الفعل ومقصده.
ويضيف اختلاف الوهم والسهو والضبط، فيمثل لاختلاف المشاهدة بما نقل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: أكان مفردًا أم قارنًا أم متمتعًا، ويربط بعض ذلك بأن جماعات الصحابة رضي الله تعالى عنهم سمعوا إهلاله في أوقات مختلفة فحكى كل فريق ما أدركه. كما يذكر ما نسب إلى ابن عمر رضي الله عنهما من وقوع عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في رجب وتصحيح عائشة رضي الله عنها لذلك، وما رواه ابن عمر رضي الله عنهما في تعذيب الميت ببكاء أهله وتصويب عائشة رضي الله عنها لسياق الواقعة التي سمع منها الحديث. فلا يجعل كل اختلاف في الرواية تعارضًا حقيقيًا بين الوقائع، بل قد يكون أحد الناقلين حفظ جانبًا أو فهم علاقة بين أمرين على غير الوجه الذي فهمه الآخر.
ويجعل من أسباب الخلاف أيضًا اختلافهم في تعيين علة الحكم؛ فالقيام للجنازة مثلًا يمكن أن يعلل بتعظيم الملائكة أو بهول الموت أو بكون الجنازة التي قام لها النبي صلى الله عليه وسلم جنازة يهودي كره أن تعلو فوق رأسه، ويترتب على اختلاف العلة اختلاف مدى الحكم وعمومه. ثم يذكر اختلافهم في طريق الجمع بين الأخبار التي يظهر بينها التعارض؛ فقد يحمل بعضهم المتقدم والمتأخر على الإباحة والمنع بحسب تغير الضرورة، ويحمله آخر على النسخ، وقد يجمع آخر بين الروايات بتخصيص كل واحدة بحال، كما وقع في أخبار استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة.
ثم يتتبع انتقال هذا الاختلاف إلى عصر التابعين، فيبين أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما تفرقوا في الأمصار أخذ علماء كل بلد عمن توفر لهم منهم، وحفظوا ما وصل إليهم من الأحاديث والفتاوى والمذاهب، ورجحوا بينها بحسب ما ظهر لهم. فنشأت مراكز فقهية في المدينة ومكة والكوفة والبصرة واليمن والشام، وكان سعيد بن المسيب ومن معه في المدينة يبنون كثيرًا من فقههم على فتاوى عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وقضايا فقهاء المدينة، بينما قامت مدرسة إبراهيم النخعي وأصحابه بالكوفة على تراث عبد الله بن مسعود وعلي رضي الله تعالى عنهما وقضايا شريح وآثار فقهاء الكوفة. وبذلك صار اختلاف المادة الموروثة في كل مصر أحد العوامل التي مهدت لاختلاف المدارس الفقهية.
ويعرض بعد ذلك أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء، فيبين أن علماء الطبقة التالية تلقوا فقه شيوخ أمصارهم وأحاديثهم وآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكانوا يستدلون بالمسند والمرسل وأقوال الصحابة والتابعين، ويرجحون مذهب أهل بلدهم إذا اختلفت الآثار لكونهم أعرف بأسانيدهم وأصولهم وطريقة فقهائهم. فإذا اتفق علماء البلد على حكم تمسكوا به، وإذا اختلفوا رجحوا بالكثرة أو القياس القوي أو التخريج من الكتاب والسنة. ويستشهد بموقف مالك حين رفض حمل جميع الأمصار على كتاب واحد، معللًا ذلك بأن الأحاديث والآثار والأقوال سبقت إلى البلاد وأخذ أهل كل بلد بما وصل إليهم.
ويشرح بهذا السياق تكون المذهب المالكي والحنفي؛ فيربط فقه مالك بحديث أهل المدينة وقضايا عمر رضي الله عنه وفتاوى ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهما وفقهاء المدينة، ثم بعمل أصحابه في جمع رواياته ومختاراته وشرحها والتخريج عليها. ويربط أبا حنيفة بمدرسة إبراهيم النخعي وفقهاء الكوفة، ويصفه بشدة العناية بالتخريج على أصولها وتفريع الفروع عليها، ثم يبين دور أبي يوسف ومحمد بن الحسن في تدوين هذه المدرسة ونشرها، مع ما وقع لهما من مخالفة أستاذهما في بعض الفروع بسبب اختلاف التخريج أو الترجيح بين الأقوال المنقولة عن السلف.
ويتوقف عند الشافعي بوصف ظهوره مرحلة جديدة في ضبط مناهج الاستدلال؛ فيذكر أن الشافعي وجد من قبله يعملون بالمراسيل والمنقطعات على وجه قد يدخل منه الخلل، ولم تكن قواعد الجمع بين الأخبار المختلفة قد انضبطت في صورة مدونة، كما أن أحاديث صحيحة لم تكن قد بلغت بعض المفتين المتقدمين ثم ظهرت بعد توسع المحدثين في جمع الطرق. ويضيف إلى ذلك أن أقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم كثرت وتشعبت وظهر أن بعضها صدر قبل بلوغ الحديث لصاحبه، وأن بعض الفقهاء خلطوا ما يسميه الدهلوي الرأي والاستحسان بالقياس المستخرج من علة الحكم المنصوص. ويرى أن هذه الأسباب دفعت الشافعي إلى تأسيس أصول الاستدلال وتدوينها وضبط طرق الجمع بين الأدلة وتفريع الفقه عليها.
ويفرد بابًا لأسباب الاختلاف بين أهل الحديث وأصحاب الرأي، ويبدأه بطائفة من العلماء كانت تتحرج من الفتوى بالرأي وتكره الكلام في الوقائع قبل نزولها، وتجعل همها الأكبر رواية سنة النبي صلى الله عليه وسلم والآثار. ثم يربط قوة مدرسة الحديث باتساع التدوين والرحلة في طلب الروايات حتى اجتمعت للمتأخرين طرق للأخبار لم تكن مجتمعة لمن سبقهم، فتمكنوا من معرفة الغريب والمشهور والمتابعات والشواهد، وظهرت لهم أحاديث صحيحة لم تكن قد وصلت إلى بعض أصحاب الفتوى. ومن هنا لم يعد عدم عمل فقيه سابق بحديث معين عندهم كافيًا للطعن فيه ما لم تثبت علة الحديث أو نسخه.
ولا يجعل الدهلوي اسم «أهل الرأي» مرادفًا لكل من يستعمل القياس أو الاستنباط؛ لأن الشافعي وأحمد وإسحاق يستعملون القياس ولا يدخلهم في هذا الوصف. وإنما يقصد به في هذا الموضع من توجه بعد المسائل المجمع عليها إلى التخريج على أصول إمام متقدم، وغلب على عمله رد النظائر إلى أصول ذلك الإمام دون التوسع في تتبع الأحاديث والآثار. وفي المقابل يصف الظاهرية بأنهم لا يقولون بالقياس ولا بآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم على الوجه الذي يعتمده غيرهم، ويضع بين الطرفين من يسميهم المحققين من أهل السنة ممن جمعوا الرواية والاستنباط.
ثم يعود إلى تاريخ الانتساب المذهبي نفسه، فيقرر أن المسلمين في القرنين الأول والثاني لم يكونوا مجتمعين على تقليد مذهب واحد بعينه، وأن العامي كان يتعلم أحكام عباداته من علماء بلده ثم يستفتي في النازلة من وجده من أهل الفتوى دون التزام مفت واحد في جميع المسائل. وبعد ذلك ظهر التخريج على مذاهب الأئمة شيئًا فشيئًا، مع بقاء التفاوت بين المجتهد المستقل، والمجتهد المنتسب إلى مذهب يستعمل طريقته في الاستدلال دون أن يقلده في جميع اجتهاداته، والمجتهد داخل المذهب الذي يخرج الفروع على أصول إمامه، ثم العامي الذي وظيفته سؤال أهل العلم.
ويفصل في الفرق بين الاجتهاد المطلق والاجتهاد في المذهب والتخريج، ويرفض جعل الانتساب إلى إمام دليلًا في ذاته على التقليد الكامل؛ فقد ينتسب العالم إلى مذهب لأنه يسير على أصول إمامه أو يكثر موافقته له مع امتلاكه قدرة واسعة على الاجتهاد. ويتتبع ذلك خاصة في المذهب الشافعي، فيذكر أن أوائل أصحابه لم يكونوا مقلدين له في جميع اجتهاداته، ثم يجعل ابن سريج مرحلة بارزة في تأسيس قواعد التقليد والتخريج داخل المذهب، وتبعه أصحابه في توسيع هذا المسار.
ويبحث حكم الالتزام بمذهب معين بحسب حال المكلف والبيئة العلمية التي يعيش فيها، فلا يجعله حكمًا واحدًا في جميع الأحوال. فقد يكون لزوم مذهب معين ضروريًا للعامي إذا لم يجد في بلده علماء أو كتبًا موثوقة لغيره، حتى لا يبقى متبعًا للهوى بلا طريق مضبوط إلى الأحكام، بينما لا يوجب ذلك في موضع تتيسر فيه معرفة المذاهب وأهلها. ويربط المسألة بالقدرة على الوصول إلى العلم الصحيح، محذرًا من تلقي الأحكام من العامة أو من الكتب غير المعتمدة.
ويتابع تطور الخلاف إلى ما بعد المائة الرابعة، فيرى أن الجدل المذهبي اتسع وتحول عند طائفة من العلماء إلى غرض مستقل، فكثرت المناظرات بين الحنفية والشافعية والتصانيف في نصرة كل مذهب، ثم نشأت قواعد أصولية متأخرة باستقراء فروع الأئمة وإرجاعها إلى أصول جامعة. وينبه إلى أن كثيرًا من القواعد المنسوبة إلى أبي حنيفة وأصحابه ليست عنده نصوصًا ثابتة عنهم، وإنما هي أصول خرجها المتأخرون من فروعهم؛ مثل بعض الأقوال في قطعية العام، والزيادة على النص، ومفهوم الشرط والوصف، وترجيح الروايات وفقه الراوي. ولذلك يرفض الخلط بين نص الإمام وبين تخريج الأصحاب على مذهبه، أو تصور أن كل ما امتلأت به كتب الشروح والفتاوى قول مباشر لصاحب المذهب.
وينتقد ما رآه من تغلغل التقليد والتعصب بعد ذلك، ويربطه بتنافس الفقهاء في الفتوى والمناظرة، والحاجة إلى إنهاء الجدل بإسناد القول إلى إمام سابق، وباعتماد القضاء على أقوال مقررة حتى لا يفتح باب التحكم، وبضعف أدوات طائفة ممن صاروا يعدون فقهاء مع قلة معرفتهم بالحديث والتخريج. ثم يضيف إلى ذلك التعمق في المسائل الجدلية والافتراضات البعيدة وتكثير القواعد والمناظرات، ويرى أن هذه الاتجاهات أفضت عند بعض المتأخرين إلى حفظ أقوال المذاهب من غير قدرة كافية على التمييز بين قويها وضعيفها أو بين الاستنباط والجدل.
ومع نقده للتقليد الجامد، لا ينتهي الدهلوي إلى تحريم تقليد المذاهب الأربعة بإطلاق، بل يقرر جواز تقليدها وما في تدوينها وضبطها من مصالح، ولا سيما لمن لا يملك آلة الاجتهاد. وإنما يوجه اعتراضه إلى صورة مخصوصة: أن يلتزم الإنسان قول إمام بعينه التزامًا لا يتركه ولو ظهر له ثبوت سنة صحيحة على خلافه، أو يعتقد عصمة إمامه من الخطأ، أو يمنع أتباع مذهب من استفتاء علماء مذهب آخر أو الاقتداء بهم. أما العامي الذي لا يستطيع استنباط الحكم فيسأل عالمًا يثق بعلمه واتباعه للسنة، من غير اعتقاد عصمته، فإذا تبين له خطؤه لم يجعل قول الفقيه مقدمًا على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويجعل بين الاجتهاد المطلق والتقليد المحض مراتب واسعة؛ فمن العلماء من يبلغ القدرة على استنباط غالب الأحكام من القرآن والسنة والآثار، ومنهم من يحكم التخريج على أصول مذهب مع معرفة معتبرة بالأدلة، ومنهم من يتمكن من التحقيق في مسائل محددة ونقد التخريجات والترجيح بين الأقوال دون بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق. وبناء على القول بتجزؤ الاجتهاد، يرى إمكان أن يعرف العالم بطلان تخريج في مسألة بعينها فيتركه مع بقائه منتسبًا إلى مذهبه، إذ ليس الانتساب المذهبي عنده مانعًا من التحقيق والترجيح في القدر الذي حصلت فيه أهلية النظر.
ويستشهد في هذا السياق بما نقله عن أئمة المذاهب أنفسهم من النهي عن التقليد الذي ينفصل عن معرفة الدليل لمن كان قادرًا عليها؛ فينقل عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد أقوالًا تجعل المرجع الأعلى للنص وتمنع نسبة العصمة إلى قول إمام، كما ينقل عن فقهاء المذاهب أن المفتي لا ينبغي له أن يفتي بما لا يفهمه، وأن من لم يبلغ رتبة الاختيار يحكي أقوال العلماء ولا يرجح بينها بغير معرفة حججها. ويستعمل هذه النقول لإثبات أن التحقيق داخل المذاهب ليس خروجًا عليها، بل هو متصل بما أوصى به أئمتها من النظر في أدلتهم وعدم جعل أقوالهم بديلًا من النص.
ويعود في آخر الكتاب إلى قسم كبير من مسائل الخلاف العملي ليقرر أن كثيرًا منها ليس خلافًا في أصل المشروعية، وإنما في ترجيح أحد وجهين ثبت لكل منهما أصل عند السلف؛ مثل عدد تكبيرات العيد والتشريق، والجهر بالبسملة أو الإخفاء بها، والقنوت في الفجر، وبعض مسائل الوضوء والإقامة والتشهد. ويشبه هذا بتعدد وجوه القراءات، ويذكر أن الأئمة والسلف كانوا يصلون بعضهم خلف بعض مع اختلافهم في هذه المسائل، وأن بعضهم قد يعمل أحيانًا بقول غير مذهبه أو يترك مختاره تأدبًا أو مراعاةً للخلاف. ومن أمثلته صلاة أبي يوسف خلف من لا يرى الوضوء من الحجامة، وقول أحمد في الصلاة خلف مالك وسعيد بن المسيب مع اختلافه معهما في بعض نواقض الوضوء، وترك الشافعي القنوت قرب قبر أبي حنيفة. وهكذا يرد الدهلوي جانبًا من التنازع المذهبي المتأخر إلى تحويل خلاف الترجيح بين سنن وآثار معتبرة إلى خلاف تعصب وإنكار لم يكن معروفًا على الصورة نفسها عند الطبقات الأولى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














