
ولي الله الدهلوي
أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه الدين الدهلوي، المعروف بشاه ولي الله الدهلوي وقطب الدين: عالم هندي ومحدث وفقيه وأصولي، وُلد سنة 1114هـ الموافق 1703م، واختلف في يوم مولده؛ فقيل 4 شوال، وقيل 14 شوال. كان من أسرة عرفت بالعلم والقضاء والإفتاء، وكان أبوه عبد الرحيم الدهلوي من علماء دهلي ومشايخ الطريقة النقشبندية، وشارك مدة في إعداد «الفتاوى العالمكيرية». وكان ولي الله يذكر أن نسبه من جهة أبيه يتصل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونُسب من جهة أمه إلى موسى الكاظم.
بدأ تعليمه على يد والده، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا، ودرس عليه التفسير والحديث والفقه وأصوله والنحو والبلاغة والمنطق والكلام والحكمة والتصوف والطب والحساب والهيئة، ومن الكتب التي قرأها «تفسير البيضاوي»، و«مدارك التنزيل»، و«مشكاة المصابيح»، و«صحيح البخاري»، و«الشمائل» للترمذي، و«الهداية»، و«شرح الوقاية»، و«الحسامي»، و«التوضيح والتلويح»، و«شرح العقائد النسفية»، و«شرح المواقف»، و«عوارف المعارف»، و«الكافية» وشرح الجامي عليها. وأجازه أبوه بالتدريس وهو في نحو الخامسة عشرة، وبايعه على الطريقة النقشبندية، كما انتفع في الحديث بمحمد أفضل السيالكوتي.
توفي أبوه سنة 1131هـ، فتولى التدريس في المدرسة الرحيمية، واستمر فيه نحو 12 عامًا، وأكثر خلال هذه المدة من مطالعة كتب المذاهب الأربعة وأصولها وأدلتها الحديثية، واتجه إلى الجمع بين الفقه والحديث والعناية بالدليل. ثم رحل إلى الحرمين في أواخر سنة 1143هـ، وأقام بهما نحو عامين. وأخذ في المدينة عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكردي المدني، فقرأ وسمع عليه «صحيح البخاري»، وأجزاء من «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي» و«سنن أبي داود» و«سنن ابن ماجه»، و«الموطأ»، و«مسند أحمد»، و«الرسالة» للشافعي، و«مسند الدارمي»، و«الأدب المفرد»، و«الشفا»، وأجازه بمروياته. وأخذ بمكة «الموطأ» عن وفد الله المالكي، وحضر دروس تاج الدين القلعي، وأخذ عنه وعن غيره من علماء الحرمين، ثم عاد إلى الهند سنة 1145هـ.
اشتغل بعد رجوعه بالتدريس والتأليف والوعظ، وركز عنايته على القرآن الكريم والحديث، وأسند تدريس بعض الفنون الأخرى إلى من أعدهم لها. وأسهم في نشر الحديث وأسانيده في الهند، وترجم القرآن إلى الفارسية في كتابه «فتح الرحمن في ترجمة القرآن». ومن أشهر تلامذته أبناؤه عبد العزيز ورفيع الدين وعبد القادر وعبد الغني، ومعين الدين السندي، ومحمد أمين الكشميري، وثناء الله الباني بتي، ونُسب إلى مرتضى الزبيدي الأخذ عنه.
كان حنفيًا في العمل، ودرّس الفقه الحنفي والشافعي، ووصف نفسه بالأشعري عقيدة والصوفي طريقة. واشتغل بالطرق الصوفية، ولا سيما النقشبندية، وسعى إلى الجمع بين علوم الشريعة والسلوك، مع نقد ما رآه من الخرافات والبدع والانحرافات في بعض الممارسات الصوفية. كما عارض الجمود والتعصب المذهبي، وبحث مسائل الاجتهاد والتقليد وأسباب اختلاف الفقهاء، ودعا إلى رد الخلاف إلى الكتاب والسنة والعناية بأدلة المذاهب.
وتناول في مشروعه العلمي قضايا الفقه وأصوله، والحديث والتفسير، والعقيدة والتصوف، وأسرار التشريع، والاجتماع والسياسة. وانتقد انتقال الحكم من الخلافة الراشدة إلى الملك، والجمود الفقهي وموت روح الاجتهاد، كما وجّه نقدًا إلى العلماء والفقهاء والصوفية والوعاظ والأمراء والعامة فيما رآه من انحرافات عصره. وكتب إلى بعض الحكام يدعوهم إلى مواجهة الأخطار التي أحاطت بالمسلمين، ومن ذلك دعوته أحمد شاه الدراني لمواجهة توسع دولة الماراثا.
من أشهر مؤلفاته «حجة الله البالغة» في أسرار الشريعة ومقاصد الأحكام، و«إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء»، و«الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف»، و«عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد»، و«البدور البازغة»، و«التفهيمات الإلهية»، و«حسن العقيدة»، و«قرة العينين في تفضيل الشيخين»، و«الخير الكثير». وله في التفسير وعلوم القرآن «الفوز الكبير في أصول التفسير»، و«فتح الخبير بما لا بد من حفظه في علم التفسير»، و«فتح الرحمن في ترجمة القرآن»، و«تأويل الأحاديث في رموز قصص الأنبياء عليهم السلام»، و«المقدمة في قوانين الترجمة».
وله في الحديث «المسوّى شرح الموطأ»، و«المصفّى شرح الموطأ»، و«شرح تراجم أبواب البخاري»، و«تراجم أبواب البخاري»، و«الأربعين»، و«الإرشاد إلى مهمات الإسناد»، و«فضل المبين في المسلسل من حديث النبي الأمين صلى الله عليه وسلم»، و«النوادر من أحاديث سيد الأوائل والأواخر»، و«إنسان العين في مشايخ الحرمين». وله في التصوف والسلوك «ألطاف القدس»، و«فيوض الحرمين»، و«القول الجميل في بيان سواء السبيل»، و«الانتباه في سلاسل الأولياء»، و«الهمعات»، و«السطعات»، و«شفاء القلوب»، و«الهوامع»، كما صنف في السيرة والأدب «سرور المحزون»، و«أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم»، وله ديوان شعر عربي.
وانفرد في «تأويل الأحاديث في رموز قصص الأنبياء عليهم السلام» بتأويلات لعدد من قصص الأنبياء ومعجزاتهم، وربط بعضها بعالم المثال والأسباب العادية، فحمل قصة خروج آدم عليه السلام من الجنة على الرؤيا والمثال، وفسر برد نار إبراهيم عليه السلام وإغراق فرعون وانفلاق البحر ونحوها بتفسيرات تجمع بين الخارق وأسباب العادة، كما جوّز في انشقاق القمر ألا يكون انشقاقًا حقيقيًا لعين القمر؛ وهي تأويلات عُدّت مخالفة لما عليه عامة أهل السنة في فهم تلك المعجزات.
توفي شاه ولي الله الدهلوي في دهلي في محرم سنة 1176هـ الموافق 1762م، وقيل سنة 1179هـ، ودفن عند والده خارج دهلي. وخلف أبناء وتلاميذ واصلوا التدريس والتأليف والإصلاح، وكان لمدرسته أثر ممتد في الحركة العلمية والدينية في شبه القارة الهندية.
كتب ولي الله الدهلوي PDF
