
نبذة عن الكتاب:
يستقصي سيف الدين الآمدي في كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» القواعد التي تضبط معرفة الحكم الشرعي واستثماره من أدلته، وينطلق من أن الأحكام الفقهية متصلة بمصالح الناس في معاشهم ومعادهم، وأن الوصول إليها لا يستقيم من غير إحاطة بمداركها ومسالك الاستدلال بها. ولذلك قصد إلى جمع مقاصد علم الأصول وتحقيق غوامضه، وبنى الكتاب على أربع قواعد كبرى: تحقيق مفهوم أصول الفقه ومبادئه، وبيان الدليل الشرعي وأقسامه وأحكامه، وأحكام المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين، ثم ترجيحات طرق الوصول إلى المطلوبات.
ويخصص القاعدة الأولى لتحديد العلم الذي سيبحث فيه قبل الخوض في مسائله، فيعرّف الفقه وأصول الفقه، ويبين موضوع هذا العلم وغايته ومسائله وما يستمد منه. ويجعل أصول الفقه متعلقة بأدلة الفقه، وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية، وحال المستدل بها من جهة كلية، ويجعل موضوعه أحوال الأدلة وأقسامها ومراتبها وكيفية استخراج الأحكام منها، وغايته الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية. ويرد استمداده إلى علم الكلام والعربية والأحكام الشرعية؛ لأن إثبات حجية الأدلة يتوقف على مبادئ عقدية، وفهم الأدلة اللفظية يتوقف على معرفة العربية، والناظر في أدلة الأحكام يحتاج إلى تصور حقائق الأحكام التي يبحث عن إثباتها أو نفيها.
ويفصل هذه المبادئ في ثلاثة أقسام؛ فيبحث في المبادئ الكلامية معنى الدليل والنظر والعلم والظن، ويفرق بين ما يفيد القطع وما يفيد الظن، ويناقش الحدود التي وضعها من سبقه لهذه المصطلحات، مع عادته في إيراد التعريف ثم اختبار قيوده والاعتراض عليه واختيار ما يراه أدق. ثم ينتقل إلى المبادئ اللغوية، فيدرس نشأة الدلالات الكلامية، واللفظ المفرد والمركب، والحقيقة والمجاز، والاشتراك والترادف وسائر ما تتوقف عليه دلالة الخطاب. وفي المبادئ الفقهية يجعل الحكم الشرعي مستدعيًا للحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه، ويقرر أن الحاكم هو الله تعالى، ثم يبني على ذلك مناقشة التحسين والتقبيح العقليين وحكم الأفعال قبل ورود الشرع، إلى جانب ما يتصل بالتكليف والمكلف به وشروطه وأقسام الأحكام.
وينتقل في القاعدة الثانية إلى الأدلة الشرعية، فيقسم ما يسمى دليلًا شرعيًا إلى ما يصح أن يكون دليلًا يجب العمل به، وما ظُنَّ دليلًا وليس كذلك عنده. ويجعل القسم الأول خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، ويرى أن الكتاب هو الأصل، وأن السنة مخبرة عن الحكم، وأن مستند الإجماع يرجع إلى الأصول الشرعية، وأن القياس والاستدلال يقومان على معقول النص أو الإجماع. ويضع في القسم الآخر شرع من قبلنا، ومذهب الصحابي، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، ثم يفصل وجوه الخلاف والحجج المتعلقة بكل واحد منها.
ويبدأ بالكتاب، فيحقق معنى القرآن المحتج به، وما يثبت قرآنيته، ويتناول مسائل من قبيل البسملة والقراءات وما قيل في اشتمال القرآن على ألفاظ مجازية أو غير عربية، مستعيدًا في ذلك القواعد اللغوية التي مهد بها أول الكتاب. ثم يبحث السنة من جهة حقيقتها وحجيتها وما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير، ويتوسع في الأخبار وطرق ثبوتها؛ فيميز المتواتر من الآحاد، ويبحث شروط إفادة التواتر للعلم، وشروط قبول الراوي، والجرح والتعديل، وكيفية تحمل الرواية وأدائها، وما يطرأ على الخبر من إرسال أو زيادة أو تعارض وغير ذلك من المسائل التي تؤثر في الاحتجاج به. كما يبحث دلالة الفعل النبوي، ويقرر إمكان وقوع البيان بالفعل كما يقع بالقول، مستدلًا بما ورد من بيان الصلاة والحج بالفعل.
ويجعل جانبًا كبيرًا من هذه القاعدة لدلالات الخطاب التي يحتاج إليها في فهم الكتاب والسنة، فيبحث الأمر والنهي وما تدل عليه صِيَغهما، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، ودلالات المنطوق والمفهوم والاقتضاء والإشارة والتنبيه والإيماء. ويحرر مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، ويعرض الخلاف في دلالة تعليق الحكم بالصفة وغيرها من القيود على انتفاء الحكم عند انتفائها، فلا يكتفي بنسبة المذاهب، بل يورد أدلة المثبتين والنافين ويعترض على كل مسلك بما يراه واردًا عليه.
ويتصل بذلك بحث البيان؛ فيتناول حقيقته وطرقه، وما يجوز أن يكون بيانًا، وتأخير البيان، وعلاقة القول بالفعل في أداء وظيفة البيان. كما يفرد للتأويل مسائل تتعلق بما يقبل التأويل وما لا يقبله، والقرائن التي تقوي حمل اللفظ على غير ظاهره، ويربط الترجيح بين التأويلات بما يغلب على ظن المجتهد في كل مسألة. ثم يبحث النسخ فيما يشترك فيه الكتاب والسنة، فيحرر معناه وشروطه وما يقع فيه وما لا يقع، وطرق معرفة الناسخ من المنسوخ، والصور المختلفة لنسخ بعض الأدلة ببعض.
ويبحث الإجماع من جهة إمكانه وحجيته ومن يعتد بقوله في انعقاده، وما إذا كانت موافقة جميع أهل العصر معتبرة، وحكم الإجماع السكوتي، واتفاق أهل عصر بعد سبق الاختلاف بينهم، وإحداث قول جديد بعد استقرار الأقوال، ومستند الإجماع، وإمكان انعقاده عن اجتهاد أو قياس، وطرق نقله وإثباته. ويشدد في التمييز بين الإجماع القطعي وما يثبت بطريق ظني؛ فيبحث مثلًا ثبوت الإجماع بخبر الواحد مع الإقرار بأن طريقه حينئذ ظني، كما يناقش انعقاد الإجماع بعد اختلاف سابق، ويختار في بعض صوره المنع من تحول أحد القولين بعد استقرار الخلاف إلى إجماع ملزم. ويناقش كذلك ضرورة وجود مستند للإجماع والخلاف في صلاحية الاجتهاد والقياس لأن يكونا من مستنداته.
ويمنح القياس بحثًا من أوسع مباحث الكتاب، فيبدأ بتحقيق معناه ومناقشة تعريفاته، ثم يبنيه على أربعة أركان: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والعِلّة الجامعة بينهما. وبعد ذلك يفصل شروط كل ركن، ولا سيما شروط العِلّة، ثم يبحث مسالك إثباتها من النص والإيماء وما يتصل بالمناسبة وغيرها من الطرق، ويعرض أقسام القياس من جهة الجامع وطريقة دلالته، ومن ذلك قياس الإخالة والشبه والسبر والاطراد. ويناقش أصل التعبد بالقياس والخلاف مع منكريه، ثم ينتقل إلى الاعتراضات الواردة على القياس والعِلّة، كالمطالبة وعدم التأثير والنقض والكسر والمعارضة والمنع والقلب والقول بالموجب، ويحدد ترتيب هذه الاعتراضات وصلتها بأصل القياس وفرعه والعِلّة الجامعة بينهما.
ويفرد بعد القياس أصلًا للاستدلال، ويقصد به هنا نوعًا خاصًا من الأدلة لا يكون نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا. ومن صوره عنده الاستدلال بوجود السبب على ثبوت الحكم، وبوجود المانع أو فوات الشرط على انتفائه، والاستدلال بانتفاء الحكم عند انتفاء مداركه بعد البحث عنها، ثم يدخل في صور الأدلة المؤلفة من مقدمات يلزم عن تسليمها قول آخر، فيفصل الأقيسة الاقترانية وما يتعلق بمقدماتها وحدودها وأشكالها. وبهذا لا يجعل «الاستدلال» اسمًا مرادفًا لكل عملية استنباط، بل بابًا محددًا بعد أن أخرج منه النص والإجماع والقياس.
ويخصص القاعدة الثالثة للاجتهاد والمجتهدين وأحوال المفتي والمستفتي، فيعرف الاجتهاد بأنه استفراغ الوسع في طلب الظن بحكم شرعي على وجه يشعر معه الناظر بالعجز عن مزيد بحث، فيخرج بذلك الأحكام القطعية والاجتهاد الناقص الذي لم يستفرغ صاحبه وسعه. ويجعل للمجتهد شرطين جامعين: أن يكون على معرفة بما يتوقف عليه تصديق أصل الشرع، من غير اشتراط التبحر في دقائق علم الكلام، وأن يكون عارفًا بمدارك الأحكام وأقسامها وطرق إثباتها ودلالاتها ومراتبها ووجوه الترجيح بينها وكيفية استخراج الحكم منها. ويدخل في ذلك قدر كاف من معرفة الرواية والجرح والتعديل، والناسخ والمنسوخ، واللغة والنحو، ودلالات الألفاظ، دون اشتراط بلوغه الغاية في كل علم من هذه العلوم. كما يجيز الاجتهاد في بعض المسائل لمن أحاط بما تتوقف عليه تلك المسألة وإن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد في سائر أبواب الفقه.
ثم يختبر حقيقة الاجتهاد في مسائل متعددة: اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه، واجتهاد من عاصره، وتصويب المجتهدين وتخطئتهم، وهل الحق في المسألة الاجتهادية واحد أو متعدد، وحكم تغير اجتهاد المجتهد، ونقض الأحكام المبنية على الاجتهاد، وتقليد المجتهد لغيره. ويقرر أنه إذا اكتملت أهلية المجتهد في مسألة واجتهد فيها وانتهى إلى حكم، فلا يجوز له أن يترك ما أوجبه اجتهاده ليقلد مجتهدًا آخر يخالفه. ثم ينتقل إلى الإفتاء والتقليد، فيبحث من يجوز له أن يفتي، ومن يلزمه الاستفتاء، وحكم مجتهد المذهب الذي يعرف مأخذ إمامه ويقدر على التفريع على قواعده والفرق والجمع والنظر، ويختار جواز فتواه إذا بلغ هذه المرتبة. كما يناقش حال العامي إذا وجد أكثر من مفتٍ، وما إذا كان له أن يختار بينهم أو يلزمه تحري الأعلم والأورع، وحكم اعتماد المفتي على اجتهاد سابق إذا تكررت الواقعة.
ويجعل القاعدة الرابعة للترجيح، فيعرّفه باقتران أحد الدليلين الصالحين المتعارضين بما يوجب العمل به وإهمال مقابله، ثم يقسم البحث بحسب طبيعة ما وقع فيه التعارض. فإذا كان بين منقولين نظر في المرجحات العائدة إلى السند والمتن والمدلول والأمور الخارجة عن الدليل، وداخل السند نفسه يميز ما يرجع إلى الراوي وتزكيته وكيفية الرواية والمروي ومن روي عنه. وإذا وقع التعارض بين معقولين، من قياسين أو استدلالين أو قياس واستدلال، جعل الترجيح راجعًا إلى الأصل أو الفرع أو المدلول أو أمر خارج، فيفاضل بين العلل والأصول بحسب قوة إثباتها وظهورها وانضباطها ومناسبتها واطرادها ومقدار ما تورثه من غلبة الظن.
ويمتد الترجيح عنده إلى مقابلة المنقول بالمعقول، فلا يضع قاعدة واحدة آلية لجميع الصور، بل يفرق بحسب خصوص النص وعمومه وقوة دلالته وقوة القياس المقابل له، ويجعل تقدير بعض الصور تابعًا لما ينشأ في نفس الناظر من قوة الدلالة وضعفها. ثم ينقل البحث من الأدلة الموصلة إلى التصديق إلى الحدود الموصلة إلى تصور المعاني نفسها، فيوازن بين تعريفين سمعيين متعارضين؛ فيرجح ما كانت ألفاظه أصرح وأبعد عن المجاز والاشتراك والغموض، وما كان المعرِّف فيه أعرف وأقدر على إيضاح المحدود، وما كان أوفق للوضع اللغوي وأبعد عن الخلل، ثم يبين أن تقابل هذه الجهات قد يولد وجوهًا أخرى كثيرة من الترجيح لا تنحصر في عدد ثابت.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














