
نبذة عن الكتاب:
يَتتبَّع أبو عبد الله محمد بن علي المازري في كتاب «إيضاح المحصول من برهان الأصول» بناءَ أبي المعالي الجويني لمسائل الأصول في «البرهان»، فيشرح مراده، ويكشف ما وراء عباراته من أصول كلامية ولغوية وفقهية، ثم يختبر ما نقله من المذاهب وما أقامه من الحجج، فيوافقه تارةً، ويستدرك عليه تارةً، ويُعيد تحرير المسألة حين يحتاج التقسيم أو النقل أو الاستدلال إلى مراجعة. ولذلك يتجاوز عمله تفسير ألفاظ «البرهان» إلى مناقشة تستحضر القاضي أبا بكر الباقلاني، والأشعري، وابن فورك، والإسفراييني، والقاضي عبد الوهاب، وابن خويز منداد، وغيرهم، وتقارن بين طرائق المتكلمين والفقهاء والأصوليين في تأسيس المسألة.
ويظهر هذا المنهج منذ المقدمات الكلامية المتصلة بالأحكام؛ إذ يناقش التحسين والتقبيح العقليين، وحكم الأفعال قبل ورود الشرع، ووجوب شكر المنعم، وعلاقة العقل بالوجوب والحظر والإباحة. ويرد الأحكام الشرعية إلى خطاب الله تعالى، ويناقش احتجاج المعتزلة بالعوائد والعقل في إثبات الحسن والقبح، ويعترض على قياس الغائب على الشاهد فيما يتعلق بالله تعالى؛ لأن أحوال البشر من الانتفاع بالشكر والتضرر بالكفر لا تجري في حق الله عز وجل. ثم يتابع أثر هذه الأصول في تصنيف الأفعال إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم، ويتوقف عند مدى صحة إطلاق الحسن والقبح على بعض هذه الأقسام.
ومن مباحث الحكم ينتقل إلى حقيقة التكليف، فيبحث اشتقاق اللفظ من الكلفة والمشقة، ومدى دخول الواجب والمحرم والمندوب والمباح فيه. ويناقش تعريف أبي المعالي للفقه بأنه العلم بأحكام التكاليف، وينبه إلى أن هذا الحد يضيق عن المباحات مع كونها من مسائل الفقه؛ إذ تمتلئ كتب الفروع ببيان الجائز والمباح كما تمتلئ ببيان الواجب والمحظور. ويقيس المازري التعريف على المادة الفقهية التي يراد له أن يشملها، ثم يكشف ما يخرج منه من أفراد العلم.
ويَستقصي بعد ذلك تكليف ما لا يطاق، ويفرق بين استحالة الفعل في نفسه وبين عدم القدرة عليه في حال ورود الأمر مع إمكان حصول القدرة عند زمن الامتثال. ويعيد فحص ما نُقل عن الأشعري في هذا الباب، ويعترض على تخطئة أبي المعالي لبعض ناقلي مذهبه، موضحًا أن إطلاق القول بجواز تكليف ما لا يطاق يحتاج إلى تفصيل بحسب نوع الامتناع المقصود. وتتصل بذلك مسألة الكسب وخلق أفعال العباد؛ فيبين وجه إضافة الفعل إلى الله تعالى خلقًا وإلى العبد اكتسابًا واختيارًا، ويربط بهذا إمكان توجه الأمر والنهي واستحقاق الثواب والعقاب.
ومن هذا الأصل تتفرع عنده مسائل تكليف الصبي، والسكران، والنائم، والمكره، والكفار بفروع الشريعة. ففي الصبي يفرق بين غير المميز وبين من بلغ حدًا يفهم معه الخطاب ويستنبط بعض المعاني، ويستعمل هذا في مناقشة حقيقة العقل وشرطه في التكليف. وفي السكران والنائم يناقش هل يتوجه الخطاب حال فقد العقل أو يتعلق القضاء بهم بعد عود العقل. أما المكره فيفصل بين النهي عن الفعل الذي أكره عليه والأمر بفعل أكره على فعله، ويبحث أثر بقاء القدرة والقصد والإرادة في صحة التكليف.
وتأخذ مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة معالجة مطولة؛ فيحرر أولًا عقائد الإيمان التي اتفق على خطابهم بها، ثم ينتقل إلى الصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها، وينقل اختلاف الشافعي والحنفية وبعض المالكية، ويبحث إمكان التكليف من جهة العقل قبل الانتقال إلى السمع. ويستخرج من فروع المذهب المالكي ما يتصل بالمسألة، مثل أحكام الحائض والكافر والمحدث وإدراك الوقت، ثم يناقش الآيات المستدل بها على خطاب الكفار بالصلاة والزكاة، والأحاديث التي يرتب فيها النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى التوحيد ثم الصلاة والزكاة، ويفرق بين ترتيب التعليم وترتيب أصل الوجوب.
ويُفرد للعقل بحثًا يكشف تداخل الأصول بالكلام؛ فيعرض تعريفاته عند الفلاسفة والأطباء والمتكلمين والفقهاء، ثم يناقش الأقوال التي تجعله علمًا أو جملة من العلوم الضرورية أو صفة أخرى ملازمة لها. ويستعرض تعريف الأشعري، والجبائي، والقاضي أبي بكر، وأبي المعالي، ويحلل حجة القاضي القائمة على التقسيم: فالعقل موجود محدث، وليس جوهرًا ولا جميع الأعراض ولا جميع العلوم، ثم ينتهي هذا الاستدلال إلى كونه بعض العلوم الضرورية. وبعد ذلك يختبر الاعتراضات الموجهة إلى هذا التصور وموقع العلوم الضرورية من حقيقة العقل.
وفي «مبادئ العلوم النظرية» يظهر استقلال المازري في نقد أبي المعالي بوضوح أشد. فقد نسب الجويني إلى أئمة الأشعرية حصر طرق العلوم النظرية في أربعة: السبر والتقسيم، ورد الغائب إلى الشاهد، وإنتاج المقدمات للنتائج، والاستدلال بالمتفق عليه على المختلف فيه. ويرجع المازري إلى كلام القاضي أبي بكر نفسه فيجد أنه صرح بأن وجوه الاستدلال يكثر تعدادها، ثم يميز بين كون السبر والتقسيم دليلًا مستقلًا وبين كونه موضعًا أو ركنًا يستعمل فيه الدليل المثبت لأحد الأقسام أو المبطل لها. فالمناقشة هنا تصحح نقل أبي المعالي عن شيوخه، وتُعيد ضبط حقيقة الدليل العقلي ووظيفته.
ثم تنتقل الدراسة إلى المقدمات اللغوية؛ فيناقش حقيقة الكلام وأقسامه، والحروف، والمصادر والأفعال، وعلاقة مباحث النحو بأصول الفقه. ويعترض على الخوض فيما لا يثمر أثرًا أصوليًا، مثل النزاع في كون المصدر أصلًا للفعل أو الفعل أصلًا للمصدر إذا أريد بالأصل مجرد السبق في الوضع؛ لأن ذلك أمر لا طريق إلى معرفته ولا ثمرة عملية له. ويستحضر مذهب البصريين والكوفيين، ثم يرد المسألة إلى ما يقتضيه التحقيق الأصولي من أثر في فهم الخطاب والاستدلال به.
ويَبحث الأوامر والنواهي من جهة حقيقتها ودلالتها وما يترتب عليها. فيناقش هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، وهل يقتضي التكرار والاستيعاب، وما يخرج إليه الأمر والنهي من معانٍ بحسب القرائن. ويعرض اختلاف الفقهاء والمتكلمين في تعلق الأمر بضده، ويصل ذلك بمسألة الكلام النفسي عند الأشعرية وبالمعنى اللغوي للصيغة. كما يبين أن صيغة النهي قد تأتي للتحريم، أو للتنزيه، أو للإرشاد، أو للدعاء، أو لغير ذلك، بحسب السياق والدليل المصاحب.
وتشغل مباحث العموم والخصوص جانبًا مهمًا من الكتاب؛ فيبدأ بتحرير معنى العموم والخصوص، ثم يبحث إمكانهما في القول النفسي والأفعال والأحكام والمعاني، ويعين الصيغ التي اختلف العلماء في دلالتها على الاستيعاب، ويرد أسباب الخلاف إلى شواهد عقلية ولغوية وشرعية. وفي هذا الباب يناقش الواقفية والقائلين بالعموم والخصوص، ويميز بين قوة صيغ العموم؛ فمنها ما تقارب النص في الاستيعاب، ومنها ما تضعف دلالته، ومنها ما يقع بين المرتبتين. ويُظهر هذا التفاوت أثره عند تعارض العموم مع القياس أو التأويل أو خبر الآحاد.
ويَراجع المازري هنا عددًا من اختيارات أبي المعالي مراجعة صريحة. ففي بعض تقاسيم العموم يرى اضطرابًا في البناء؛ لأن القائلين بالعموم يجعلون اللفظ نفسه دالًا على الاستيعاب من غير حاجة إلى قرينة مستقلة، بينما الواقفة لا تتحول عندها القرائن التي ذكرها الجويني إلى دليل موجب للعموم. وفي موضع آخر يصحح تعميم أبي المعالي لإنكار «المفهوم» عند بعض الحنفية، مبينًا أن محل إنكارهم هو مفهوم المخالفة، أما مفهوم الموافقة أو الفحوى فيبقى خارج هذا الإنكار.
ويتفرع عن العموم بحث التخصيص، وحمل المطلق على المقيد، ودليل الخطاب، والقضايا التي خرجت على أسباب خاصة. ويوازن بين قوة اللفظ وقوة القياس؛ فالعموم قد يقابله قياس قوي أو ضعيف، وقياس العلة عند بعضهم أقوى من قياس الشبه في باب التخصيص. كما يناقش تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وتخصيص العموم بالقياس، ويرد سبب الخلاف إلى الموازنة بين ظن مستفاد من اللفظ وظن مستفاد من القياس.
وفي حمل المطلق على المقيد يحرر مواقع الخلاف بحسب اتحاد الحكم والسبب أو اختلافهما، ثم يصل المسألة بمبحث «الزيادة على النص»: أهي نسخ أم بيان وتخصيص؟ فمن جعل التقييد زيادةً لها حقيقة النسخ امتنع عنده رد المطلق إلى المقيد بطريق ظني كالقياس أو خبر الواحد، ومن جعله بيانًا أو تخصيصًا أمكنه استعمال الأدلة الظنية التي ثبت جواز التخصيص بها.
ويتناول النص والظاهر والمجمل والبيان والتأويل بوصفها مراتب تحدد مقدار ما يستفاد من الخطاب. ففي المجمل يميز بين لفظ لم يتعين المراد منه أصلًا، وبين لفظ تعينت محتملاته وبقي التردد في واحد منها، كما في «القروء» بين الحيض والطهر، وبين إجمال طرأ من لواحق الكلام. ويهتم بفصل ما هو أليق بصناعة الأصول عن التفريعات التي تميل إلى الصناعة اللغوية المحضة، ويُعيد في مواضع كثيرة ترتيب تقسيمات أبي المعالي بحسب مقدار فائدتها في فهم الدليل الشرعي.
وفي التأويل يشترط أن يقوم على دليل يقوي حمل اللفظ على معنى محتمل ويوازن بينه وبين قوة الظاهر. وإذا كان ظاهر النص يدل على التعليل، فإنه لا يترك بقياس استنبطه الفقيه من عنده ما دام الظن المستفاد من صيغة كلام النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من الظن الذي تولد عن علة ظنية. ومن هنا يناقش حديث بيع الرطب بالتمر، ويرد بعض التأويلات المتكلفة؛ لأن سلامة التأويل مرتبطة بقوة دليله وبموقعه من نظام الأدلة.
ثم يتجه إلى الأخبار، ويجعل النظر فيها متعلقًا بالتسمية والحد وأقسام الخبر وما يوجب العلم أو العمل، ثم ينتقل إلى خبر الواحد وشروط الرواة والتعديل والتجريح وطرق التحمل والرواية. ويعرض اختلاف الأصوليين في قبول الجرح المجمل والتعديل المجمل، ويرد الخلاف إلى مقدار حصول الثقة بالراوي؛ فالمعتبر في خبر الواحد هو تحقق الظن الموجب للعمل، وما يخرم الثقة يؤثر في قبول الخبر. كما يناقش الإجازة في الرواية، ويفرق بين الإجازة المقيدة بكتاب معين والإجازة العامة المجهولة التي تضعف فيها جهة الثقة.
ويُفصِّل كذلك في موقف الصحابة رضي الله عنهم من أخبار الآحاد، ويرى أن اختلافهم أحيانًا في قبول خبر بعينه يدل على دخول بعض صور هذا الباب في مجال الاجتهاد، بحسب حال الناقل والقرائن المحيطة بالخبر. ولذلك يناقش القول برد كل خبر لم يُنقل عن الصحابة رضي الله عنهم إجماع صريح على قبول جنسه، ويُبقي مثل هذه الصور في دائرة الظن والاجتهاد عند تحقق أسباب الثقة.
ويَبحث الأخبار التي تعم بها البلوى بحثًا مفصلًا؛ فيعرض قول من رد خبر الواحد فيها بدعوى أن ما تتكرر حاجة الناس إليه ينبغي أن يشتهر نقله، ثم يناقش نسبة هذا المذهب إلى الإمام مالك، ويرفض بناء النسبة على بعض الوقائع التي كان لمالك فيها أدلة أخرى أرجح من الخبر المعارض. ويعرض في المقابل مذهب من يقبل خبر الواحد في هذه المسائل ما دام عدلًا ولم يقطع بكذبه، ويوازن بين دعوى الاسترابة بسبب انفراد الراوي وبين إمكان وجود أسباب حالت دون انتشار النقل.
ويتصل بذلك مبحث القراءة الشاذة، حيث يفرق بين خبر آحاد مظنون الصدق وبين لفظ ينسب إلى القرآن الكريم مع قيام الأسباب القوية على وجوب تواتره لو كان قرآنًا. ويناقش استدلال القائلين بالعمل بالقراءة الشاذة في الأحكام، ويستحضر إجماع الصحابة رضي الله عنهم على مصحف عثمان رضي الله عنه، ثم يميز بين إسقاط القراءة الشاذة من القرآن وبين احتمال الاحتجاج بها من جهة الخبر، ويبحث مقدار ما يدل عليه الإجماع في هذه المسألة.
ويَكشف ترتيب «البرهان» الذي يتابعه المازري صورةً أشمل للمباحث؛ فقد جعل أبو المعالي أصول الفقه متعلقة بنطق صاحب الشرع، والإجماع، وما يُستنبط من النطق، ورتب بعد مباحث الأوامر والعموم والنص والمجمل والظاهر والتأويلات: الأخبار، ثم الإجماع، فالقياس، فالترجيح، فالنسخ، فأوصاف المفتي، ثم مسألة تصويب المجتهدين. وينبه المازري إلى أن تقديم القياس على النسخ مخالف للترتيب المعتاد، لأن النسخ من مباحث النصوص نفسها والقياس مستنبط منها، ثم يجري في الشرح على ترتيب أبي المعالي حتى يبقى اتصال المسائل واضحًا.
ويبدأ في الإجماع بتحرير دلالة اسمه قبل الدخول في أحكامه؛ فيذكر رجوعه في اللغة إلى العزم والإمضاء، وإلى معنى الاجتماع والانضمام، ثم يناقش مدى صحة حمل الاستعمال الشرعي على هذه المعاني. ويقسم النظر فيه إلى معنى الإجماع، وإمكان وقوعه، ومذاهب العلماء فيه، وأسباب اختلافهم، وهي الطريقة التي يسلكها المازري في كثير من أبواب الكتاب: تحديد حقيقة المصطلح، ثم تصوير محل النزاع، ثم ضبط المذاهب، ثم الكشف عن الأصول التي ولَّدت اختلافها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














