يجمع أحمد تيمور باشا في هذا الكتاب مادة واسعة تتصل بحدود القياس في العربية، وما يثبت بالسَّماع، وما يجوز إلحاقه بالمطَّرد من كلام العرب أو يمتنع قياسه عليه. ويفتتح الكتاب بقاعدة «إذا ورد السَّماع بطل القياس»، ثم ينقل مذاهب النحاة في معناها وتطبيقها؛ فسيبويه والأخفش يجعلان القياس مرجعًا عند عدم معرفة المسموع، لا مع ثبوت استعمال العرب على خلافه، في حين ينقل عن الفراء جواز القياس في بعض ما سُمع فيه غير القياس، كما يعرض للقول بأن بعض الأبواب لا تدرك إلا بالسَّماع. ويتصل بذلك بحث الشاذ والنادر والضعيف والمطَّرد، والعلاقة بين كثرة الاستعمال والقياس، وإمكان انتقال بعض السماعي إلى حكم القياسي إذا أمكن استنباط قاعدة تضبط نظائره.
ويتتبع تيمور هذه القضية في أبواب كثيرة من اللغة والتصريف، فلا يقف عند تقرير أصل نظري للسَّماع والقياس، بل يجمع الجزئيات التي تكشف مواقع الاتفاق والافتراق بينهما. فيبحث في الاشتقاق من الجامد ومدى سماعيته، وما أُميت من الأفعال أو لم يُسمع له فعل أو مصدر، ويجمع الأبنية القليلة والنادرة وما جاء منها على خلاف المشهور، ويتناول مصادر الأفعال، وصيغ المبالغة والحِرَف، وأفعل التفضيل والتعجب، والتعدية بالهمزة والتضعيف، والتصغير، والإدغام والفك، والنَّسَب، وأبنية أسماء الأمكنة والمصادر، وما شذ من تصريف الأفعال وإعرابها. ويعنى في كل ذلك بتمييز ما نص العلماء على قياسيته مما قصروه على السَّماع، مع إيراد المواضع التي اختلفوا في إلحاقها بالقياس بسبب كثرة شواهدها.
ويستوعب جانب كبير من الكتاب مسائل الجموع والأبنية الخارجة عن الأقيسة الغالبة؛ فيتتبع ما جاء من «فَعْل» مجموعًا على «أفعال»، وجمع «فاعل» للعاقل على «فواعل»، والجموع النادرة، وما لا واحد له من لفظه، وما اختلف لفظ جمعه عن مفرده، وما استوى فيه لفظ الواحد والجمع، والمفرد الذي جاء على صورة الجمع، وما خالف القياس في التثنية أو النَّسَب أو بناء اسم المفعول وغيره. ويورد تحت كل مسألة ألفاظًا وشواهد، ثم يحيل إلى المواضع التي ناقشها فيها أصحاب المعاجم وكتب النحو والتصريف، وقد يضم أقوالًا متعارضة في اللفظ الواحد ليظهر اختلافهم في حمله على السَّماع أو القياس.
وتقوم طريقة تيمور على الجمع والتوثيق والمقابلة أكثر من قيامها على الشرح المتصل؛ فمادة الكتاب موزعة على عناوين ومسائل قصيرة، يعقبها بالنقول والشواهد والإحالات الدقيقة إلى مصادر كثيرة، منها «الكتاب» لسيبويه، و«الخصائص» لابن جني، و«همع الهوامع»، و«المزهر»، و«لسان العرب»، و«القاموس» وشروحه، و«الاقتضاب»، و«المحتسب»، وشروح «الشافية» و«الألفية» وغيرها. ومن خلال هذه المادة تتضح مواضع يقف فيها الاستعمال المسموع حَدًّا أمام القياس، ومواضع أخرى تتسع فيها دائرة القياس لكثرة النظائر أو لاستخراج قاعدة جامعة، مع إبراز ما عدّه اللغويون شاذًّا أو نادرًا أو سماعيًّا وإن وافق وجهًا يمكن تخريجه على القياس.