يدرس حمزة عبد الله النشرتي في كتابه «الرَّابط وأثره في التراكيب في العربية» وسائلَ التماسك التي تصل أجزاء التركيب العربي بعضها ببعض، وتمنع الجملة الواقعة جزءًا من تركيب أكبر من أن تنفصل عما قبلها معنًى وصناعةً. وينطلق من أن قوة الأسلوب العربي تقوم على ترابط جمله وأجزائه، وأن هذا الترابط يسهم في تحديد المعنى ورفع اللَّبس والإبهام، مع تنبيهه إلى أن الصلة بين أجزاء الكلام أوسع من الروابط اللفظية التي يعالجها النحاة؛ فقد يتحقق الاتصال بعلاقات معنوية كالتوكيد والتفصيل والتعليل. غير أن البحث يخصّ بالدراسة الروابط التي تدور في أبواب النحو، فيجمع شتات مسائلها، ويحدد أنواعها ومجالات استعمالها، ويناقش ما وقع فيها من خلاف.
ويجعل النشرتي الضمير أصلَ الروابط وأوسعها استعمالًا، فيتتبع أثره مذكورًا ومحذوفًا في الجملة الخبرية، وصلة الموصول، وجملة الحال، وجملة الصفة، والشرط والجواب، والجملة المفسرة لعامل الاسم المشتغل عنه، وألفاظ التوكيد، وبدل البعض وبدل الاشتمال، ومعمول الصفة المشبهة، وشبه الجملة من الظرف والجار والمجرور. ويبيّن أن المقصود من الضمير هنا ليس مجرد الإحالة، وإنما إنشاء الصلة التي تجعل الجملة أو التابع متعلقًا بما قبله، حتى لا يقع أجنبيًّا عنه. ثم يعرض لما قد يقوم مقام الضمير، فيبحث الربط بالاسم الظاهر في الخبر والصلة والتوكيد، وما يشترط فيه من إعادة اللفظ أو ما يتصل بمقام التفخيم والتعظيم، ويعرض للربط بالمعنى وما قيل في جواز إعادة المبتدأ بمعناه، مناقشًا شواهده ومبيّنًا أن وقوعه في الجملة الخبرية قليل جدًّا.
ويتتبع بعد ذلك صورًا أخرى للرَّبط، منها اسم الإشارة، مشترطًا عوده على المبتدأ، والعموم الذي قد يغني عن الضمير في بعض الجمل الخبرية والصفات، مع بيان أن هذين الطريقين غير مطَّردين. ويفرد لجمل الشرط والجواب بحثًا في الرَّبط بالفاء و«إذا»، واجتماعهما لتقوية اتصال الجزاء بالشرط، كما يبحث الواو من جهة عملها في وصل بعض الجمل الخبرية والحالية بما قبلها. ويُفصّل أحوال جملة الحال خاصة، إذ قد يكون رابطها الواو وحدها، أو الضمير وحده، أو يجتمعان، تبعًا لبنية الجملة ونوع فعلها وما تشتمل عليه من عائد. كما يناقش قضية الرَّبط بـ«أل» التي وقع فيها الخلاف بين البصريين والكوفيين، ولا سيما في معمول الصفة المشبهة وبعض التراكيب الخبرية؛ فالكوفيون وبعض البصريين أجازوا أن تنوب «أل» عن الضمير، بينما ردّ جمهور البصريين ذلك وقدّروا رابطًا ضميريًّا محذوفًا.
ويختم النشرتي بنوع من الرَّبط يخص باب التنازع؛ إذ يرى أن العاملين المتنازعين لا بد أن تقوم بينهما صلة تمنع انقطاع أحدهما عن الآخر وتوضح وحدة المعنى المقصود، ويبيّن أن هذه الصلة قد تتحقق بعمل أحد العاملين في الآخر، أو باجتماعهما في الخبر عن مبتدأ واحد، أو بالعطف، أو بكون الثاني جوابًا للأول، سواء أكان جواب أمر أو شرط أم جوابًا عن استفسار، أو بعلاقة العموم والخصوص. ويعتمد في مناقشة هذه الصور على شواهد كثيرة من القرآن الكريم والشعر العربي، ويوازن بين مذاهب سيبويه والأخفش والفراء والكسائي والمبرّد وابن مالك وابن عصفور والزمخشري وأبي حيان وغيرهم، فلا يكتفي بإثبات وجود الرابط، بل يبحث في صلاحيته، وموضعه، وإمكان حذفه أو الاستغناء عنه، ومدى اطِّراد كل صورة من صور الرَّبط في الاستعمال العربي.