يفرد مرعي بن يوسف الكرمي كتابه «إخلاص الوداد في صدق الميعاد» لفضيلة الوفاء بالوعد، مستمدًّا أصل بحثه من ثناء الله تعالى على إسماعيل عليه السلام بقوله: «إنه كان صادق الوعد». ويقصد إلى بيان منزلة هذه الخصلة في أخلاق الأنبياء عليهم السلام وأهل المروءة، وما يقابلها من قبح إخلاف الميعاد، جامعًا بين التفسير والآثار والنظر الفقهي في رسالة شديدة الاختصار.
ويبدأ بذكر الخلاف في تعيين إسماعيل الوارد في الآية، ثم يقرر أن جماهير العلماء والمفسرين على أنه إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. ويبحث سبب تخصيصه بصفة صدق الوعد مع اشتراك الأنبياء عليهم السلام في الوفاء، فينقل عن المفسرين أن هذه الخصلة غلب اشتهاره بها وعُرف بها بين سائر خصاله.
ويورد من شواهد وفائه وعده أباه بالصبر عند الذبح، ثم ينقل ما ورد في انتظاره رجلًا واعده اللقاء، مع اختلاف الأخبار في مدة انتظاره؛ فقيل يومًا وليلة، وقيل 3 أيام، وقيل 22 يومًا، ونُقل غير ذلك. ثم يتجاوز اختلاف هذه الروايات إلى المعنى الذي يراه أليق بظاهر الآية: أن إسماعيل عليه السلام كان صادقًا في مواعيده كلها، لا يَعِد شيئًا إلا وفى به.
ويذكر في إثر ذلك بعض ما نُقل عن السلف في مراعاة الموعد ومقدار انتظار من تأخر عنه، وما ورد في تشبيه العِدَة بالدَّين، مستدلًا بذلك على أن الوعد لم يكن عند أهل المروءة قولًا هينًا يجوز إطلاقه ثم الإعراض عنه، بل التزامًا يُظهر صدق صاحبه ويحفظ الثقة بين الناس.
ثم يحرر المسألة الفقهية التي تنتهي إليها الرسالة: حكم الوفاء بالوعد، والفرق بين وجوبه شرعًا وإمكان إلزام صاحبه به قضاءً. فيقرر أن الوفاء واجب، وأن خُلف الوعد من غير استثناء محرم، لكنه لا يجعل مجرد الوعد دَينًا يقضي به القاضي ويجبر صاحبه على تنفيذه؛ فثمة فرق بين لزومه من جهة التكليف ولزومه من جهة الحكم القضائي.
ويستدل لذلك بالأمر بالوفاء بالعهد، ويستحضر ما قيل في مدح إنجاز المواعيد عند العرب وسائر الأمم، ثم يسوق أبياتًا تجعل كلمة «نعم» عهدًا على الحر وتربط الوفاء بكرم الطبع وحسن الذكر. وبذلك لا يعالج الوعد بوصفه مسألة فقهية مجردة، بل يرده إلى أصله الأخلاقي الذي تنتظم به الرسالة كلها.
ويستقر معنى الكتاب في أن صدق الوعد لا يكتمل بالقول، وإنما يصدقه الإنجاز؛ ولهذا جعل الكرمي وصف إسماعيل عليه السلام مفتاحًا لبحثه، ثم أتبع التفسير بالشواهد والأحكام حتى انتهى إلى أن الوفاء من دلائل الكرم والمروءة، وأن إخلاف الميعاد يقدح في صدق صاحبه وإن لم يكن كل وعد مما يُجبر على تنفيذه بحكم القضاء.