يربط عبد المحسن بن حمد العباد البدر في هذا الكتاب بين أداء العبادة على الوجه المشروع وبين ما تتركه من آثار في صلاح المسلم واستقامة حياته وسعادته في الدنيا والآخرة. فيبدأ ببيان حقيقة العبادة ومكانتها، ثم يقرر أن قبولها قائم على إخلاص العمل لله تعالى ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن ينتقل إلى بيان ما تثمره الطاعات من طمأنينة القلب وسعة الرزق والتوفيق والهدى والاستقامة، ثم يفصل أثر الصلاة والزكاة والصيام والحج في تهذيب النفس وإصلاح السلوك وتقوية صلة المسلم بربه وبمجتمعه.
ويعرّف العبادة بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ثم يربط منزلتها بالغاية التي خُلق لها الإنس والجن، وبالرسالة التي بعث الله تعالى بها رسله عليهم السلام. ومن هذا المفهوم الواسع يذكر الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة والاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر وغيرها، ثم ينتقل إلى أركان الإسلام الواردة في حديث جبريل وحديث «بني الإسلام على خمس»، ليجعلها نماذج رئيسة لبيان الأثر العملي للعبادة.
ويجعل لقبول العبادة شرطين لا ينفك أحدهما عن الآخر: إخلاص العمل لله تعالى، وتجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. ويربط الأول بمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله تعالى، والثاني بمقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلا تصح العبادة إذا صرف شيء منها لغير الله تعالى، كما لا تصح إذا أُحدثت على وجه لم يأت به النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هنا يؤكد أن حسن القصد وحده لا يكفي لصحة العمل، مستدلًا بمن ذبح أضحيته قبل صلاة العيد، وبإنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على جماعة جعلوا يعدون الأذكار بالحصى على هيئة محدثة مع تصريحهم بأنهم لم يريدوا إلا الخير.
ثم ينتقل من شروط العبادة إلى آثارها العامة، فيجعل منها انشراح الصدر وراحة البال والطمأنينة وسعة الرزق والسلامة، ويستدل بآيات تجمع بين الأمر بالإيمان والتقوى والعمل الصالح وبين ما يترتب عليها من بركات في الدنيا وثواب في الآخرة. فالتقوى سبب للبركة والرزق، ولإصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب، وللخروج من الشدائد وتيسير الأمور، كما تجعل لصاحبها فرقانًا يبصر به الحق من الباطل، ويزداد بها علمًا وهدى.
ويبرز الاستغفار والتوبة نموذجًا آخر لهذه العلاقة بين العبادة وأثرها، فيستحضر ما جاء في دعوة نوح عليه السلام من ربط الاستغفار بنزول المطر والإمداد بالأموال والبنين والجنات والأنهار، وما جاء في دعوة هود عليه السلام من زيادة القوة، وما جاء في خطاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم من المتاع الحسن المترتب على الاستغفار والتوبة. ثم يجمع ذلك في معنى «الحياة الطيبة» التي تثمر عن الإيمان والعمل الصالح، بما تتضمنه من استقامة وسعادة في الدنيا مع الجزاء الحسن في الآخرة.
ويستند كذلك إلى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما في قوله: «احفظ الله يحفظك»، فيفسر الحفظ هنا بحفظ العبد في دينه ودنياه، وبدنه وماله وأهله، وصيانته من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة. ويربط التعرف إلى الله تعالى في الرخاء بمعونته في الشدة، ثم يستحضر قصة أصحاب الغار الذين توسّل كل واحد منهم إلى الله تعالى بعمل صالح خالص قدمه في حال السعة، فجعل ما سبق من طاعتهم سببًا لفرجهم عند الشدة.
وبعد هذا التأصيل العام يفرد الصلاة بآثارها الخاصة، فيصفها بأنها عمود الإسلام والصلة المتكررة بين العبد وربه، ويجعل المحافظة عليها، ولا سيما في جماعة، سببًا في قوة هذه الصلة وتجددها على مدار اليوم والليلة. ويقف خاصة عند أثرها في مقاومة الفحشاء والمنكر؛ فدوام الصلاة يذكّر المسلم بسبب عبادته وبالثواب الذي يرجوه والعقاب الذي يخشاه، فيكون ذلك حاجزًا بينه وبين المعصية ودافعًا إلى الاستقامة.
أما الزكاة فيجمع آثارها في المزكي وماله والمجتمع؛ فهي تطهر النفس من الشح والبخل، وتكون سببًا في بركة المال ونمائه، وتحقق ما يسميه التكافل الاجتماعي حين ينتقل جزء يسير من أموال الأغنياء إلى الفقراء فيسد حاجاتهم من غير إضرار بأصحاب الأموال. ويؤكد أن منفعتها لا تقتصر على المحتاج، بل يعود أثرها على الغني بتزكية نفسه وإثابته على الإحسان، ويستشهد بقصة صاحب الحديقة الذي كان يجعل ثلث غلتها للمساكين، وما ورد في قصته من البركة المتصلة بهذا البذل.
ويجعل للصيام أثرين متلازمين: الوقاية من النار في الآخرة، والوقاية من المعاصي في الدنيا. فالصوم يضعف سلطان الشهوة ويعين الإنسان على كبح نفسه والصبر عن المحرمات، ولهذا يستحضر توجيه النبي صلى الله عليه وسلم الشباب إلى الزواج عند القدرة، وإلى الصيام عند العجز عنه لما فيه من إعانة على العفة. ويضيف إلى ذلك أثرًا اجتماعيًا؛ إذ يعرّف الغني ألم الجوع، فيستشعر نعمة الغنى ويتذكر من يعاني الحاجة من غير اختيار، فيكون ذلك باعثًا على الشكر والإحسان إلى الفقراء.
ويختم بالحج بوصفه عبادة تجمع أعمال البدن والمال، وتترك آثارًا تمتد إلى ما بعد أداء المناسك. فيربط الحج المبرور بمغفرة الذنوب والجنة، ويجعل من علاماته أن يكون الإنسان بعد الحج أصلح حالًا مما كان قبله. كما يلفت إلى ما تغرسه مناسكه من معاني الاتباع؛ فالطواف مخصوص بالكعبة، واستلام الحجر الأسود والركن اليماني مشروع في موضعه على الوجه الوارد، وبذلك يتعلم المسلم أن حقيقة العبادة قائمة على الامتثال لا على استحسان الإنسان لما يتقرب به.
ويستخرج من هيئة الإحرام ومشاهد الحج معاني تربوية أخرى؛ فتجرد المحرم من ثيابه المعتادة واشتراك الغني والفقير في الإزار والرداء يذكران بالكفن والموت، واجتماع الناس في عرفة يذكّر بالموقف يوم القيامة، فيكونان باعثين على الاستعداد للآخرة بالعمل الصالح. وفي اجتماع الحجاج من أقطار الأرض فرصة للتعارف والتناصح والاطلاع على أحوال المسلمين، والمشاركة في أفراحهم وآلامهم، والتعاون بينهم على البر والتقوى.
وهكذا يصل «أثر العبادات في حياة المسلم» بين حقيقة العبادة وصحة أدائها وما تتركه من ثمار، فيجعل الإخلاص والمتابعة أساس القبول، ثم يبين أن أثر الطاعة لا ينحصر في الجزاء الأخروي، بل يظهر في الهدى والطمأنينة والرزق وتيسير الأمور والعفة والتكافل والاستقامة وقوة صلة المسلم بربه. وتأتي الصلاة والزكاة والصيام والحج نماذج تطبيقية لهذا الأصل، لتدل على أن العبادات التي أقيم عليها الإسلام ليست أعمالًا منفصلة عن حياة المسلم، وإنما أسباب لإصلاحها في الدنيا وتهيئة صاحبها للفوز في الآخرة.