يقرن أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتابه «أخلاق العلماء» فضلَ العلم بمسؤوليته، فلا تتحقق منزلة العالم بكثرة المحفوظ أو اشتهار الفتوى والمناظرة، وإنما بما يحدثه العلم في صاحبه من خشية وعمل وتواضع ونصح. ويبدأ ببيان منزلة العلماء وحاجة الناس إليهم في معرفة الحلال والحرام والحق والباطل، ويصفهم بورثة الأنبياء ومصابيح العباد، ثم يسوق من القرآن والسنة والآثار ما يستدل به على فضل العلم وأهله في الدنيا والآخرة.
ولا يسوّي الآجري بين كل من حمل العلم وبين العلماء الذين ورد الثناء عليهم؛ فبعد استيفاء جانب من فضائلهم يصرح بأن لأهل العلم أوصافًا وأخلاقًا يتميز بها مَن نفعه الله تعالى بعلمه ممن صار علمه حجة عليه. ومن هنا ينتقل الكتاب من بيان شرف العلم إلى محاسبة العالم في طلبه وتعلّمه وتعليمه ومناظرته وفُتياه، وفي مجالسته العلماء، ومعاشرته الناس، وصلته بأهل الدنيا، وما يكون بينه وبين الله تعالى.
ويبدأ بصورة العالم في طلبه للعلم: يطلبه ليرفع الجهل عن نفسه ويعبد الله تعالى على بصيرة، لا ليكتسب الذكر والمنزلة، ويستشعر أن توفيقه إلى الطلب فضل من الله تعالى لا مَزية يستعلي بها على غيره. ويعنى بالفهم في تلاوة القرآن، وبالفقه في السنن والآثار، ويكثر الصمت عما لا يعنيه، ويراجع نيته حتى في حزنه على ما فاته من العلم؛ لأن الأسف على علم بلغه ولم يعمل به أولى من الأسف على مسألة لم يسمعها.
ويؤدبه عند مجالسة العلماء بالتواضع وخفض الصوت وحسن السؤال وطلب الفائدة، وينهاه أن يحول المذاكرة إلى ميدان لإظهار التفوق. وإذا عُرف بالعلم واحتاج الناس إليه ازداد تواضعًا، ولم يتخذ علمه سبيلًا إلى المنزلة عند الملوك أو قضاء الحوائج، ولم يخص أصحاب الدنيا بعنايته ويحرم الفقراء، بل يصون العلم ويبلغه إلى من يحتاج إليه.
وفي مجلس التعليم يظهر أثر العلم في رفق صاحبه؛ فيصبر على بطيء الفهم، ويحلم على من جفا، ويصحح الخطأ من غير تشهير ولا إذلال، ويوجه السائل إلى ما ينفعه بدل الاشتغال بما لا يعنيه. ويقدم تعليم الفرائض واجتناب المحارم، ويقرب المعاني بالحكمة والموعظة، ويعرض عمن يريد الجدال والمِراء لا التعلم.
ويشدد في أمر الفُتيا أشد من ذلك؛ فلا يجيب العالم إلا بعلم، ويرجع إلى الكتاب والسنة والإجماع وما جرى عليه الصحابة وأئمة المسلمين، ويتهم رأيه إذا انفرد بما يخالف طريقهم. وإذا جهل قال: «لا أعلم» من غير حرج، وإذا تبين خطؤه رجع عنه وشكر من نبهه إليه، ولا يتكلف جواب المسائل المشتبهة ولا ما يثير الشغب والفتنة. ويعضد هذا المعنى بأخبار كثيرة عن الصحابة ومن بعدهم في التهيب من الفُتيا وتدافعهم إياها، حتى كان إعفاء أحدهم من الجواب أحب إليه ما دام غيره يكفيه.
ويفرد للمناظرة حديثًا دقيقًا، فيفرق بين البحث الذي يقصد كشف الحق والجدل الذي يقصد الغلبة. فالمناظران إذا طلبا العلم بحق وجب أن يحب كل منهما أن يظهر الصواب على لسان صاحبه كما يحب ظهوره على لسانه، وأن يكون رجوع أحدهما إلى قول الآخر مكسبًا لا هزيمة. أما أن يتمنى كل واحد خطأ خصمه ليحفظ لنفسه الغلبة والمنزلة فذلك يفسد المقصود من العلم، ويجعل المناظرة مِراءً يورث التباغض والتفرق.
ويمتد أثر العلم إلى معاملة الناس؛ فالعالم الذي نفعه العلم يُؤمَن شره ويُرجى خيره، لا يتتبع العثرات، ولا يشيع الذنوب، ولا يفشي الأسرار، ولا ينتقم لنفسه بغير حق، ويكظم غيظه ويعفو ويصفح، ويسلم قلبه من الحسد والغل، ويلتمس للمؤمن العذر ما أمكن. ويلخص الآجري شدة مجاهدته لنفسه بعبارة جامعة: الناس منه في راحة، ونفسه منه في جهد.
أما حاله مع الله تعالى فتقوم على الشكر والذكر والخوف ومحاسبة النفس؛ فمع كثرة اجتهاده لا يأمن التقصير، وكلما ازداد علمًا ازداد خوفًا من قيام الحجة عليه. ولا ينافس أهل الدنيا في عزها، ويجعل القرآن والسنة أدبًا لنفسه لا مادةً لكلامه فحسب، ويظهر العلم في خشوعه وسكينته وتواضعه. ولهذا يكثر الآجري من الآثار التي تربط العلم النافع بالخشية والعمل، وتذم أن يحمل المرء العلم ثم يبقى سلوكه بمنأى عنه.
ويقابل هذه الصورة بباب واسع سماه «أخلاق العالم الجاهل المفتتن بعلمه»، يرصد فيه انقلاب العلم من هداية إلى فتنة حين يطلب للفخر والرياء والجدل والدنيا. فهذا يحرص على ما يشهره بين الناس، ويثقل عليه العلم الذي يلزمه العمل، ويحزن لفوات مجلس علم أكثر من حزنه على مخالفة ما علم، ويناظر ليخطئ خصمه، ويفرح بزلل غيره، ويتعصب لقوله وإن عرف خطأه، ويرخص في الفُتيا لمن يهواه ويشدد على من يبغضه.
ومن آفاته كذلك أن يحب أن يُذكر مع العلماء وأن تتوجه إليه الأسئلة، ويأنف من قول «لا أعلم»، ويكره أن يظهر عالم أنفع للناس منه، وقد يفرح بزوال منافسه حتى تنصرف الحاجة إليه. وإذا ثبت له خطأ قول رفع منزلته عند الناس امتنع من الرجوع عنه خوفًا على جاهه، ويتواضع لأصحاب الدنيا طمعًا فيما عندهم ويتكبر على الفقراء، فيتجمل بالعلم كما يتجمل المرء بثوبه، ولا يجمّل علمه بالعمل.
ويلاحق الآجري هذا الخلل في صلته بالمال والسلطان والمنصب؛ فيحذر من بذل العلم لأهل الدنيا طلبًا لما في أيديهم، ومن المداهنة في مقابل القرب والمنزلة. ويصور ما قد ينتهي إليه طالب الجاه إذا طلب القضاء وبذل من دينه في سبيله، ثم صار أسيرًا لمن ولاه، فسكت عن المنكر ومال في الحقوق. ففساد العالم لا يبقى محصورًا في نفسه؛ لأن المكانة التي اكتسبها بالعلم توسع أثر انحرافه في الناس.
ويعارض كذلك الولع بالأغلوطات وتعقيد المسائل التي لم تقع وربما لا تقع، ولا سيما حين تتحول إلى اختبار للعلماء وطلب لزلاتهم. ويستشهد بطريقة السلف في السؤال عما وقع والاشتغال بما ينفع في العبادة والعمل، ويكرر أن وظيفة المذاكرة هي المناصحة والوصول إلى الصواب، لا استعراض القدرة على افتراض المشكلات أو إحراج المجيب.
ويبلغ الكتاب غرضه في صفحاته الأخيرة حين يعيد العالم إلى أبسط علامات الأمانة العلمية وأثقلها على النفس: أن يقول فيما لا يعلمه «لا أعلم». ويسوق لذلك نماذج عن الصحابة والأئمة، ثم يعود إلى وصف من لم يؤثر العلم في قلبه، فتغلب عليه الدنيا والهوى وطلب المنزلة. ولا يختم الآجري بتمجيد كثرة العلم، بل بالدعاء الذي يلخص الفارق الذي أقام عليه كتابه كله: سؤال العلم النافع والاستعاذة من علم لا ينفع.