بنى أبو البقاء العكبري كتاب «اللباب في علل البناء والإعراب» على غاية محددة: أن يختصر أصول النحو التي تدعو الحاجة إلى معرفتها، ويقرن كل باب من أبوابه بالعلل التي تكشف أصوله وتفسر أكثر فروعه. فاستهل بتحديد النحو والكلام وأقسام الكلم، وضبط خصائص الاسم والفعل والحرف، وأتبع ذلك بأصل الكتاب الذي يتردد أثره في سائر مسائله، وهو الإعراب والبناء؛ فبحث حقيقتهما، ومواضع علاماتهما، وسبب اختصاص الاسم بضروب من الإعراب والفعل بضروب أخرى، وعلل الرفع والنصب والجر والجزم، وحركات البناء ومواقعها. ومن هنا يقوم الكتاب على سؤال يتكرر بصور شتى: لِمَ جرى كلام العرب على هذا الوجه دون غيره؟ ولذلك لا يكتفي العكبري بإثبات الحكم، وإنما يسعى إلى بيان العلة التي أوجبته والقياس الذي ينتظم فروعه.
ويجري هذا المنهج في أبواب النحو كلها تقريبًا؛ فيفصل أحكام المعرب والمبني، والصحيح والمعتل، والمثنى والجمع، والممنوع من الصرف، والمبتدأ والخبر، والفاعل ونائبه، والمفاعيل، والحال والتمييز والاستثناء، والإضافة، والتوابع من النعت والعطف والتوكيد والبدل، كما يبحث عمل الأفعال والحروف وما يطرأ عليها من أحكام. وعند مواضع الخلاف يعرض مذاهب النحويين، ولا سيما البصريين والكوفيين، ويذكر حجج كل فريق ثم يعترض ويرجح، مستعينًا بالقياس والسماع وتعليل الأبنية والأعمال. وتظهر في مناقشاته أسماء سيبويه والخليل والمبرد والفراء والكسائي والأخفش وغيرهم، مع عناية بتفكيك الحجة نفسها وبيان ما يلزم عنها، فلا يكون الخلاف عنده مجرد حكاية للأقوال، بل مادةً لاختبار الأصول التي يقوم عليها كل مذهب.
ويمتد البحث إلى التصريف، الذي يعده العكبري نظرًا في ذات الكلمة، فيبحث أصول الحروف وزوائدها، والميزان الصرفي، والزيادة والحذف والإبدال، والإعلال والإدغام، والتصغير والجمع والنسب، وما يتصل بتغير بنية الكلمة وأصواتها. ويضم إلى ذلك مباحث في مخارج الحروف وصفاتها، ثم يعقد في أواخر الكتاب أبوابًا للخط، فيبين رسم الألف والهمزة، وما يزاد في الكتابة وما يحذف منها، وأحكام الوصل والفصل بين الكلمات. وبذلك يتجاوز «اللباب» حدود سرد القواعد إلى بناء تفسير متماسك لها؛ إذ يربط الحكم بعلته، والفرع بأصله، والاستعمال بقياسه أو سماعه، ليجعل معرفة العلة سبيلًا إلى فهم ما يتولد عن الأصل من مسائل لا تنحصر في المثال المذكور وحده.