
نبذة عن الكتاب:
يُجلي عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في رسالة «طرائف في العربيَّة» جملةً من النُّكت اللُّغويَّة التي لاحَت له ولم يقف -في أثناء بحثه- على من نصَّ عليها على الوجه الذي تصوَّره، ويعرضها للنَّظر والمناقشة من غير أن يتعامل معها بوصفها نتائج لا تقبل المراجعة؛ إذ يصرِّح في المقدِّمة بأنَّه يعرضها على أهل العلم، فإن قُبلت اطمأنَّ إليها، وإن كان فيها خطأ انتظر مَن ينبِّهه إلى وجهه. وتتوزَّع هذه الطَّرائف بين محاولة تفسير نشأة بعض الألفاظ وصلتها بحركات أعضاء النُّطق، وبحث أصول كلمتي «تنُّور» و«تفَّاح»، والنَّظر في ضمير الشأن والقصة، ثمَّ دراسة دلالة «كاد» وعلاقتها بالنَّفي.
ويبدأ المعلِّمي بمسألة نشأة اللُّغة، فيذكر القول بأنَّ منشأ جانب من الألفاظ محاكاة الأصوات المسموعة، كما في الألفاظ التي تناسب أصواتها معانيها، ثمَّ يعرض المناسبة بين الألفاظ والمعاني من جهة صفات الحروف وترتيبها وحركاتها، وهي المناسبة التي تناولها أئمَّة العربيَّة ومنهم ابن جنِّي. غير أنَّه يعدُّ هذين الوجهين غير كافيين لتفسير إلا جزء يسير من اللُّغة، ويضيف وجهًا ثالثًا خطر له، هو نشوء بعض الألفاظ من الجمع بين التَّصويت والإشارة، ولا سيَّما الإشارة التي تؤدِّيها أعضاء النُّطق نفسها.
ويطبِّق هذه الفكرة على ألفاظ بعينها؛ فيربط اسم الإشارة «ذا» بحركة اللِّسان عند الإشارة، وينظر في ضمير المتكلِّم وما تقتضيه الإشارة إلى النَّفس من عطف اللِّسان إلى داخل الفم، ثمَّ يتناول لفظ «الماء» وعلاقته بحركة الشَّفتين عند الامتصاص. ويمدُّ هذا التَّفسير إلى كلمات مثل «بلع»، فيلاحظ تدرُّج مخارج حروفها من الشَّفة إلى وسط الفم ثمَّ الحلق بما يناسب حركة البلع، ويقابلها بألفاظ مثل «لفظ» و«نفث» التي تتَّجه فيها حركة النُّطق إلى الخارج، كما يتأمَّل «ذوق» و«قرب» و«بلغ» و«مضغ» على أساس المناسبة الحسِّيَّة أو المعنويَّة بين ترتيب الحروف ومدلول الكلمة. ولا يجعل هذه الطريقة وحدها أصلًا شاملًا لجميع اللُّغة، بل يضمُّها إلى محاكاة الأصوات ومناسبات صفات الحروف، ويقرِّر أنَّ الوقوف على جميع المناسبات التي حضرت واضعي الألفاظ متعذِّر.
ويتَّصل بذلك نظره في التَّذكير والتَّأنيث، إذ يحاول تفسير غلبة تذكير أسماء الأعضاء المفردة وتأنيث أسماء الأعضاء المزدوجة بمناسبةٍ تصوَّر أنَّها قد تكون حضرت في أصل الوضع، مع إقراره بوجود ألفاظ تخالف هذه الغلبة وبأنَّ المناسبة قد تختلف من لفظ إلى آخر. ويؤكِّد في هذا السِّياق أنَّ خفاء علَّة التَّسمية علينا لا يستلزم انتفاء المناسبة في أصل الوضع، فربَّ لفظٍ وُضع لعلاقةٍ أدركها واضعوه ثمَّ خفيت على مَن جاء بعدهم.
وينتقل إلى لفظ «تنُّور»، فيناقش الخلاف في أصله الصَّرفي وعلاقته بـ«النار» و«النور». ويستشكل جعله من مادَّة «ت ن ر»؛ لما في ذلك من إهمال المناسبة الظَّاهرة بين التَّنُّور والنَّار، ولأنَّ هذه المادَّة لا يكاد يوجد لها استعمال مستقلٌّ، فضلًا عن ندرة اجتماع النون والرَّاء على بعض الصور في أصول العربيَّة. ويفحص هذه النُّقطة الأخيرة بجمع عدد من المواد التي اجتمع فيها الحرفان، لينتهي إلى أنَّ القاعدة في تجنُّب اجتماعهما أغلبيَّة وليست مطَّردة لا تتخلَّف.
ويعرض بعد ذلك الأقوال في وزن «تنُّور»، وما قيل في عجمته أو اشتقاقه من مادَّة «ن و ر»، ثمَّ يقترح تفسيرًا يقوم على القلب المكاني؛ فيجعل الأصل متَّصلًا بمادَّة «ن و ر»، ثمَّ يقع تقديم وتأخير في الحروف، ويتبع ذلك إبدال الواو تاءً. ويستدلُّ لإمكان القلب بأمثلة من العربيَّة مثل ما قيل في «جبذ» و«صواقع» و«أيس»، ولإبدال الواو تاءً بنظائر مثل «تقوى» و«تترى» و«تولج». ثمَّ يناقش ما يترتَّب على القلب من انتقال الحركات والتَّضعيف، ويقارن ذلك بصيغ مقلوبة أخرى لبيان إمكان المحافظة على هيئة البناء بعد انتقال الحروف.
ويجري نظرًا قريبًا من ذلك في كلمة «تفَّاح»، فيلاحظ أنَّ مادَّة «ت ف ح» لا تكاد تُعرف في غير هذا الاسم، ويقترح ردَّ الكلمة إلى مادَّة «ف و ح» لاتِّصالها بفوح الرَّائحة، فيفترض أصلًا من نحو «فوَّاح»، ثمَّ يفسِّر تحوُّل الصِّيغة بالقلب والإبدال، مستأنسًا بما يقع في العربيَّة من إبدال الواو تاءً في أوائل بعض الكلمات. وتقوم هذه الطَّريفة، مثل سابقتها، على محاولة الجمع بين المناسبة الدَّلاليَّة والقواعد الصَّرفيَّة بدل الاكتفاء بمادَّة لا يظهر لها نظير مستقلٌّ في الاستعمال.
ويتناول المعلِّمي بعد ذلك «ضمير الشأن والقصة»، فيناقش تفسير الضَّمير في نحو «هو الله أحد» و«هي العرب تقول ما شاءت». وكان قد فهم أنَّ هذا الضَّمير يرجع إلى شأن أو قصَّة مقدَّرة تُعرف من المقام؛ فيمثِّل بمن يسمع جلبةً فيسأل عن الشأن فيقال له: «هو الملك قدم»، أو يسأل عن القصَّة فيقال: «هي السوق زُيِّنت». ويذهب إلى أنَّ المتكلِّم إذا قدَّر سؤالًا غير ملفوظ به أمكن تفسير تذكير الضَّمير وتأنيثه بالنَّظر إلى الشأن أو القصَّة وإلى مراعاة صورة الجملة الآتية بعده.
ويوازن هذا التَّفسير بما قرَّره النُّحاة في عود ضمير الشأن إلى متأخِّر لفظًا ورتبة، ثمَّ يستأنس بما نُقل من أنَّ عدَّه عائدًا إلى الجملة المتأخِّرة فيه نوع مسامحة، وبقول ابن الحاجب في عوده إلى متقدِّم حكمًا؛ لأنَّ المتكلِّم يكون قد تعقَّل مضمون الجملة في ذهنه قبل أن يصرِّح به. ويقرِّب المعلِّمي ذلك بأنَّ المتكلِّم يتصوَّر في ذهنه مضمونًا مثل «العرب تقول ما شاءت»، ثمَّ يخبر عنه باعتباره قصَّة فيقول: «هي العرب تقول ما شاءت»، وبذلك يبقى متمسِّكًا بوجاهة تفسيره للضَّمير بما هو متعقَّل في الذِّهن.
ويخصِّص المبحث الأخير للفعل «كاد»، ويميِّز فيه بين أحوال اقترانه بالنَّفي. فإذا خلا من النَّفي أفاد مقاربة الفعل، مع ما يُفهم من عدم وقوعه في نحو «كاد التلميذ ينجح». وإذا وقع النَّفي في متعلَّق المقاربة، كما في «قارب أن لا ينجح»، أفاد نفي عدم النجاح، فيُفهم منه وقوعه. أمَّا الإشكال الأكبر فينشأ عند تقدُّم النَّفي على «كاد»، لأنَّ نحو «ما كاد ينجح» قد يُفهم منه وقوع النجاح بعد مشقَّة، مع أنَّ القياس على «ما قارب أن ينجح» يقتضي تقوية نفي الوقوع.
ويعرض المعلِّمي ما قيل في تفسير هذا الاستعمال، ويناقش تأويل قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}، ولا يرتضي التَّكلُّف في فصل المقاربة والفعل على حالين مختلفين. ثمَّ يقترح حلًّا للإشكال قائمًا على تقديم أداة النَّفي عن موضعها، مستأنسًا بظواهر نحويَّة أخرى يقع فيها تقديم بعض الأدوات أو تأخيرها لأسباب تتعلَّق ببنية التَّركيب، مثل زحْلقة لام الابتداء بعد «إنَّ»، وتأخير الفاء في جواب «أمَّا»، وتقدُّم همزة الاستفهام على حروف العطف.
ويفسِّر على هذا الأساس «ما كاد ينجح» بأنَّ أداة النَّفي متقدِّمة في اللَّفظ عمَّا يعدُّه موضعها في المعنى، فيقارب التَّركيب عنده معنى «كاد لا ينجح»، ومن ثَمَّ يصبح وقوع الفعل مع مقاربته ألَّا يقع مفهومًا من العبارة. ويستأنس بما وجده عند الراغب الأصفهاني من أنَّ «كاد» إذا صاحَبها النَّفي تكون لما وقع مع قربه من عدم الوقوع، ثمَّ يبحث سبب التزام تقديم أداة النَّفي وعدم مجيئها بعد «كاد» في الاستعمال المعتاد، رابطًا ذلك بشدَّة اتصال «كاد» بخبرها وحرص العربيَّة على القرب اللَّفظي بينهما.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














