
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن تيمية في «الحسنة والسيئة» قول الله تعالى: «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك»، ويجعل الآية أصلًا لبحثٍ ممتد في النِّعم والمصائب، والطاعات والمعاصي، والقدر والحكمة ومسؤولية الإنسان عن عمله. ويبدأ من سياق الآيات في سورة النساء، ولا سيما قول المنافقين عند نزول البلاء: «هذه من عندك»، أي بسبب ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين وما أمر به من الجهاد، ثم يبين أن المراد المقطوع به بالحسنة والسيئة في الآية هو ما يصيب الإنسان من النعمة والمصيبة، مع إمكان دخول الطاعة والمعصية في المعنى من جهة أخرى. ويحلل الجمع بين قوله تعالى: «قل كل من عند الله» وقوله: «وما أصابك من سيئة فمن نفسك»، فيقرر أن النعمة والمصيبة كلتيهما واقعتان بقضاء الله تعالى وقدره، فلا يخرج شيء عن مشيئته وخلقه، لكن الحسنة تُضاف إلى الله تعالى من جهة فضله وإنعامه، أما السيئة فتُضاف إلى نفس الإنسان من جهة ذنبه وكونه سببًا لما أصابه؛ ولهذا لا تناقض بين إثبات القدر وإثبات مسؤولية العبد. ومن هذا الأصل يناقش القدرية النافين لخلق الله تعالى أفعال العباد، كما يناقش الجبرية الذين يفصلون أفعال الله تعالى عن الحكمة والعدل، ويقرر أن الله تعالى خالق كل شيء، وأن ما يخلقه من الجزاء والمصائب لا يخلو من حكمة، وأنه لا يظلم الناس شيئًا، وإنما يظلم الناس أنفسهم.
ويمضي ابن تيمية من تفسير الآية إلى بيان آثارها في عبودية الإنسان؛ فمعرفة أن الخير من فضل الله تعالى تثمر الشكر والحمد والتوكل والاستعانة به، ومعرفة أن السيئة من النفس تثمر التوبة والاستغفار وعدم الاحتجاج بالقدر على الذنب، ولذلك يلخص ثمرة هذا التفريق بأن الخير نعمة يُشكر الله تعالى عليها، والشر بسبب الذنب فيُستغفر منه. ويبين أن الطاعة قد تكون سببًا لطاعة بعدها وهداية زائدة، كما قد تكون المعصية سببًا لمعصية تالية وعقوبة أخرى، وأن ما يصيب المؤمن من البلاء ليس ناشئًا عن طاعته لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل قد يكون بسبب ذنب، أو امتحانًا وتمحيصًا وتكفيرًا للخطايا ورفعًا للدرجات، فيجتمع للمؤمن في السراء الشكر وفي الضراء الصبر. ويتصل بذلك حديثه عن إخلاص الدين لله تعالى، وأن العبد يعمل لله تعالى ويستعين به، فلا يرى حسناته مستقلةً بنفسه ولا يجعل القدر ذريعةً لسيئاته، بل يشهد افتقاره إلى ربه تعالى في الهداية والعمل والثبات. ثم يتسع البحث إلى الدعاء والتوحيد والشفاعة، فيقرر أن النعم لا تُطلب على الحقيقة إلا من الله تعالى، وأن الشفاعة لا يملكها أحد استقلالًا، وإنما تقع بإذنه، وأن أهل التوحيد والإخلاص هم أهلها؛ وبذلك يجمع الكتاب بين تفسير الآية ومسائل القدر والحكمة من جهة، وبين ما يترتب عليها عمليًّا من التوحيد والشكر والاستغفار والصبر والتوبة والتوكل على الله تعالى من جهة أخرى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














