
نبذة عن الكتاب:
يُفصِّل الخطيب البغدادي في هذا الكتاب حكمَ الاشتغال بالنجوم، منطلقًا من سؤالٍ عن كون هذا العلم محمودًا أو مذمومًا، ثم يقسمه إلى ضربين متمايزين: علمٍ مباح يرى أن تعلُّمه فضيلة، وعلمٍ محظور يذم النظر فيه. ويجعل الأول معرفةَ أسماء الكواكب ومنازلها ومطالعها ومساقطها وسيرها، والاهتداء بها في البر والبحر، والاستدلال بها على جهة القبلة ومواقيت الصلاة وساعات الليل، ومعرفة ما ارتبط بمطالعها عند العرب من أوقات الأمطار والحر والبرد والنتاج والزرع وسائر أحوال معاشهم، مستدلًّا على أصل الانتفاع بها بآيات القرآن الكريم وما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ويتوسَّع في بيان هذا القسم المباح، فيذكر منازل القمر والبروج والنجوم وأسماءها، وينقل من أشعار العرب وأسجاعهم ما يدل على معرفتهم بمطالع النجوم وعلاقتها بتعاقب الفصول وأحوال الجو والمطر والرعي والزراعة والتنقل. ويميز في باب الأنواء تمييزًا دقيقًا بين اتخاذ طلوع النجم أو سقوطه علامةً زمنية تُعرف بها عادةٌ جارية، مع نسبة المطر والتدبير إلى الله تعالى، وبين اعتقاد أن النجم نفسه هو الذي يُحدث المطر؛ فالأول لا يدخله في النهي، أما الثاني فيجعله من الاعتقاد المذموم. ولهذا يصف هذا اللون من معرفة النجوم بأنه علم نافع يُهتدى به، وتُعرف به أوقات وأمارات يحتاج إليها الناس في أسفارهم ومعايشهم.
أما الضرب المحظور فهو عنده «أحكام المنجِّمين»، أي بناء الأخبار عن الحوادث والمغيَّبات على أوضاع الكواكب واتصالاتها، وربط الكسوف أو غيره بموت إنسان أو حياته أو وقوع جائحة وحادثة، لما في ذلك من التعدي إلى علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به إلا ما أطلع عليه من شاء من رسله. ويناقش في هذا السياق الكسوف والخسوف، مفرقًا بين وقوعهما بحسب مسير الشمس والقمر وبين اتخاذهما دليلًا على حوادث أرضية مستقبلة، كما يستدل بالأحاديث الواردة في نفي ارتباط الكسوف بموت أحد أو حياته.
ولا يقتصر الخطيب على الاستدلال بالنصوص في إبطال أحكام التنجيم، بل ينقدها من داخل بنائها الحسابي والاستدلالي؛ فيلفت إلى كثرة خطأ المنجِّمين واضطراب توقعاتهم، واختلافهم في تقويم الكواكب والزيجات التي يعتمدونها، وفي تقسيم البروج والبيوت ونسبتها إلى الكواكب من غير برهان ظاهر، ويرى أن اختلاف هذه المقدمات يفضي إلى اختلاف مواقع الكواكب ثم إلى اختلاف الأحكام والنتائج. ويطبق ذلك على ما يدّعونه في المواليد والأعمار وأمور الملوك والدول والحروب والحوادث العظام، ليخلص إلى أن ما يقع من إصابة المنجِّم لا ينهض دليلًا على صحة صناعته، وأن تقلُّب أحوال الناس ووقوع ما لم تتوقعه خواطرهم أدعى إلى التسليم بالقضاء والإقرار بأن تدبير الأمور ومشيئتها لله تعالى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














