
نبذة عن الكتاب:
ينطلق ابن تيمية في «الاستقامة» من قاعدةٍ صرّح بها في صدر الكتاب: وجوب الاستقامة والاعتدال ومتابعة الكتاب والسنة في أسماء الله تعالى وصفاته وتوحيده، وأن التفرّق إنما ينشأ من ترك بعض الحق، أو ضم الباطل إليه، أو استعمال ألفاظ مجملة تفتح باب النزاع. ومن هنا لا يقصر بحثه على مسألة عقدية بعينها، بل يوازن بين انحرافات متقابلة في الاعتقاد والفقه والسلوك؛ فيناقش الكلام المُحدَث والرأي الفقهي الذي يتجاوز دلالة النصوص، كما يناقش التعبد والتصوف المُحدَثين، ويقرر أن كمال الشريعة يغني عن إحداث أصول في الدين لم يأت بها النبي صلى الله عليه وسلم. ويجعل التمييز بين السنة والبدعة من أعظم مقاصد هذا الباب، محذرًا من أن يَعدَّ الإنسان ما ورثه عن طائفته سنةً ثم يحكم على مخالفه بالبدعة لمجرد المخالفة، ويتصل بذلك بحثه في أسباب الاختلاف والتكفير والتباغض والقتال، وفي الخطأ الناشئ عن الاجتهاد والتأويل، فيفرّق بين البغي المذموم والخطأ الذي يقع مع استفراغ الوسع، وينبه إلى أثر اشتراك الألفاظ والتباس المعاني في تحول كثير من الخلافات إلى تضادٍّ أشد مما تقتضيه حقائق الأقوال.
ويتعمق الكتاب في أحوال السلوك والعبادة من خلال مناقشة أقوال الصوفية والمشايخ، ولا سيما ما ينقله أبو القاسم القشيري، فيزن تلك العبارات بمعاني الكتاب والسنة، فيقبل ما صح معناها ويكشف ما تحتمله الألفاظ المجملة من معانٍ فاسدة. ويشرح التوحيد في القصد والإرادة بما يشمل الإخلاص والتوكل والمحبة وإفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة، ثم يفصل في «الفناء»؛ فيفرق بين الفناء عن عبادة ما سوى الله تعالى، والفناء عن شهود ما سواه، وبين القول الذي يجعل وجود المخلوقات عين وجود الحق تعالى. كما يبحث «السُّكر» و«الصحو» والوجد وغلبة الأحوال، فيقرر أن زوال العقل والتمييز ليس كمالًا في نفسه، وإن اقترن به أحيانًا ذوق أو وجد إيماني، وأن الصحو الجامع للعلم والإيمان أكمل. ويأخذ السماع مساحة كبيرة من الكتاب، فيميز بين سماع القرآن والذكر المشروع وبين السماع المُحدَث القائم على الأشعار والألحان والاجتماع لها، ويناقش ما نُسب في شأنه إلى الجنيد وغيره من مشايخ التصوف، وما قد يصح من تلك النقول وما لا يصح. وبهذا يجعل «الاستقامة» ميزانًا لا يكتفي بإدانة طرفٍ لمصلحة طرف، بل يرد الإفراط والتفريط معًا، ويجعل صحة الاعتقاد والذوق والسلوك تابعةً للعلم والعمل والاتباع، لا لمجرد الدعوى أو الوجد أو الانتساب إلى طريقة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














