
نبذة عن الكتاب:
يودع ابن حزم الأندلسي في كتابه «الأخلاق والسير في مداواة النفوس» خلاصةَ تأمل طويل في أحوال الناس وتقلبات الحياة وأمراض النفس وسبل إصلاحها؛ فقد جمع فيه معاني أفادته إياها مراقبة الأيام وتعاقب الأحوال، وأطال فيها النظر والتجربة، ثم قيّدها رجاء أن ينتفع بها من تصل إليه في إصلاح أخلاقه ومداواة علل نفسه. ولهذا لا يجري الكتاب على نسق البحث الذي يستقصي المسائل واحدةً بعد أخرى، وإنما تتعاقب فيه التأملات والقواعد والتعريفات والملاحظات النفسية والاجتماعية والنصائح العملية، وتخالطها تجارب المؤلف الشخصية وما انتهى إليه بعد معاناة نفسه ومخالطة الناس.
ويضع في مطلع حديثه عن مداواة النفوس أصلًا ينتظم جانبًا كبيرًا من الكتاب: أن الناس، على اختلاف مطالبهم، يشتركون في غاية واحدة هي «طرد الهم». فالمال يُطلب لدفع هم الفقر، والجاه لدفع هم الاستعلاء، واللذات لدفع هم الحرمان منها، والعلم لدفع هم الجهل، والصحبة لدفع هم الوحدة، وسائر الحركات البشرية ترجع في جانب منها إلى محاولة إزاحة هم حاضر أو متوقع. غير أن هذه المطالب نفسها لا تسلم من هم جديد ينشأ معها أو من خوف زوالها وفواتها.
ويبحث لذلك عن الطريق الذي يحقق طرد الهم من غير أن يلد همًّا آخر، فينتهي إلى العمل للآخرة والتوجه إلى الله تعالى؛ لأن ما عداه من مطالب الدنيا عرضة للزوال أو لفناء صاحبه عنها، بينما يثمر العمل لله تعالى راحةً في العاجل ورجاءً في الآجل. ومن هنا يجعل قيمة النفس أعلى من أن تبذل في عَرَض الدنيا، ويقرر أن العاقل لا يرى لنفسه ثمنًا دون الجنة، وأن العمل للحق ونصر المظلوم وما يتصل بذلك أولى ببذل النفس من التنافس على المكاسب الزائلة.
ومن هذا الأصل ينتقل إلى تحرير علاقة الإنسان بمدح الناس وذمهم. فالراحة عنده في إسقاط المبالاة بكلام الخلق حين يخالف الحق، مع العناية بما يرضي الخالق عز وجل. والمدح إن كان بحق قد يفتح باب العُجب، وإن كان بباطل فسرور الإنسان به سرور بالكذب؛ أما الذم الصادق فيمكن أن يكشف له عيبًا فيداويه، والذم الباطل يتيح له فضيلة الصبر والحلم. وهكذا يحول حتى ما يكرهه الإنسان من نقد الآخرين إلى مادة لمراجعة النفس بدل أن يكون وقودًا للغضب والخصومة.
ويربط انتقال الإنسان بين الفضيلة والرذيلة بأُنس النفس ونفارها؛ فمَن ألفت نفسه الطاعات والفضائل سهلت عليه، ومَن ألفت الرذائل والمعاصي استثقل الخير. ويضع نهي النفس عن الهوى في قلب عملية الإصلاح، رابطًا بين ضبط القوة الغضبية وضبط الشهوة وبين قيام العدل في النفس. وفي نظره لا يستحق الإنسان أن يفاخر بما تفوقه فيه الحيوانات من قوة الجسم أو السرعة أو قوة الحس، وإنما موطن فضله الحقيقي في التمييز والعلم وحسن العمل.
ويفرد للعلم منزلة كبيرة في تهذيب النفس؛ فيعدد ما يخلّص صاحبه منه من الجهل والوساوس والآمال المؤلمة، ويحض على بذله لمن يستحقه، ويحذر من البخل به كما يحذر من وضع المعارف الدقيقة عند من لا يحسن تلقيها. ويرتب العلوم بحسب أثرها، فأجلها ما قرب الإنسان من خالقه تعالى وأعانه على رضاه، ويدعو من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة ومحاسن الأخلاق إلى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم واستعمال أخلاقه وسيرته ما استطاع.
وتأتي مادة «الأخلاق والسير» في صورة حكم قصيرة وتجارب مكثفة تمس الاستعداد للمكاره، والصبر، ومخالطة الناس، وأداء الحقوق، والحذر من الغدر، والكرم والشجاعة والعفة والعدل. فهو يحدد الجود ببذل الفضل في وجوه البر، ويميزه من التبذير وإعطاء الإنسان ما ليس حقًّا له أن يعطيه، كما يميز الشجاعة من التهور والجبن؛ فالشجاعة بذل النفس في مواضع الحق، لا إلقاؤها في المهالك لأعراض الدنيا. والعفة عنده ضبط الجوارح عما لا يحل من غير تحريم ما أحل الله تعالى، والعدل أن يعطي المرء من نفسه الحق كما يأخذه، أما الجور فأن يأخذ ولا يعطي.
ويكشف في موضع بالغ الدلالة عن تجربته الشخصية في رياضة النفس؛ فلا يكتب عن الأمراض الأخلاقية كأنها عيوب الآخرين، بل يعدد ما عالجه في نفسه من إفراط الغضب، والدعابة، والعُجب، وحب الظهور والغلبة، والأنفة والحقد، ويصف طرائق مقاومته لبعضها وما بقي عسيرًا عليه منها. فقد قاوم العجب باستحضار عيوب نفسه وإلزامها التواضع، وعالج الغضب بمنع نفسه من إظهاره في القول والفعل، وحاول قمع آثار الحقد وإن أقر بأنه لم يستطع استئصاله كله. وهذه المصارحة تجعل «مداواة النفوس» عنده ممارسةً فعلية لا موعظةً يلقيها الإنسان على غيره.
وتتصل بذلك رؤيته لمخالطة الناس؛ فهو شديد الاحتياط لها لما قد تجلبه من إفشاء الأسرار والخصومات والهموم، ويشبه الانتفاع بالناس من غير الإفراط في مخالطتهم بالانتفاع بالنار مع تجنب ملامستها. لكنه لا يجعل الحذر ذريعةً لسوء المعاملة؛ فالإنسان مطالب بأن يحسن إلى غيره ويؤدي ما عليه، مع ألا يربط نصحه أو معروفه أو شفاعته بشرط القبول أو المكافأة.
ويخص «الإخوان والصداقة والنصيحة» بمادة واسعة، فيجعل العتاب الصادق علامةً على بقاء المودة، ويحذر من التعلق بمن يزهد في صاحبه أو ظلم من يرغب فيه بالإعراض عنه. ويحدد الصداقة بأن يسوء المرء ما يسوء صديقه ويسره ما يسره، ويرفع غايتها إلى المشاركة بالنفس والمال والإيثار. ومع ذلك يدعو إلى الجمع بين صفاء المعاملة والحذر من تقلب الأحوال، فلا يودع الإنسان كل أسراره عند الناس ثم يلومهم إذا انكشف ما كان يستطيع كتمانه.
ويفصل بين الصداقة والنصيحة؛ فليس كل صديق ناصحًا، أما الناصح فهو صديق في الموضع الذي نصح فيه، لأن النصيحة تنظر إلى نفع الإنسان ولو كره ما يقال له. ويضع لها آدابًا دقيقة: أن تكون في السر ما أمكن، وباللين والتعريض قبل التصريح، وألا يشترط الناصح قبول قوله، وألا يكرر النصيحة حتى تتحول إلى تقريع وإهانة، مع استثناء ما تقتضيه أمور الدين من استمرار البيان. كما يميز النصيحة من النميمة؛ فالمطلوب دفع الضرر وحماية من يتعرض له، لا مجرد نقل الكلام الذي يشعل العداوة.
ويمتد تحليل العلاقات إلى «المحبة وأنواعها»، فيقرر أن أصل المحبة واحد، وإنما تختلف صورها باختلاف الأغراض والآمال المتعلقة بالمحبوب؛ فيدخل فيها الحب لله تعالى، ومودة الأبوين والأبناء والأقارب والأصدقاء، والمحبة بين الزوجين، وحب المحسن، وحب من يؤمل منه نفع، والعشق. ويربط تفاوت هذه المحبة بتفاوت ما تطمع النفس في تحصيله من المحبوب، ثم يجعل الطمع أصلًا لكثير من الذل والهم، ويقابله بنزاهة النفس والقناعة.
ويضع للمحبة 5 درجات تبدأ بالاستحسان، ثم الإعجاب والرغبة في القرب، ثم الألفة التي يستوحش معها الإنسان لغياب المحبوب، ثم الكَلَف الذي يغلب على الفكر، ثم الشغف الذي قد يذهب بالنوم والطعام ويقود إلى المرض. ويعقب ذلك بأقوال متفرقة في الغيرة والوفاق والملل، ثم يعقد كلامًا مستقلًا في «صباحة الصور وأنواعها»، مفرقًا بين حلاوة الملامح، وجمال الصفات المفردة، وبهاء الهيئة، وبين حُسن تدركه النفس في الصورة وإن عسر التعبير عن سببه بلفظ جامع.
ثم يعود تحت عنوان «الأخلاق والعادات» إلى التمييز بين السلوك المتكلف والحاجة الحقيقية، مستحضرًا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا في استعمال الموجود من غير تكلف ولا تعلق بالمظاهر. وفي هذا السياق يفرق بين الثبات واللجاج؛ فالثبات إمساك بالحق ما لم يظهر بطلانه، أما اللجاج فإصرار على موقف ظهر فساده أو لم يتحقق صاحبه من صحته، وضده الإنصاف.
ويضع منظومة مترابطة للفضائل والرذائل، فيجعل أصول الفضائل 4: العدل، والفهم، والنجدة، والجود، وتتركب منها الفضائل الأخرى؛ فأصول الرذائل أضدادها: الجور، والجهل، والجبن، والشح. ومن هذه الأصول يفسر الوفاء والأمانة والعفة والنزاهة والصبر والحلم والقناعة والصدق، كما يتتبع تولد الحرص من الطمع، والطمع من الحسد والرغبة، وما يتفرع عن ذلك من الذل والعدوان والتعلق بما في أيدي الناس. وبهذا لا يتعامل مع الأخلاق باعتبارها صفات معزولة، بل شبكةً تتولد فيها بعض الصفات من بعض.
ويولي الكلام واللسان عناية خاصة، فيحذر من تصديق كل ما يُنقل قبل التثبت، ومن مقابلة الكذب بكلام صحيح يترتب عليه ظلم شخص لم يقل ما نسب إليه. ويقسم المتكلمين إلى من ينفق كلامه بلا غرض صحيح، ومن يتكلم مدافعًا عما التزمه لا طالبًا للحقيقة، ومن يضع الكلام في موضعه؛ ويجعل الصنف الأخير نادرًا. كما يقرر أن الموعظة بالجفاء كثيرًا ما تزيد المخاطب عنادًا، وأن الرفق والبِشر والتعريض والحديث عن الخطأ من غير مواجهة مباشرة قد تكون أنجع، على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ويحمل عنوان «أدواء الأخلاق الفاسدة ومداواتها» معالجةً مطولة للعُجب خاصة. وأول دوائه أن يفتش الإنسان عن عيوب نفسه؛ لأن من ظن أنه خالٍ من النقص جمع إلى عيوبه ضعف التمييز بها. وإذا أعجب بعلمه تذكر أنه موهبة من الله تعالى، وأن ما يجهله أكثر مما يعلم، وأن العلم الذي لا يعمل به قد يصير حجة عليه. وإذا أعجب برأيه أحصى أخطاءه القديمة، وإذا أعجب بشجاعته أو جاهه أو ماله أو جماله أو نسبه نظر إلى زوال هذه الأشياء وإلى من يفوقه فيها وإلى انعدام قيمتها إذا لم تقترن بالفضل والعمل.
ويجعل من أخطر نتائج العجب احتقار الناس والتعالي عليهم، ثم تطوره إلى طلب الطاعة والاستطالة والظلم؛ ولذلك يؤكد أن رياضة النفس أشق من رياضة الحيوان، لأن الإنسان قد يحبس الأسد فيأمن شره، أما النفس فلا يؤمن شرها بمجرد المنع الخارجي. ومن هنا يرد الإنسان إلى المراقبة الدائمة، وإلى شكر ما وُهب من فضائل بدل نسبة الفضل كله إلى ذاته، وإلى الرحمة بمن حُرم شيئًا مما أوتيه بدل الترفع عليه.
وتعود بقية التأملات إلى العدل والإنصاف والتثبت والحذر من الظلم حتى مع العدو؛ فيقرر أن من أراد الإنصاف فليتصور نفسه مكان خصمه، وأن مسالمة العدو لا تعني ظلمه ولا تمكينه، كما أن الصداقة لا تعني إسقاط ميزان الحق. ويقرر أن الفضيلة في أكثر أبواب الأخلاق تقع بين طرفي الإفراط والتفريط، ويكرر نقد التباهي بالنفس والمال والجاه، وملاحقة مدح الناس، والاشتغال بعيوبهم عن العيوب التي يستطيع الإنسان إصلاحها في نفسه.
وفي «غرائب أخلاق النفس» يلتفت إلى مواطن يلتبس فيها الظاهر بالحقيقة؛ فلا يحكم بصدق المظلوم من شدة بكائه وحدها، فقد يكون الظالم أكثر تشكيًا والمظلوم أشد سكونًا، وإنما الواجب التثبت والإنصاف. ويفرق كذلك بين الغفلة المذمومة والتغافل المحمود؛ فالغفلة فقدان للانتباه حيث يجب الانتباه، أما التغافل فترك مقصود للتفتيش فيما لا فائدة من تتبعه. ويناقش الصبر والجزع، داعيًا إلى ضبط الجوارح عند المصيبة من غير موت الإحساس والرحمة في القلب.
كما يعالج شهوة الاطلاع على ما خفي عن الإنسان، وشهوة بقاء الذكر بعد الموت، فيواجههما بمحاسبة عقلية للنفس: فما لا يعلمه الإنسان من أسرار الناس لا يختلف في أثره عما غاب عنه في أقطار الأرض، وما يقال عنه بعد موته لا يضيف إلى حقيقته شيئًا إن لم يكن مستحقًا له بعمله. ولذلك ينقل الهمة من طلب الشهرة إلى اكتساب الفضائل وأعمال البر التي تقرب صاحبها من الله تعالى، سواء بقي اسمه في الناس أم نُسي.
وينتهي الكتاب بآداب «حضور مجالس العلم»، فيطلب من الداخل إليها أن يقصد الزيادة من العلم والأجر لا تصيد العثرات. ويجعل له 3 أحوال سليمة: أن يسكت سكوت من لا يعلم، أو يسأل سؤال المتعلم عما يجهله، أو يراجع مراجعة العالم بالحجة الواضحة؛ أما السؤال عما يعرفه لإظهار نفسه، أو الاعتراض طلبًا للغلبة، أو تكرار القول من غير برهان، فكلها من الفضول وسوء الأدب. ويمتد هذا المنهج إلى قراءة الكتب وسماع الآراء؛ فلا يدخل المرء على الكلام غاضبًا يريد إسقاطه قبل معرفة بطلانه، ولا مستسلمًا يريد تصديقه قبل ثبوت صحته، بل يقبل عليه طالبًا للحقيقة.
ويغلق ابن حزم كلامه بالتوفيق بين إصلاح النفس وإصلاح الآخرين؛ فالكمال أن يعلم الإنسان الخير ويعمل به، لكن تقصيره في العمل لا يجعل امتناعه عن تعليم الخير أو النهي عن الشر فضيلة. وهو يرد على الفهم الذي يجعل خلو الناصح من كل عيب شرطًا للنصيحة؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الأمر بالخير بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وفي آخر عباراته يعيد الإنسان إلى نفسه: لكل أحد عيوب، ومن أبصر عيوبه وجد فيها من الشغل ما يصرفه عن التتبع العبثي لعيوب غيره. وهكذا يبقى مدار الكتاب من أوله إلى آخره مداواة النفس بالمحاسبة والتمييز والعدل ومغالبة الهوى، حتى تتحول معرفة الفضيلة من قول محفوظ إلى خُلُق مستقر وسيرة معيشة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














