
نبذة عن الكتاب:
يربط محمد بن لطفي الصباغ في هذا الكتاب بين حقيقة الصلاة وحضور القلب، بعد أن لاحظ شكوى مصلين من غلبة الخواطر الدنيوية عليهم، وما يقع من آخرين من كثرة الحركة والالتفات وفرقعة الأصابع والعجلة في الركوع والسجود، مؤكدًا أن الصلاة مناجاة لله تعالى وليست حركات وألفاظًا مجردة، وأن روحها التي تحقق أثرها في النفس والسلوك هي الخشوع. ويبدأ بتتبع معنى الخشوع في اللغة واستعمالاته القرآنية، حيث يدور على السكون والخضوع والتذلل، ثم يستعين بتعريفات ابن القيم والجنيد وابن رجب ليبين أن أصله في القلب من لين ورقة وسكون وانكسار، وأن الجوارح تتبعه؛ فإذا ظهر السكون على الجسد والقلب غافل كان ذلك من «خشوع النفاق». وينبه إلى خطر تحول المواظبة على الصلاة إلى عادة نمطية تُقرأ فيها الأذكار والسور آليًا، ويجعل من أهم وسائل مقاومة ذلك فهم الأذكار والآيات وتنويع ما يقرأه المصلي بعد الفاتحة حتى يبقى حاضر الفكر متدبرًا، كما يشترط اليقظة والنشاط ويحذر من الصلاة مع غلبة النعاس الذي يمنع المصلي من إدراك ما يقول. ويخص الإمام بجملة من التوجيهات؛ فيطالبه بالطمأنينة وإعطاء الأركان حقها، وتحسين القراءة، واجتناب العجلة من جهة والتطويل المنفر من جهة أخرى، حتى يعين المأمومين على حضور قلوبهم بدل أن يصبح طول الصلاة أو سرعتها سببًا في تشويشهم. ويصل الخشوع أيضًا بالتدبر الذي قد يثمر البكاء عند تذكر الجنة والنار ومحاسبة النفس، ويستشهد ببكاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ورقة أبي بكر رضي الله عنه عند قراءة القرآن، كما يبين أن صلاة النافلة في البيت قد تهيئ خلوة أبعد عن الضوضاء والرياء وأقرب إلى صفاء النفس. ثم يعالج وسوسة الشيطان في الصلاة وما يحدثه من تشويش في القراءة وشك في عدد الركعات أو الطهارة، ويورد الاستعاذة بالله تعالى وما جاء في دفع هذه الوساوس، قبل أن يحذر من الخشوع المتكلف الذي يتحول إلى صياح أو حركات واضطراب متعمد. ويقرر بعد ذلك أن الخشوع واجب ينبغي السعي إلى تحصيله، لكنه ليس شرطًا في صحة الصلاة ولا ركنًا تبطل الصلاة بفقده، ويجعل من ثمراته تكفير الذنوب، وزيادة الثواب، وقبول العبادة، واستجابة الدعاء، والتأثر بالصلاة حتى تقود صاحبها إلى الطاعة وترك المحرمات وحب الصلاة والمسارعة إليها.
ويفرد الصباغ القسم الأكبر من الرسالة للأسباب العملية الموصلة إلى الخشوع، فيبدأ بجمع النفس قبل التكبير، واستحضار عظمة الله تعالى وعلمه وافتقار العبد إليه، والتبكير إلى المسجد ليتهيأ القلب بالقراءة والذكر وانتظار الصلاة، وربط الخشوع بمقام الإحسان: أن يعبد المسلم الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه. ثم يدعو إلى استحضار قصر الدنيا والموت والصلاة صلاة مودع، وأداء الصلاة بأناة وطمأنينة، والمحافظة عليها في أول الوقت، واتخاذ السترة، وإحسان الوضوء، والمحافظة على السنن الرواتب والضحى وقيام الليل، وتقليل الحركة والالتفات، وتفريغ القلب من الشواغل وقضاء الحاجة وعدم الصلاة بحضرة الطعام إذا كانت النفس متعلقة به. ويضيف الالتزام بآداب الصلاة وغض البصر عن الملهيات، ومقاومة الخواطر والاستعاذة من الشيطان، والابتعاد عن الصور والزخارف والثياب والأماكن التي تشغل الذهن، واختيار المكان الهادئ الطاهر المناسب للصلاة. ويتجاوز الاستعداد الظاهر إلى إصلاح حياة المصلي نفسها، فيربط الخشوع بأكل الحلال، وكثرة العمل الصالح، والازدياد من العلم بالله تعالى ومحبته والخوف منه ورجاء رحمته، والإخلاص واجتناب الرياء، وتجديد التوبة والاستغفار، واستصغار الطاعة والاعتراف بالتقصير والحذر من العجب، وإدراك منزلة الصلاة، والإكثار من قراءة القرآن وذكر الموت ومحاسبة النفس والاستعداد للآخرة. ويبلغ الجانب التطبيقي ذروته حين يسير مع المصلي داخل الصلاة نفسها، فيشرح كيف يقترن استقبال القبلة بصرف القلب عن الشواغل إلى الله تعالى، وكيف يستحضر عند «الله أكبر» أن كل قوة وهوى وخوف دون عظمة الله تعالى، ثم يربط هيئة القيام بالتذلل والمراقبة، ويوصي بفهم دعاء الاستفتاح والتنويع في صيغه، واستحضار معنى الاستعاذة من الشيطان. ويقف طويلًا عند الفاتحة بوصفها مناجاة بين العبد وربه، فيشرح الحمد والرحمة وملك يوم الدين وإفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة وطلب الهداية، ثم يتأمل معنى الركوع بوصفه خضوعًا، والاعتدال بوصفه مقامًا للحمد، والسجود باعتباره غاية التذلل ومقامًا للدعاء والقرب، والتشهد بما يتضمنه من التحية والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عباد الله الصالحين. ويورد بعد ذلك أخبارًا عن خشوع بعض الصالحين، ويخص صلاة الليل بما توفره من هدوء وصفاء يعينان على التدبر، ويحذر في المقابل من رفع الصوت بالقراءة على نحو يشوش على المصلين. وينهي معالجة المسألة بالتنبيه إلى عدم تحويل طلب الخشوع نفسه إلى باب من الوسواس واليأس؛ فالمطلوب أن يبذل المصلي استطاعته، وأدنى ما ينبغي له أن يعي معاني ما ينطق به، وأن يدفع الخاطر الدنيوي كلما عرض له ويعود بقلبه إلى وقوفه بين يدي الله تعالى، من غير أن يشترط على نفسه انقطاع الإحساس بكل ما حوله أو يجعل الشرود العارض سببًا لترك الصلاة أو الاستهانة بها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














