
نبذة عن الكتاب:
تتوالى في كتاب «التوابين» لموفق الدين ابن قدامة المقدسي حكايات الرجوع إلى الله تعالى على هيئة سجل قصصي طويل يمتد ترقيم أخباره إلى 133 قصة، ويبدأ من أفق بعيد قبل أن يصل إلى أفراد الأمة الإسلامية؛ فأول أبوابه «ذكر التوابين من الملائكة» بقصة هاروت وماروت، ثم «التوابين من الأنبياء» مبتدئًا بآدم عليه السلام، حيث يصور الندم بعد الأكل من الشجرة، والحياء، والبكاء، والدعاء، وقبول التوبة. ويستمر مع نوح وموسى وداود وسليمان ويونس عليهم السلام وغيرهم، مستندًا إلى أسانيد وأخبار وآثار متفاوتة الصيغ، وتكثر فيها المناجاة والبكاء وطول العبادة بعد الزلة؛ ففي قصة يونس عليه السلام يروي خروجه مغاضبًا، وابتلاءه بالحوت، ودعاءه في الظلمات، ثم نجاته واستغفاره بعد أن يواجه بمعنى الرحمة بقومه الذين تابوا قبل نزول العذاب. وبعد أخبار الأنبياء ينتقل إلى «التوابين من الأمم»، ومنهم قوم موسى عليه السلام، ثم إلى «آحاد الأمم الماضية»، فتظهر قصص أصحاب الغار والكفل والعابد والمرأة البغي ورجال من بني إسرائيل عصوا ثم غلب عليهم الخوف والندم، وبعضهم تدركه التوبة عند لحظة الفتنة نفسها فيقطع طريق المعصية قبل تمامها. وفي هذه الطبقة من القصص تتكرر صور مؤثرة في تصور المؤلف للتوبة: رجل تمنعه خشية الله تعالى من امرأة بعد أن تمكن منها فيترك لها المال، وعابد يندم على مد رجله إلى معصية فيبالغ في تأديب نفسه، ولص يرى عيسى عليه السلام فيستصغر نفسه ويندم بينما يحتقره أحد الحواريين، فينقلب الموقف إلى درس في خطر العجب وازدراء المذنب الذي صدقت توبته. ثم تبلغ الأخبار جيل النبي صلى الله عليه وسلم ومن دخل في الإسلام بعد عداوة أو تقصير؛ فتبرز توبة مخشي بن حمير، وقصة كعب بن مالك رضي الله عنه بما فيها من التخلف عن تبوك، ومحنة المقاطعة، ثم الفرج الذي جعله كعب رضي الله عنه مرتبطًا بصدق اعترافه، وتأتي بعدها توبة أبي لبابة رضي الله عنه الذي ربط نفسه بالسارية حتى يتوب الله تعالى عليه. وتلحق بذلك أخبار هبار بن الأسود وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وأبي محجن الثقفي رضي الله عنهم؛ فالتوبة عند عكرمة رضي الله عنه تتحول من عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم إلى إسلام وطلب للمغفرة وتعهد ببذل أضعاف ما أنفقه وقاتل به سابقًا في صد الناس عن سبيل الله، ثم يختم حياته بالجهاد، بينما تجعل قصة أبي محجن رضي الله عنه ترك الخمر مرتبطًا بتجربته في القادسية ووفائه بالعهد بعد أن خرج من قيده ليقاتل ثم عاد إليه بنفسه.
ويتسع النصف الأخير من الكتاب إلى طبقات اجتماعية شديدة التنوع؛ فيفرد قسمًا لـ«التوابين من ملوك هذه الأمة» يبدأ بذي الكلاع، ويعرض التحول من السلطان والترف إلى الزهد والخضوع، ثم يمضي إلى ملوك وأمراء تغيرت أحوالهم بالموعظة أو الخوف من الآخرة. وبعد ذلك يأتي «ذكر سبب توبة جماعة من الأمة» ابتداءً بحبيب أبي محمد، ومن أشهر أخباره زاذان الذي كان في مجلس لهو وغناء فسمع تعليق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على حسن صوته لو استعمل في القرآن، فلحق به وتاب ولازمه حتى تعلم القرآن وصار من أهل العلم، ثم مالك بن دينار الذي يورد الكتاب قصة تحوله من حياة الشراب إلى العبادة. وتحت «أخبار جماعة من التوابين» تتلاحق منذ القصة 96 نماذج يكون باعث التغيير فيها آية يسمعها العاصي، أو كلمة عابرة، أو موت، أو رؤيا، أو موعظة، أو مشاهدة زاهد، أو خوف مفاجئ من سوء الخاتمة؛ ومن ثم لا تسير القصص على طريق واحد، فبعض أصحابها يتركون الغناء واللهو، وبعضهم يخرج من المال والشهرة، وبعضهم يهجر معصية قديمة ويعوضها بالعبادة والعلم، وبعضهم تقوده التوبة إلى عزلة أو سفر أو بكاء متصل حتى الموت. ومن أطول المشاهد المتأخرة خبر «بدعة»، الجارية المغنية التي تنقلب أغانيها إلى مواعظ في قلبها، فتكسر العود وتغلب عليها المحبة والعبادة والبكاء، ثم يؤدي أمرها إلى عتقها وتغير حال مولاها ومن حولها، وينتهي خبرها بلقائها السري السقطي عند الكعبة ثم موتها. أما آخر طبقة فقد عنونها ابن قدامة «ذكر خبر جماعة ممن أسلم»، وفيها يتحول معنى التوبة من رجوع المسلم عن معصية إلى خروج غير المسلم من دينه ودخوله في الإسلام؛ فيروي إسلام أبي إسماعيل النصراني عندما سمع آية من القرآن، وإسلام شاب نصراني صحب إبراهيم الخواص حتى وصل إلى مشارف مكة، وعابد صنم قرئت عليه سورة فقال إن صاحب هذا الكلام ينبغي ألا يعصى، ثم إسلام مجوس وأهل بيوتهم ورهطهم بسبب إحسان سابق أو دعوة أو موقف مع أهل الصلاح. وتنتهي القصة 133 بطبيب نصراني أطعم 40 فقيرًا، فامتنعوا عن الأكل حتى يدعوا له بالنجاة، فلما سمع دعاءهم ورأى حالهم دخل عليهم وأعلن إسلامه، ثم يغلق المؤلف الكتاب مباشرة بعبارة «تم بعون الله تعالى وتوفيقه». وبهذا ينتهي الكتاب في الموضع نفسه الذي ظلت قصصه تعود إليه طوال صفحاته: إمكان تغير المصير في لحظة صدق؛ فقد يبدأ الإنسان عاصيًا أو خصمًا أو غارقًا في شهوة أو سلطان أو لهو، ثم تصيبه كلمة أو آية أو محنة أو موعظة فتوقظ فيه الندم، ويظهر صدق رجوعه بعد ذلك في ترك الذنب، وإصلاح ما أفسد، ورد الحقوق أو بذل المال، ومفارقة البيئة القديمة، والإقبال على العبادة والعلم والعمل الصالح.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














