
نبذة عن الكتاب:
يورد أبو بكر بن أبي عاصم في «الزهد» 287 حديثًا وأثرًا تدور حول صيانة القلب والجوارح من التعلق بالدنيا، وقد عبّر عنوانه الداخلي عن جانب كبير من مادته بقوله: «كتاب فيه شيء من ذكر الدنيا، وفيه حفظ اللسان، والصمت، والعزلة». ويبدأ بحفظ اللسان، فيتتابع ما يحض على الصمت إلا عن خير، ومحاسبة الإنسان على كلامه، والتحذير من حصائد الألسنة وفضول القول والكذب ونقل كل ما يسمع وأذى المسلمين والغيبة والكلمة الخبيثة، مع آثار عن أبي بكر وعمر وابن مسعود رضي الله عنهم وغيرهم في شدة الاحتراز من اللسان؛ فلا تكون فضيلة الصمت مقصودة لذاتها، إذ يرد أيضًا أن المتكلم المتقي الذي يقول الخير قد يكون خيرًا من الصامت، وإنما المقصود ضبط الكلام حتى يكون نافعًا سالمًا من الإثم. ومن هذا الأصل ينتقل إلى العزلة ومجانبة أصحاب السوء، فيورد الحث على لزوم البيت عند الخوف على الدين، وترك مجالسة السفهاء والفجار، واختيار صحبة أهل العلم والخير، ويجمع في نماذج من السلف بين كثرة الصلاة وطول الصمت وسخاء النفس، ويجعل العزلة وسيلة لحفظ اللسان والبصر والنجاة من شر المخالطة لا انقطاعًا مطلقًا عن الناس. كما تتصل هذه المعاني بالتقوى وترك ما لا يعني والاستغفار وذكر الله تعالى والعمل بالعلم وإنفاق فضل المال والإمساك عن فضل القول، ويورد آثارًا شديدة في الغيبة وأذى المسلم حتى كان بعض السلف يعامل الكلمة السيئة معاملة الذنب الذي يحتاج صاحبه إلى تطهير وتوبة، بما يكشف عن أن الزهد في أول الكتاب يبدأ من تهذيب السلوك اليومي قبل الحديث المطول عن المال ومتاع الحياة.
ويتحول القسم الأكبر من الكتاب بعد ذلك إلى «ذكر الدنيا»، فيورد النصوص التي تصف هوانها وسرعة زوالها وافتتان النفوس بزينتها، ويستثني من ذمها ما ابتغي به وجه الله تعالى من ذكر وعلم وعمل صالح، ثم يكرر صورًا تقيس ضآلة الدنيا بالنسبة إلى الآخرة؛ فهي لا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة، وزوالها أهون من قتل المؤمن بغير حق، وهي للمؤمن كالسجن إذا قيست بما ينتظره من نعيم الآخرة، ومتاعها مهما بدا حلوًا أخضر يبقى موضع ابتلاء واختبار. ولا يعني الزهد إلغاء حاجات الحياة، إذ يورد أن من أصبح آمنًا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا، ويذكر الأمر بالإجمال في طلبها، وما يكفي الإنسان من المنزل والخادم، ويقابل ذلك بفضل الصلاة والعمل في سبيل الله تعالى وما هو خير من الدنيا وما فيها، لتستقر الموازنة على أخذ الحاجة وعدم تحويلها إلى الغاية التي تستولي على القلب. ثم يربط التعلق بالدنيا بالغفلة وطول الأمل والرياء وبيع الدين بالعرض الزائل وشح النفس واتباع الهوى والتنافس، ويستحضر الموت واقتراب الساعة وعذاب القبر والحساب، ويورد دعوات في حسن العاقبة والصبر على البلاء والخروج من الدنيا إلى رحمة الله تعالى، كما يذكر اختيار النبي صلى الله عليه وسلم ما عند الله تعالى على زهرة الدنيا، ويحذر من «الوهن» الذي فسره حب الدنيا وكراهية الموت. وتتجه آخر الروايات إلى التحذير من اتساع الدنيا وما ينشأ عنه من الحرص والتنافس والاقتتال واستعمال الدين لتحصيلها، حتى يرد وصف من «يختل الدين بالدنيا»، ويكون آخر ما يورده النهي عن التنافس؛ فتلتقي الخاتمة ببداية الكتاب في أصل واحد هو كف النفس عما يفسد دينها، سواء كان مدخله كلمة يطلقها اللسان، أو صاحب سوء، أو شهوة مال وجاه، أو منافسة على دنيا لا تبقى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














