
نبذة عن الكتاب:
يسوق أبو بكر البيهقي في «الزهد الكبير» مئات الأحاديث والآثار وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والزهاد والعباد وأخبارهم وأشعارهم ليبين حقيقة الزهد وآثاره في القلب والسلوك، ويبدأ بفصل في بيان الزهد وأنواعه ومن يستحق اسم الزاهد؛ فتدور التعريفات الأولى حول ألا يسكن القلب إلى ما وجد من الدنيا ولا يتحسر على ما فاته منها، وألا يفرح بإقبالها أو يحزن لإدبارها، وأن يخرج قدرها من القلب حتى لا تتحول إلى الهم الغالب على الإنسان. ويورد تقسيم إبراهيم بن أدهم للزهد إلى زهد فرض في الحرام، وزهد فضل في الحلال، وزهد سلامة في الشبهات، كما يورد عن الزهري أن الزاهد من لا يغلب الحرام صبره ولا يمنع الحلال شكره، فتتسع دلالة الزهد عنده عن مجرد الفقر وترك المال إلى الورع والقناعة والشكر وإصلاح القلب؛ ولهذا ترد نماذج لمن ملكوا القدرة على الدنيا ثم تركوا منها ما خافوا أن يفسد قلوبهم، ويجعل بعض السلف الزاهد الحقيقي «من قدر فترك». وتتتابع بعد ذلك أخبار في تقليل فضول المطعم والملبس والنوم والشهوة، وقصر الهمة على الله تعالى والآخرة، ومجانبة الحرص والطمع وحب الجاه والرئاسة، والصمت وحفظ اللسان، والقناعة، ومخالفة النفس، والبعد عما يشغل عن العبادة، مع عناية بمسألة العزلة والخمول؛ فيعرض فوائد العزلة من الفراغ للعبادة والسلامة من بعض آفات المخالطة والرياء والطمع والخصومات، وفي المقابل يذكر فوائد المخالطة من التعلم والتعليم والنفع والتأدب والقيام بحقوق المسلمين، فيرتبط الاختيار بحال الشخص وما يترتب على عزلته أو مخالطته من مصلحة أو مفسدة. ثم يأتي فصل «ترك الدنيا ومخالفة النفس والهوى» ليشدد على إخلاص القصد، ومقاومة رغبات النفس إذا شغلت عن الله تعالى، واستصغار متاع الدنيا أمام الآخرة، وترويض النفس على الطاعة والصبر عن الشهوة والراحة، حتى يرد المعنى بأن الزهد في الدنيا هو في جانب كبير منه زهد في شهوات النفس ومحبوباتها التي تصرف القلب عن مقصوده.
ويتجه القسم اللاحق بقوة إلى الزمن والمصير، فيفرد فصلًا لقصر الأمل والمبادرة بالعمل قبل بلوغ الأجل، ويكثر من الآثار التي تذكر سرعة انقضاء العمر، واستمرار الحرص والأمل مع تقدم السن، وضرورة اغتنام الحاضر بدل الانشغال بما مضى أو انتظار مستقبل قد لا يدركه الإنسان. ومن هنا تتكاثر أخبار الموت والقبور والفناء والاستعداد للمعاد، ومواعظ من حضرهم الموت، والبكاء على العمر والذنوب، وتذكر الحساب والجنة والنار؛ فالدنيا عند كثير من الآثار دار انقطاع وانتقال، والعبد سائر إلى قرار ينتهي إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولذلك يصبح ذكر الموت وسيلة لتقصير الأمل وإيقاظ القلب من الغفلة. ويتصل بذلك الحديث عن الخوف والرجاء والتوبة ومحاسبة النفس والحزن على الخطيئة والصبر على البلاء والشكر عند النعمة والرضا بالقضاء، مع التحذير من قسوة القلب والانشغال بذنوب الناس عن عيوب النفس، والدعوة إلى دوام الذكر وصيانة القلب مما يفسده. وتزداد العناية في أواخر الكتاب بالتقوى والورع وطيب المكسب؛ فالتقوى توصف بالوقوف عند حدود الله تعالى وترك المحرمات، والورع بالابتعاد عن الشبهات، وتروى أخبار شديدة في تحري الطعام والمال الحلال وأداء الحقوق واجتناب ما يوقع في الريبة، حتى يقترن الزهد بصحة المطعم والعمل على السنة وأداء الفرائض أكثر من اقترانه بمجرد هيئة الفقر. ثم ينتهي الكتاب إلى اليقين بوصفه ثمرة جامعة لهذه المعاني؛ فيرد أن التقوى عمل بطاعة الله تعالى على نور منه رجاء رحمته وترك للمعصية على نور منه خوف عقابه، وأن اليقين يسكن القلب إلى الله تعالى فلا يتعلق برجاء الخلق ولا بالخوف منهم ولا بالاتكال على المال والقوة والحيلة، ويقترن هذا اليقين بالإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله. وتستقر آخر الآثار عند أن صحة اليقين تقوي الخوف وتدفع الشك من القلب وتربط العبد بالله تعالى في كل أمر، فيعود ختام الكتاب إلى أصل الزهد الذي بدأ به: تحرير القلب من سلطان الدنيا حتى تكون التقوى والآخرة والافتقار إلى الله تعالى هي التي توجه رغباته وأعماله.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














