
نبذة عن الكتاب:
يجمع محمد حسين يعقوب ويرتب في كتابه «أسرار المحبين في رمضان» مادة وعظية وعملية ترسم للمسلم طريق التعامل مع رمضان قبل دخوله، وفي أيامه ولياليه، وعند انقضائه؛ فلا يجعل الشهر موسمًا للصيام والقيام فحسب، بل فرصةً لإعادة بناء القلب وتغيير العادات وتربية النفس على الطاعة. وقد صرح في مقدمته بأنه وضع الكتاب إعانةً على الطاعة وتحذيرًا من الغفلة، فجاءت أبوابه متدرجة من معرفة فضائل رمضان والاستعداد له، إلى برنامج العمل فيه وأسرار عباداته، ثم العشر الأواخر وليلة القدر، وأخيرًا الثبات بعد انقضاء الشهر وحراسة ما حُصِّل فيه.
ويبدأ بتصوير رمضان موسمًا من مواسم الرحمة تتيسر فيه أسباب الإقبال على الله تعالى؛ فتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، ويُنادى طالب الخير إلى الإقبال. ويربط الانتفاع بهذه الفرصة بعلو الهمة وصحة النية وجمع القلب على مطلوب واحد هو رضا الله تعالى، وقطع ما يعوق السير من عادات وعلائق وشواغل. ومن هنا لا تكون فضائل الشهر عنده معلومات للتذكير بفضله فحسب، بل دوافع ينبغي أن تتحول إلى عمل.
ثم يسوق مناقب رمضان وما اجتمع فيه من أسباب الخير؛ فيذكر اختصاصه بنزول القرآن، وفضل الصيام وإضافته إلى الله تعالى، وسرية هذه العبادة وما فيها من ترك الشهوة مع القدرة عليها، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار، وتصفيد الشياطين، واجتماع الناس على الطاعة، وكثرة أسباب المغفرة والعتق من النار، وفضل الاعتكاف والدعاء والقرآن والقيام. ويصل هذه الفضائل بالمقصد الأعظم للصيام وهو التقوى، حتى لا يتحول الامتناع عن الطعام والشراب إلى صورة خالية من أثرها في القلب والجوارح.
ويتوقف طويلًا عند معنى «الصوم لي وأنا أجزي به»، مستعينًا بكلام ابن رجب وغيره في بيان ما يميز الصيام من خفاء العمل وترك محبوبات النفس لله تعالى وحده. ويستخرج من الجوع والعطش كسر النفس، وتخلية القلب للفكر والذكر، وتذكر حال المحتاجين، وتخفيف سلطان الشهوة. لكنه يؤكد أن ترك المباحات في نهار الصيام لا يكتمل أثره مع الاسترسال في المحرمات؛ فصوم الجوارح عن الكذب والظلم والغيبة والنظر المحرم والأذى جزء من تحقيق المقصود الذي شرع الصيام لأجله.
ومن هنا يفرق بين مراتب الصائمين؛ فهناك من يقف عند ترك الطعام والشراب والشهوة، ومن يضم إلى ذلك حفظ الجوارح عن الحرام، ثم من يشتغل قلبه بالذكر والعبادة ويقاوم ما يقطعه عن الله تعالى. كما ينقل تقسيمًا يجعل للروح والعقل والجوارح صيامًا؛ ليؤكد أن رمضان ليس تغييرًا في مواعيد الطعام، وإنما تغيير في علاقة الإنسان بهواه ولسانه وسمعه وبصره وقلبه.
وقبل أن يطالب القارئ بهذا المستوى من الصيام يفرد قسمًا واسعًا لـ«الاستعداد لرمضان». ويؤكد أن مَن أراد ثمرة الشهر فعليه أن يتهيأ لها قبل دخوله، كما يتهيأ صاحب العمل الكبير قبل موعده، مستشهدًا بإكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام في شعبان وما نُقل عن السلف من طول شوقهم إلى رمضان وسؤال الله تعالى بلوغه وقبول العمل فيه.
ويحول الاستعداد إلى سلسلة من التدريبات تبدأ بـ«تجويد التوبة»، فلا يريد توبةً لفظية محدودة من ذنب واحد، بل مراجعةً لنمط الحياة والتفكير والآمال والعادات. ثم يدرب القلب على تعظيم شعائر الله تعالى، والاستقامة، والأنفة من المعصية، والتخلص من الآفات التي تفسد القلب، وتقوية العزيمة والهمة، وترويض الحواس، واستحضار العبادة قبل فعلها، وملاحظة مِنَّة الله تعالى في التوفيق، وتهدئة إيقاع الحياة؛ حتى يدخل الشهر وقلبه مهيأ لا مثقلًا بما كان يقطعه عن الطاعة.
وعند دخول رمضان ينتقل من «الاستعداد» إلى «الاستقبال»، فيضع 10 وصايا تقوم على عقد هُدنة مع الشواغل التي تستنزف القلب والعمر. فيدعو إلى تقليل الجدال والمشكلات المنزلية والعملية، وتنقية القلب من أدوائه، وترك الذنوب، وتقليل كثرة الخروج والمواعيد، والحد من التبذير والنفقات التي يناقض الإفراط فيها مقصود الصيام، وإراحة العقل من الاستغراق في تدبير الدنيا، وحفظ الجوارح من الاستهلاك فيما لا ينفع، ثم جمع الهموم في هم واحد هو رضا الله تعالى والعتق من النار.
ثم يقدم تحت عنوان «كيف تعيش رمضان» برنامجًا عمليًا للحفاظ على «الإشراقة الإيمانية»، يبدأ بتحديد أهداف الشهر قبل توزيع الأعمال عليه. ويطلب من القارئ أن يتعامل مع أيام رمضان بوصفها وقتًا محدودًا يحتاج إلى ترتيب النوم والكلام والطعام والمخالطة وسائر الشواغل، ثم يضع «خطة اليوم في رمضان» ليصحب الصائم منذ بداية يومه، جامعًا بين الفرائض والقرآن والذكر والدعاء وأعمال البر، بحيث لا تبتلع العادات اليومية المقصد الذي دخل الشهر من أجله.
ولا يكتفي بتنظيم الأعمال الظاهرة، بل يخصص قسمًا لـ«مشاهد العبودية في رمضان» يكشف ما ينبغي أن يتعلمه القلب من الصيام. فيبدأ بمشهد التوحيد وما يظهره الجوع والعطش من فقر الإنسان وحاجته، ثم مشهد الصبر والشكر؛ إذ تتردد حياة العبد بين نعم تحتاج إلى شكر وابتلاءات تحتاج إلى صبر. وبعدهما يأتي مشهد القبض والبسط في تعاقب الإمساك والإفطار والمنع والعطاء، ثم حسن الخلق بوصفه ثمرة لازمة للصيام.
ويتبع ذلك بالزهد في الدنيا، ثم الإيثار الذي يقاوم شح النفس؛ فرمضان عنده تدريب يمتد أثره إلى العمر كله، والصائم الذي ذاق الجوع أقدر على الشعور بجوع غيره ومواساته. ويضيف إلى ذلك استحضار المعاني الإيجابية للصوم والجود والإحسان، فيتحول الصيام من حرمان جسدي إلى مدرسة في التوحيد والخلق والبذل وضبط النفس.
ويفرد للقرآن مساحة كبيرة تحت عنوان «رمضان والقرآن». فيجمع فضائله بوصفه رحمةً وطمأنينةً وشفاءً وحياةً للقلوب وحافظًا للهداية، ويعرض حال السلف معه في رمضان وكثرة تلاوتهم له. ثم ينتقل إلى آداب التلاوة الظاهرة والباطنة، فلا يجعل المقصود مجرد بلوغ عدد كبير من الختمات، بل يلح على حضور القلب والفهم والتدبر والتأثر.
ويعقب ذلك باستدراك مهم حتى لا يُفهم من الحديث عن التدبر التقليل من شأن الحفظ أو كثرة التلاوة؛ فيجمع المطلوب من المسلم تجاه القرآن في الحفظ والتلاوة والفهم والتدبر والعمل وتسليم زمام الحياة له. والغاية أن يتولى القرآن تربية صاحبه وقيادته، لا أن تبقى علاقته به محصورةً في عدد الصفحات التي ينجزها خلال الشهر.
ثم ينتقل إلى «قيام رمضان» وصلاة التراويح، فيجمع فضائل القيام وما ورد في مغفرة الذنوب لمن قام إيمانًا واحتسابًا، وفضل الصلاة مع الإمام حتى ينصرف، ويتتبع صورة قيام رمضان في العهد النبوي ثم جمع الناس عليه. كما يناقش عدد الركعات وطول القراءة وصلاة الجماعة وبعض الأحكام المتصلة بالنساء والقراءة من المصحف، لكنه يحذر من استهلاك رمضان في الجدل حول هذه المسائل على حساب أصل القيام والخشوع والاجتهاد؛ فالمقصود أن يذوق المصلي حلاوة المناجاة لا أن يحول القيام إلى ميدان خصومة.
ويجعل الاعتكاف من أخص محطات الشهر، ويصفه بالخلوة التي تجمع شعث القلب بعد تفرقه في مخالطة الناس وشؤون الدنيا. ثم يعرض هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ومقاصده وحكمه وشروطه وأركانه وزمانه ومحظوراته، قبل أن ينتقل إلى أهدافه العملية: تحقيق معنى العبادة، وجمع القلب على الله تعالى، والانقطاع للصلاة والذكر والقرآن والدعاء، وحفظ الصيام، والتقلل من المباحات والشواغل.
ولا يترك المعتكف أمام الحكم الفقهي وحده، بل يبحث «كيف نحصل حلاوة الاعتكاف؟»، ثم يضع له برنامجًا ونصائح تحفظ عليه خلوته من التحول إلى مجالس ومخالطات تضيع مقصدها. وبهذا يصبح الاعتكاف عنده ذروةً في جمع الهم، لا مجرد إقامة داخل المسجد.
ويتناول بعده «عمرة رمضان» من جهة فضلها والمقاصد التي ينبغي استحضارها فيها، ثم يعرض صفة العمرة وأعمالها، ويضيف «مشاهد العبودية في العمرة» حتى لا تنحصر في الانتقال بين المناسك. فيبدأ باستشعار مِنَّة الله تعالى في الوصول إلى بيته، ثم يوجه إلى استحضار معاني التوحيد والافتقار والطاعة في الحركة بين الشعائر.
ومن العمرة ينتقل إلى «نسائم الأسحار»، فيجعل آخر الليل زمنًا للمناجاة والتضرع وإظهار الفقر إلى الله تعالى. ويجمع في هذا الفصل نماذج من دعاء السلف ومناجاتهم وبكائهم وخوفهم ورجائهم، ثم يفرد «آداب الدعاء» فيذكر اختيار الأزمنة والأحوال الفاضلة، والسجود والسحر وغيرها من المواطن، مع حضور القلب والتذلل والإلحاح. والمقصد أن يتعلم القارئ كيف يستثمر سكون السحر في مراجعة نفسه وسؤال ربه لا أن يمر عليه بوصفه وقتًا للسحور فحسب.
ومع اقتراب نهاية الشهر تتغير نبرة الكتاب إلى «وداع رمضان»، فينبه إلى سرعة مرور أيامه وخطر التفريط فيما بقي. ثم يضع «وظائف آخر الشهر»، وفي مقدمتها وقفة محاسبة صادقة يسأل فيها الإنسان عن صلاته وصيامه وقرآنه وقلبه وتوبته والتقوى التي كان الصيام يقصد إلى تحصيلها، ثم يدعوه إلى استدراك ما أمكن قبل أن يغلق الموسم أبوابه.
وتبلغ هذه الدعوة ذروتها في العشر الأواخر؛ فيحض على رفع الهمة والاقتداء باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ويعطي ليلة القدر عناية خاصة، مبينًا فضلها وطلبها في أوتار العشر الأواخر وسبب إخفائها لتحريك الاجتهاد في الليالي كلها. فلا يجعل آخر رمضان زمن فتور بعد طول العمل، بل نهاية السباق التي ينبغي أن يستخرج فيها المتعبد أقصى ما عنده.
ولا ينتهي الكتاب برؤية الهلال التالي؛ فقسم «وماذا بعد رمضان؟» يسأل عن سبب انتكاس الناس بعد أن امتلأت المساجد وذاقوا حلاوة العبادة. ويقرر أن رب رمضان هو رب سائر الشهور، وأن ثمرة الموسم ينبغي أن تظهر في الاستقامة بعده. ثم يتحدث عن «مقتضيات القبول» مثل الانكسار أمام مِنَّة الله تعالى، والشكر، والخوف على العمل، ومواصلة الطاعة، كما يعرض «مقتضيات الحرمان» ليمنع من فاتته ثمرة الشهر من اليأس، ويدعوه إلى الإقرار بالتقصير والتوبة واستئناف السير.
ويضع علامات عملية يتفقد بها الإنسان أثر رمضان في نفسه: قرب القلب من الله تعالى، ومحبة الطاعات وتيسرها، وكراهية المعاصي، والمحافظة على الأعمال التي اعتادها في الشهر، وأن يصبح حاله بعد رمضان خيرًا من حاله قبله. ويذكر صيام 6 أيام من شوال ضمن الأعمال التي تصل رمضان بما بعده، مع الكلام على تقديم قضاء ما فات من رمضان.
ويختم بـ«حراسة الطاعات»؛ فليس الخطر عنده في ترك العمل وحده، بل قد يفسد العمل بعد وقوعه بالعُجب أو الغرور أو الإدلال به. ولذلك يدعو إلى شهود مِنَّة الله تعالى بدل رؤية النفس، وإلى المداومة على الطاعة والاستعانة بالله تعالى أمام الشواغل والموانع. وتنتهي الرسالة إلى أن المواسم تتغير، أما عبودية الله تعالى فلا تنتهي بانتهاء موسم؛ فما دام في الإنسان نَفَس فله وظيفة من الطاعة، والمحب لا يمل التقرب إلى مولاه ولا يحصر علاقته به في شهر واحد.
ومن ثم فإن «أسرار المحبين في رمضان» ليس مجموعة فضائل متناثرة عن الشهر، بل برنامج تربية يبدأ قبل رمضان بإصلاح التوبة والقلب والعادات، ويملأ الشهر بالصوم والقرآن والقيام والذكر والاعتكاف والعمرة والدعاء، ويبحث وراء كل عبادة عن أثرها الباطن، ثم يتابع القارئ بعد رمضان لئلا يفقد ما حصله. وتغلب على الكتاب لغة الوعظ المباشر والتحفيز والمحاسبة، مع كثرة الاستفادة من كلام ابن رجب وابن القيم وآثار السلف؛ ليكون المقصود من «أسرار» العبادات الانتقال من صورتها الظاهرة إلى ما ينبغي أن تصنعه في القلب والحياة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













