
نبذة عن الكتاب:
يمهد ابن الجوزي في «الثبات عند الممات» للحظة الاحتضار من مسافة بعيدة، فيبدأ بتقرير منزلة العقل والنقل؛ فالعقل عنده آلة معرفة الله تعالى وتصديق الرسل والنظر في المصالح والعواقب، والنقل وحي ثبت صدق ناقليه بالمعجزات، ومن اجتماعهما يتعلم الإنسان ألا يستسلم للهوى وأن يقبل ما دل عليه الشرع والعقل الصحيح. وعلى هذا الأساس يأتي الباب الثاني ليثبت أن الدنيا «دار بلاء» بطبيعتها، وأن طلب الصفاء الكامل فيها مصادمة لحقيقتها؛ فما من لذة إلا يداخلها نقص أو يلحقها فراق، وقد توالت المحن على الأنبياء عليهم السلام، ولذلك ينبغي أن يدخل المؤمن حياته وهو متوقع للابتلاء لا مستغرب له. ثم يطبق هذا الأصل في الباب الثالث على فقد الأهل والأحبة، ويضع لعلاج المصاب 8 معانٍ: استحضار سبق القدر، ومعرفة طبيعة الدنيا، وإدراك أن الجزع مصيبة أخرى، والنظر إلى ما هو أعظم من المصيبة، والتأسي بمن ابتلي بمثلها، والنظر إلى من ابتلي بأشد منها، ورجاء الخلف فيما يقبل الخلف، وطلب الأجر بحمل أعباء الصبر، ثم يرفع الصابر من مجرد احتمال الألم إلى مقام الرضا بالقضاء، موضحًا أن نفور الطبع من المصيبة لا يناقض رضا القلب بحكم الله تعالى. ويعضد ذلك بأخبار الصابرين والراضين عند موت أولادهم وأهليهم، مثل أم سليم رضي الله عنها حين أخبرت أبا طلحة رضي الله عنه بموت ابنهما بعد أن ضربت له مثل العارية التي يستردها صاحبها، وبأخبار من تلقوا المصائب بالتسليم والاحتساب. أما الباب الرابع فينقل البلاء إلى ذات الإنسان حين يمرض ويقترب أجله، فينتقد انشغال المريض بالجزع والعلاج حتى يغفل عن التوبة والوصية ورد الودائع وقضاء الديون والزكاة والمظالم، ويدعوه إلى الاستعداد في الصحة قبل أن يضيق زمن المرض عن تدارك ما فات. ويذكر للمرض وظيفة تكفير الخطايا، ثم يجعل للمريض 17 معنى يداوي بها نفسه عند اشتداد الألم، منها أن أمر المؤمن كله خير، وأن شدة البلاء وقعت للأنبياء والصالحين، وأن الإنسان مملوك لله تعالى، وأن ما وقع جرى بحكم المالك، وأن ساعة الألم مهما اشتدت ستنقضي، وأن الموت طريق إلى نعيم لا ينقطع، وأن ما يبذله العبد من صبر قليل أمام حق الله تعالى وعظيم جزائه. وتقترب الفصول بعد ذلك من لحظة النزاع نفسها؛ فيحض على ترك الشكوى ما أمكن، واستبدال الأنين بالذكر والاستغفار، ويورد نماذج لمن ظل يصلي أو يقرأ أو يذكر الله تعالى في مرضه الأخير، ثم يحذر من تعرض إبليس للمحتضر محاولًا إدخاله من أبواب اليأس والاعتراض على القدر والخوف من سكرات الموت وفراق المحبوبات وبلاء الجسد، فيطالب المؤمن بأن يجدد التوبة ويرد المظالم ويقضي الديون ويقاوم وساوس اليأس والتسخط، وأن يستعين بما قدمه في زمن الصحة، لأن حفظ حدود الله تعالى في الرخاء من أسباب الثبات عند الشدة. وعندما يقرب الأجل يجعل حسن الظن بالله تعالى هو الغالب، إذ يرى أن زمن الخوف الذي كان يسوق النفس إلى العمل قد انتهى تقريبًا، فيقوى الرجاء، ويستحضر المحتضر البشرى والرحمة ومصير أرواح المؤمنين بدل أن يستسلم للقنوط.
ويخصص ابن الجوزي الباب الخامس، وهو القسم الأكبر والأكثر التصاقًا بعنوان الكتاب، لـ«ذكر من ثبت عند الموت»، ويبدأ بتفريق دوافع الثبات نفسها؛ فمن الناس من يصبر لأن الجزع لا يغير المحتوم، ومنهم من يتجلد اتقاءً لشماتة الأعداء أو طلبًا للمدح، ومنهم من يصبر احتسابًا للثواب، ومنهم من يؤثر الموت خوفًا من الفتن أو توبة من ذنب، وأرفع الصور التي يعرضها من أحبوا الموت شوقًا إلى لقاء الله تعالى، مع تأكيده أن الخوف قد يغلب بعض الصالحين في هذه الساعة، وأن المطلوب حينئذ رجوع القلب إلى الرجاء وحسن الظن. ثم تتحول بقية الكتاب إلى معرض واسع لمواقف المحتضرين والمقتولين، يبدأ بما ينقله عن آدم وإدريس وإبراهيم وإسحاق ويوسف وداود عليهم السلام، ويورد تحت كل اسم صورة من التسليم أو الاستعداد أو الشوق إلى الآخرة، ثم يصل إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واختياره «الرفيق الأعلى»، ومنها إلى كبار الصحابة رضي الله عنهم. فتأتي وفاة أبي بكر رضي الله عنه وهو يتابع أمر كفنه ويستحضر سكرة الموت، وعمر رضي الله عنه وهو مطعون وما زال يأمر بالمعروف ويهتم بموضع دفنه، وعثمان رضي الله عنه صابرًا والمصحف بين يديه، وعلي رضي الله عنه موصيًا بنيه ثم لا ينطق إلا بالتوحيد حتى يموت، إلى جانب نماذج الشهداء مثل سالم مولى أبي حذيفة وعبد الله بن جحش وخبيب بن عدي وحَرَام بن ملحان رضي الله عنهم، حيث يظهر الثبات في استقبال القتل مع استمرار الذكر والعبادة والتعلق بما عند الله تعالى. ويواصل مع الصحابة ثم التابعين ومن جاء بعدهم، فيتكرر معنى مختلف في كل وفاة: من يريد أن تكون «لا إله إلا الله» آخر كلامه، ومن يكمل ورده أو صلاته مع اشتداد النزع، ومن يخشى دينًا أو مظلمة أكثر من خوفه على حياته، ومن يستقبل الموت باعتباره انتقالًا إلى ما ظل يعمل له طوال عمره. ومن أبرز الصور المتأخرة أبو زرعة الرازي الذي أكمل وهو في سكرات الموت إسناد حديث «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ثم توفي، وأحمد بن حنبل الذي ظل يقول لإبليس «لا بعد» حتى يموت خوفًا من أن يغتر بالنجاة قبل النهاية، والشبلي الذي شغله درهم مظلمة وآداب الوضوء في آخر ساعاته، وأبو الوفاء ابن عقيل الذي طلب من أهله أن يتركوه يتهنى بمقابلة الله تعالى بعد 50 سنة من الاشتغال بالعلم. وتصل السلسلة إلى شيوخ قريبين من عصر ابن الجوزي؛ فينقل عن أبي بكر بن حبيب وصيته بتقوى الله تعالى ومراقبته في الخلوة وتحذيره من مصرعه بعد عمر بدا له عند النهاية كأنه لم ير الدنيا، وعن عبد الوهاب الأنماطي قوله في مرضه إن الله تعالى «لا يتهم في قضائه»، وعن أبي الوقت أن آخر ما نطق به آية المغفرة والإكرام. ولا يضع ابن الجوزي بعد هذه الأخبار خاتمة نظرية منفصلة تعيد تلخيص مباحثه، بل يترك آخر مشهد يؤدي وظيفة الخاتمة؛ فأبو محمد ابن الخشاب يُزار في مرض موته وهو ساكن غير منزعج، ويقول: «عند الله أحتسب نفسي»، فتغلق هذه العبارة مسار الكتاب عند المعنى الذي بناه منذ صفحاته الأولى: أن الثبات ساعة الموت ثمرة معرفة سابقة، وصبر طويل، وتسليم للقضاء، واستعداد بالعمل في زمن الصحة، وتوبة من الحقوق والذنوب، وحسن ظن بالله تعالى حين لا يبقى للعبد من الدنيا إلا لحظات الرحيل.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














