
نبذة عن الكتاب:
يربط أبو حامد الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» بين العلم والعمل، ويتتبع أحوال الإنسان في عباداته وعاداته وأخلاقه الظاهرة والباطنة، طلبًا لتزكية النفس وإصلاح القلب والاستعداد للآخرة. وقد ألَّفه اعتراضًا على انحصار مفهوم العلم في الفتوى والجدل والوعظ المتكلَّف، ورغبةً في إعادة العناية بما يسميه «علم طريق الآخرة»، الذي لا تنفصل فيه المعرفة عن أثرها في السلوك والعمل.
ويبني الكتاب على 4 أرباع، في كل ربع 10 كتب: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات. ويعلل هذا البناء بأن «علم المعاملة»، وهو المقصود بالكتاب، ينقسم إلى ظاهر وباطن؛ فالظاهر أعمال الجوارح، وهي إما عبادات وإما عادات، والباطن أعمال القلب وصفات النفس، وهي إما مذمومة مهلكة وإما محمودة منجية. أما ما يسميه «علم المكاشفة» فيصرح بأنه ليس المقصود بالتفصيل في هذا المصنف.
ويبدأ ربع العبادات بكتاب العلم، فيبحث فضل العلم والتعلم والتعليم، والعلوم التي تكون فرض عين أو فرض كفاية، والعلوم المحمودة والمذمومة، وآفات المناظرة والجدل، وآداب المعلم والمتعلم، وآفات العلماء، والفروق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة، ثم يتناول العقل وفضله وأقسامه. ويعترض في أثناء ذلك على طلب العلم للمباهاة والجاه والمنافسة، ويجعل ثمرة العلم النافع أن يقود إلى العمل وإصلاح القلب والاستعداد للآخرة، لا أن يبقى محفوظاتٍ أو أداةً للغلبة في الخصومة.
ويعقب ذلك بكتاب قواعد العقائد، ثم ينتقل إلى أسرار الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، فلا يقصد الاقتصار على بيان الأحكام الفقهية الظاهرة، بل يضم إليها ما يسميه أسرار العبادات وآدابها الباطنة وأثرها في القلب. ولهذا يقترن الحديث عن الطهارة مثلًا بتطهير الباطن، وعن الصلاة بحضور القلب والخشوع، وعن الصيام بكسر الشهوة، وعن الحج بمعاني التجرد والتذكر والاستعداد.
ويفرد لتلاوة القرآن وآدابها كتابًا، ثم للأذكار والدعوات، ويختم ربع العبادات بترتيب الأوراد وتقسيم الأوقات وإحياء الليل. ويتكرر في هذه الكتب حرصه على ألا تكون العبادة حركةً ظاهرة منفصلة عن مقصدها الباطن، بل عملًا يجتمع فيه امتثال الجوارح مع حضور القلب والإخلاص والمراقبة، مع حديث مطول عن كيفية اغتنام العمر وتوزيع أعمال اليوم والليلة.
ثم يفتح ربع العادات بآداب الأكل، ويتدرج منه إلى النكاح والكسب والحلال والحرام والصحبة والمعاشرة والعزلة والسفر والسماع والوجد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويختم بآداب المعيشة وأخلاق النبوة. ومقصده في هذا الربع أن تدخل شؤون الحياة اليومية نفسها في دائرة التهذيب؛ فيبحث ما يجري بين الناس من معاملات وعلاقات، وما يصحبها من آداب وورع ومزالق.
وفي آداب الأكل لا يقف عند الحلال والحرام، بل يتناول هيئة الطعام وآداب الاجتماع عليه وما قبله وما بعده. وفي النكاح يعرض فوائده وآفاته والحقوق المتبادلة وتدبير الحياة الزوجية. ويبحث في الكسب مراتبه وآدابه والنية فيه، ثم يوسع الكلام في الحلال والحرام، والشبهات، ودرجات الورع، وما يتعلق بالأموال والمعاملات والمصادر التي يدخل منها الكسب على الإنسان.
ويتناول الصحبة من جهة حقوق المسلم والقريب والصديق والجار وسائر أصناف الناس، ثم يناقش العزلة ومنافعها وآفاتها ومتى تكون أولى أو تكون المخالطة أنفع. ويتناول السفر وآدابه ومقاصده، قبل أن يبلغ كتاب السماع والوجد، وهو من المواضع التي يتوسع فيها في أحوال السماع وما يثيره في القلب، ويفرق بين صوره وأسبابه وأحكامه وما يصاحبه من آلات أو أحوال.
ويجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزءًا من نظام المعاملة الاجتماعية، فيبحث أركانه وشروطه ودرجاته وآدابه وما قد يترتب عليه من مصلحة أو مفسدة. ثم يختم هذا الشطر المتعلق بالظاهر بآداب المعيشة وأخلاق النبوة، مستجمعًا صفات السلوك في المخالطة والطعام واللباس والكلام وسائر ما يتكرر في حياة الإنسان.
وعند الانتقال إلى ربع المهلكات يتغير مركز البحث من أعمال الجوارح إلى القلب؛ فيصرح بأن الشطر الأول تناول العبادات والعادات بوصفهما من العلم الظاهر، وأن الشطر الثاني يتناول الصفات المهلكة والمنجية بوصفها من العلم الباطن. ولذلك يفتتح بكتاب شرح عجائب القلب، فيبحث معاني القلب والروح والنفس والعقل، وصفات القلب وتقلباته، ومداخل التأثير فيه، وصلته بالمعرفة والإرادة والأخلاق.
ويلي ذلك «رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب»، فيقرر إمكان تغيير الأخلاق بالمجاهدة والاعتياد والتربية، ويبحث طريق معرفة عيوب النفس وتعديل القوى والشهوات. ثم يجعل هذه المقدمة أساسًا لسائر كتب المهلكات؛ لأن علاج كل خلق مذموم عنده يتطلب معرفة حقيقته وسببه وعلاماته وآثاره، ثم معرفة الطريق العملي لمقاومته.
ويتناول بعد ذلك شَهوتَي البطن والفرج، ثم آفات اللسان، ويبحث الغضب والحقد والحسد، ويعقبها بذم الدنيا، ثم ذم المال والبخل، فالجاه والرياء، فالكبر والعُجب، ويختم ربع المهلكات بالغرور. ويجري في كثير من هذه المباحث على ترتيب شبه علاجي: تعريف الخُلُق أو الآفة، وبيان منشئها، وكشف آثارها، وتشخيص العلامات الدالة عليها، ثم ذكر ما يعالجها من علم وعمل ومجاهدة.
ويبرز في هذا الربع اتساع نظره إلى أمراض القلب التي قد تتخفى داخل الطاعة نفسها؛ فالرياء والعُجب والكبر وحب الجاه والغرور ليست معاصي ظاهرة فحسب، بل علل قد تصاحب العبادة والعلم والزهد. ولذلك لا يجعل كثرة العمل كافيةً في النجاة ما لم تُفحَص النية والدوافع وحظوظ النفس، ويكثر من محاسبة العالم والعابد والمتزهد على ما قد يداخل أعمالهم من طلب المنزلة عند الخلق أو الإعجاب بالنفس.
وبانتهاء «ذم الغرور» يبدأ ربع المنجيات بالتوبة، التي يجعلها مبدأ الطريق، ثم الصبر والشكر، والخوف والرجاء، والفقر والزهد، والتوحيد والتوكل، والمحبة والشوق والأنس والرضا، والنية والصدق والإخلاص، والمراقبة والمحاسبة، والتفكر، وأخيرًا ذكر الموت وما بعده. وإذا كانت المهلكات تقوم على إزالة الصفات المذمومة، فإن هذا الربع يتجه إلى إحلال الصفات المحمودة محلها وتربيتها في القلب.
وفي التوبة يبحث حقيقتها وشروطها وأسبابها ودوامها ومعالجة الإصرار، ثم يوازن بين الصبر والشكر باعتبارهما حالين يلازمان ما يمر بالإنسان من بلاء ونعمة. ويجمع الخوف والرجاء حتى لا يستقل أحدهما بالقلب، ثم يتناول الفقر والزهد من جهة علاقة القلب بالدنيا، لا من جهة مجرد فقد المال أو تركه.
ويبلغ البحث في «التوحيد والتوكل» مسائل تتصل بإضافة الأسباب إلى مسبباتها ودرجات اعتماد القلب، ثم يخصص كتابًا واسعًا للمحبة والشوق والأنس والرضا، فيعرض معاني المحبة وأسباب قوتها وثمراتها وما يتصل بها من الشوق والأنس والرضا. وتظهر في هذه المواضع بوضوح كثافة المصطلح الصوفي وطريقته في تحليل الأحوال الباطنة، وهو من أكثر جوانب الكتاب حاجةً إلى التمييز والنقد العلمي.
ثم يجمع النية والصدق والإخلاص، فيبحث أثر المقصد في قيمة العمل، وتعدد البواعث، واختلاط النيات، ومنازل الصدق، وما يدخل الإخلاص من شوائب. ويعقب ذلك بالمراقبة والمحاسبة، فيجعل للعبد نظرًا في أعماله قبل الفعل وأثناءه وبعده، مع مجاهدة النفس ومعاقبتها ومعاتبتها بحسب ما يصدر عنها.
وفي كتاب التفكر ينظم مجالات الفكر في النفس وصفاتها وأعمالها، وفيما يقرب إلى الله تعالى أو يبعد عنه، ويعيد وصل أبواب الكتاب بعضها ببعض؛ فالعبادات لها شروط وآفات، والعادات لها آداب وحدود، والمهلكات عقبات ينبغي علاجها، والمنجيات صفات ينبغي تحصيلها. وهكذا يغدو التفكر أداةً للمراجعة المستمرة لما فصله في الأرباع السابقة.
ويختتم «إحياء علوم الدين» بكتاب «ذكر الموت وما بعده»، فيتناول تذكر الموت والاستعداد له، وأحوال المحتضر والقبر والبرزخ، ثم الحشر والقيامة والحساب والميزان والصراط والجنة والنار. ويجعل ذكر الموت قاطعًا لطول الأمل ودافعًا إلى العمل، فتأتي خاتمة الكتاب متسقة مع بدايته التي أراد فيها نقل العلم من مجرد المعرفة إلى الاستعداد للآخرة وإصلاح السلوك.
وتقوم طريقة الغزالي في مجموع الكتاب على كثرة الاستدلال بالآيات والأخبار والآثار وأقوال السلف والحكماء وأهل السلوك، مع ضرب الأمثلة وتحليل دوافع النفس، وربط الأعمال الظاهرة بمقاصدها الباطنة. ويصرح بأنه أراد حل ما أُشكل في كتب سابقيه، وترتيب ما تفرق، وإيجاز المطوَّل، وحذف المكرر، والكشف عن مسائل غامضة لم تُفصَّل في غيره؛ لذلك يجمع الكتاب بين الفقه والوعظ والأخلاق وتحليل النفس ومباحث السلوك.
ويأتي مع «الإحياء» كتاب «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار»، وهو تخريج وضعه زين الدين العراقي لتمييز مراتب الأحاديث التي يوردها الغزالي. ويبين العراقي أنه يقتصر غالبًا على طرف الحديث وصحابيه ومخرجه والحكم عليه بالصحة أو الحسن أو الضعف، وينبه إلى ما لم يجد له أصلًا، ويكتفي بالعزو إلى الصحيحين أو أحدهما إذا كان الحديث فيهما، وإلا عزاه إلى بقية دواوين الحديث بحسب منهجه. ولهذا يكشف التخريج أثناء القراءة أن مادة «الإحياء» الحديثية ليست في مرتبة واحدة؛ ففيها الصحيح والحسن والضعيف، ويصرح المُخَرِّج في مواضع بعدم الوقوف على أصل لبعض الأخبار.
تنبيه مهم:
هذا الكتاب فيه نفع كثير، وفيه من الطامات والبلايا ما يمنع من قراءته، إلا ممن له خبرة ودراية بعقائد الصوفية والحلولية والفلاسفة، ممن تحصن بعقيدة السلف الصالح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإحياء فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة، تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوًّا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، وقالوا: مَرَّضَهُ (الشفاء) - يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة -، وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب، الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب، ما هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يرد منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه».
وعليه فلا يُتعامل مع الكتاب على أن جميع ما فيه مُسَلَّم، ولا يغني وجود «المغني عن حمل الأسفار» عن الحاجة إلى التمييز في المسائل العقدية والفلسفية والصوفية؛ إذ وظيفة التخريج المصاحب تتعلق أساسًا بالأخبار والأحاديث ومراتبها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














