
نبذة عن الكتاب:
يضع أسد بن موسى قارئ «الزهد» مباشرة أمام مشاهد الآخرة، فيأتي الزهد هنا من استحضار المصير الذي تنتهي إليه الدنيا لا من تعريفه تعريفًا نظريًا أو جمع أخبار الزهاد؛ فأول أثر يفسر قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ بأن الدنيا هي القليل الذي ينقطع، ثم تتوالى الروايات في بكاء أهل النار ويأسهم من الخروج منها. ويستغرق القسم الأول في تفصيل أهوال جهنم، فيذكر أهون أهلها عذابًا، وأوديتها وجبالها مثل «غي» و«ويل» و«الصعود»، وحياتها وعقاربها، وشراب أهلها من الحميم والغساق والغسلين، وشدة العذاب وتجدد الألم، ويربط بعض الأخبار بين العقوبة وأعمال دنيوية كأكل أموال الناس، والتهاون بالطهارة، والكلام الخبيث، والغيبة والنميمة وأذى المؤمنين. ومن النار ينتقل إلى الصراط والممر فوق جهنم، فيورد تفاوت مرور الناس عليه بين ناج سريع كالبرق والريح والطير، ومخدوش ينجو، وآخر يسقط في النار، مع حضور الأمانة وصلة الرحم والنور الذي يبقى للمؤمن ويطفأ عن المنافق. ثم تتسع مشاهد القيامة إلى اجتماع الخلائق ونزول الملائكة صفوفًا والحساب، وما يورده الكتاب في رؤية المؤمنين لربهم عز وجل، فتغدو هذه المشاهد المتعاقبة هي الوسيلة الأساسية لإضعاف تعلق النفس بالدنيا وإيقاظ الخوف من العاقبة.
ويتابع الكتاب مشاهد الموقف بباب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فيورد مجيء الخلق إلى آدم ثم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، واعتذار كل واحد منهم، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود، ثم يعرض الموازين وما يكشفه وزن الأعمال من سقوط قيمة الجاه والصورة والقوة إذا خلت من الإيمان والعمل، ويذكر مواطن تذهل فيها النفوس: تطاير الكتب، والميزان، والمرور على جسر جهنم. وبعد ذلك ينتقل إلى الحساب نفسه، فيتكرر سؤال الإنسان عما خوّله الله تعالى من المال والنعمة وما قدم منه لآخرته، ويقابل بين من جمع ماله ونمّاه وتركه خلفه وبين من سبق منه العمل، كما يورد سؤال العبد عن شكر النعم، وانمحاء نعيم الدنيا كله بلحظة من عذاب الآخرة، وانمحاء بؤسها بلحظة من نعيم الجنة. ويتصل الحساب بحقوق الخلق اتصالًا شديدًا، فتشهد الجوارح على صاحبها، وتستوفى المظالم من الحسنات، ويقتص لبعض الناس من بعض قبل دخول الجنة، بل ترد آثار في القصاص بين البهائم نفسها، ليؤكد الكتاب أن شيئًا من الظلم والحقوق لا يضيع. وينتهي النص المرفق عند توسيع معنى المسؤولية إلى الحيوان، بذكر سؤال من قتل عصفورًا بغير حق عنه يوم القيامة، فتستقر موعظة الكتاب عند رقابة لا يفلت منها مال ولا نعمة ولا كلمة ولا مظلمة ولا اعتداء، وهو المعنى الذي يمنح «الزهد» طابعه الخاص: تقليل شأن العاجل باستحضار الحساب الدقيق والجزاء الباقي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














