
نبذة عن الكتاب:
يجمع ابن عبد البر في هذا الكتاب طائفة واسعة من الآثار والحِكم والأخبار والأشعار التي ترسم أخلاق المجلس والكلام والتأديب، وتكشف منزلة اللسان في عقل الإنسان ومروءته وعلاقته بالناس. ولا يجري الكتاب على نسق نظري مجرد، بل تتتابع أبوابه في صورة مختارات مأثورة يضم بعضها إلى بعض؛ فينتقل من حقوق الجليس إلى فضل البيان، ومن آفات الإطالة والعِيّ إلى إصلاح اللسان بالعربية، ثم إلى حقيقة البلاغة والصمت والبديهة والأدب وترويح القلوب والعفو وضبط الغضب، فتتسع دلالة «الأدب» فيه لتشمل حسن القول وحسن المعاشرة وحسن سياسة النفس.
ويفتتح بأدب المجالسة وحق الجليس، فيجعل للمجلس حرمةً وللصحبة أمانة؛ فيُستر ما يدور بين المتجالسين، ويحفظ القائم حقه في موضعه، ولا يُفصل بين اثنين إلا بإذنهما، ويُفسح للقادم ويبدأ بالسلام ويُدعى المرء بأحب الأسماء إليه. ويورد من كلام السلف ما يرفع منزلة الجليس حتى يصبح إكرامه مظهرًا من مظاهر المروءة، ويقابل ذلك بالتحذير من جليس لا يُنال منه خير أو علم، ومن طول المجالسة الذي يذهب الهيبة ويجرئ الناس بعضهم على بعض.
ولا يحصر فائدة المجلس في المؤانسة؛ فاختلاف الجلساء يوسع المعرفة، ومجالسة من لا يدورون في دائرة القرابة والمألوف قد تزيد العلم، بينما الصحبة العقيمة تستنفد الوقت من غير ثمرة. ولهذا تجمع أخبار هذا الباب بين إكرام الصاحب، وحفظ سره، واحتمال طبعه، وبين حسن اختيار من يخالطه الإنسان ومقدار ما يخالطه، حتى لا تنقلب الألفة إلى ابتذال ولا المجاملة إلى مَلَق.
ثم يعقد بابًا لحمد اللسان وفضل البيان، فينظر إلى الكلام من جهة منفعته لا من جهة كثرته. فاللسان أداة لذكر الله تعالى، والدلالة على الهدى، والأمر بالخير، والإصلاح بين الناس، والدفاع عن الحق، وتسكين الحزن، وقضاء الحاجات. والكلمة الحكيمة قد تبقى منفعتها حين يفنى المال، والقول الحسن قد يبلغ من التأثير ما لا تبلغه القوة؛ ولذلك تتكرر في الباب الإشادة بالفصاحة والبيان بوصفهما مظهرًا لما في العقل والقلب، إذ يكشف اللسان مقدار صاحبه ويظهر ما استتر من فهمه.
ويقابل هذا الثناء بباب ذم العِيّ وحشو الكلام، فلا تصبح الفصاحة عنده سرعةً في اللسان ولا استكثارًا من الألفاظ. وتدور مختارات الباب على أن فضول الكلام ما لا ينفع في دين ولا دنيا، وأن جودة العبارة في أن يغني قليلها عن كثيرها ويظهر معناها في لفظها. وقد يكون المتكلم كثير الكلام أشد عِيًّا من الساكت؛ لأن العجز ليس دائمًا فقدان القدرة على النطق، بل قد يظهر في عبارة طويلة لا تؤدي معنى، أو في تدفق لا يفرق صاحبه فيه بين حق وباطل.
ومن هنا يلتقي ذم العِيّ بتحديد معنى البلاغة. فيجمع ابن عبد البر تعريفات متعددة تتقارب على إصابة المقصود، وإحكام الحجة، والإيجاز من غير إخلال، والإطناب من غير خَطَل، وحسن الدلالة على ما في النفس. فالبلاغة ليست زخرفةً مستقلة عن المعنى، ولا كثرة كلام وخفة لسان، وإنما اختيار للفظ الذي يبلغ الحاجة بأوضح طريق، مع معرفة موضع الوصل والفصل ووقت الإسهاب ووقت الاكتفاء.
ويصل سلامة البيان بإصلاح اللسان، فيفرد بابًا لتعلم الإعراب واجتناب اللحن وذم الغريب في الخطاب. ويورد الحث على تعلم العربية وتقويم النطق، ويربط النحو بفهم الحديث والشعر والحجة والخطاب، حتى يبدو اللحن عيبًا يضعف صورة المتكلم مهما علت منزلته. لكنه لا يحوّل العربية إلى استعراض للتعقيد؛ فالباب نفسه يتضمن نقد التكلف والغريب الذي لا يعرفه المخاطب، وأشعارًا تسخر من الاستغراق في دقائق الصناعة حين تنفصل عن غاية البيان. فالمقصود من الإعراب إقامة اللسان وإفهام المعنى، لا تحويل الكلام إلى لغز.
ويعقب ذلك بأخبار من ارتُجَّ عليه في الخطابة، فيسوق مواقف لخطباء وولاة صعدوا المنابر فعجزوا عن مواصلة القول أو أخطؤوا في استحضاره، ومنهم من تدارك الموقف بحكمة أو جواب، ومنهم من صار ارتباكه موضع طرفة. وتكشف هذه الأخبار جانبًا آخر من نظر الكتاب إلى البيان: أن القدرة على القول ليست منزلة ثابتة لا تعرض لها الآفة، وأن العمل والرأي قد يكونان أولى من التفوق في الخطابة، كما أن هيبة المقام نفسها قد تعوق اللسان.
ثم يأتي باب «حمد الصمت وذم المنطق» موازنًا لما سبق من حمد البيان. وليس بين البابين تناقض؛ فاللسان محمود حين ينطق بخير، والصمت محمود حين يكون البديل كلامًا زائدًا أو مؤذيًا. ولهذا تتكرر الوصية بإمساك اللسان، والتفكير قبل إطلاق الكلمة، واستحضار أن القول إذا خرج ملك صاحبه ولم يعد يملك رده. ويعرض الصمت بوصفه سترًا للعِيّ ووقايةً من الزلل، بينما يصبح الكلام غنيمةً إذا دل على خير؛ فالميزان ليس الصمت أو النطق في ذاتهما، بل ما ينتج عنهما.
ويعود الكتاب مرة أخرى إلى ذم كثرة الكلام ليعمق هذا المعنى؛ فالعاقل يجعل لسانه تابعًا لقلبه، يفكر قبل أن يتكلم، بخلاف من يسبق لسانه فكره. ويكثر في هذا الموضع تشبيه اللسان بالشيء المنفلت الذي يحتاج إلى عقال وحبس، لأن زلته قد تبقى في العرض والعلاقة والسمعة بعد زوال سببها. ومن ثم تصبح قلة الكلام فيما لا يعني الإنسان مظهرًا من مظاهر الفقه والعقل، لا علامة على العجز عن البيان.
ولا يقتصر اهتمام ابن عبد البر باللغة على الموعظة، بل يجمع مادة أدبية ولغوية خالصة في «المزدوج من الكلام»، فيورد الأسماء والتعابير التي تجمع شيئين تحت لفظ واحد، مثل القمرين والأبوين والجديدين وغير ذلك. ثم ينتقل إلى «الأجوبة المسكتة وحسن البديهة»، فيورد طرائف من سرعة الجواب وردودًا موجزة تقلب السؤال على صاحبه أو تصيب المعنى في لحظته، بما يبرز قيمة حضور الذهن واقتناص العبارة الملائمة للمقام.
ويتسع مفهوم الأدب بعد ذلك في باب مستقل ليشمل التربية والتهذيب، ولا سيما في الصغر. فالتعلم المبكر أشد رسوخًا، وحسن الأدب ميراث يبقى نفعه بعد ذهاب المال، وتأديب الولد وتعليمه من أسباب سرور والديه به بعد كبره. كما يربط بين العقل والأدب ربطًا وثيقًا؛ فلا يكتمل أحدهما من غير الآخر، ويجعل الأدب عونًا على المروءة وزيادةً في العقل وصاحبًا للإنسان في عزلته وزينةً له في مجلسه.
ثم يلتفت إلى طبيعة النفس في «ترويح القلوب وتنبيهها»، فيقرر من خلال الأخبار والحِكم أن القلوب تمل كما تمل الأبدان، وأن الموعظة إذا تتابعت بلا مراعاة لحال السامع أورثت السآمة. ولهذا تُطلب طرائف الحكمة ويُراعى إقبال القلب وإدباره، ويأخذ الإنسان نفسه بما يقويها ولا يقطعها من شدة الحمل. ويتصل الترويح بالتفكر والذكر وتلاوة القرآن؛ فالمقصود ليس إطلاق النفس في اللهو، وإنما إعانتها على دوام الجد من غير إنهاك.
ويعقد بعد ذلك بابًا في ذم الخلاف ومدح المساعدة، فيورد ما يجعل كثرة النزاع سببًا للوحشة وفساد المودة، ويقابلها بالائتلاف والمؤانسة والمساعدة. ولا يتخذ الباب صورة مناقشة فقهية للاختلاف، بل معالجة أدبية لاجتماع الناس؛ فالمخالفة الدائمة تفسد الصحبة، والإنصاف قليل حين يسيطر حب المنازعة. ويتصل بهذا في أثناء الكتاب تحذير من التنجيم الذي يتجاوز الاهتداء بالنجوم إلى ادعاء معرفة المغيبات، مع قصة نُقض فيها حكم المنجمين بنزول المطر خلاف ما قرروه.
ويختم مساره الأخلاقي بباب العفو والتجاوز وكظم الغيظ ثم باب الغضب. فيجمع ما يرفع العفو عند القدرة فوق الانتقام، ويربط الرحمة بكمال الخُلُق، ويعرض كظم الغيظ قوةً لا ضعفًا؛ لأن القادر على العقوبة حين يملك نفسه أرفع ممن يدفعه الغضب إلى الاقتصاص لنفسه. ثم يورد الوصية بترك الغضب ووسائل تسكينه، وينتهي إلى الجمع بين العفو والعدل في حالتي الرضا والغضب، فلا يكون حسن الخُلُق متعلقًا بمزاج هادئ سرعان ما يزول عند الخصومة.
وهكذا لا يدور «أدب المجالسة» حول المجلس وحده، بل حول الإنسان حين يجالس ويتكلم ويسكت ويتعلم ويجيب ويربي ويغضب ويعفو. فاللسان في أبوابه ليس مجرد آلة للنطق، وإنما مرآة للعقل ووسيلة للمودة أو القطيعة، والإعراب ليس صناعة منفصلة عن التخاطب، والبلاغة ليست كثرة الألفاظ، والصمت ليس فضيلة مطلقة، والأدب ليس هيئة ظاهرية؛ بل تنشأ الفضيلة من وضع كل شيء في موضعه: كلام نافع في حينه، وصمت عند الفضول، وبيان بلا تكلف، ومجلس محفوظ الحرمة، ونفس تعرف كيف تضبط غضبها وتحفظ للناس حقوقهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














