
نبذة عن الكتاب:
يَناقش عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذا الكتاب حكمًا صدر عن محكمة باجل في نزاع بين أحمد بن عبد الله مدابش ومحمَّد بن علي مغبوش، ويتتبَّع ما وقع في الحكم من أخطاء في تصوير الدَّعوى والإجابة، وقبول الشَّهادات، والموازنة بين البيِّنات، وتطبيق الأحكام الفقهيَّة على محلِّ النِّزاع. وتدور القضيَّة حول دكَّانين؛ تعلَّق بأحدهما نزاع في أخشاب مغروزة في جدار المدَّعي، وتعلَّق بالآخر ادِّعاء أنَّه مبنيٌّ في السَّبيل، فبحث المعلِّمي كلَّ مسألة على حدة، وردَّها إلى قواعد الدَّعوى والبيِّنات واليد والطَّريق والعارية والصُّلح.
ويبدأ بنقد صياغة الدَّعوى نفسها، فينبِّه إلى أنَّ وظيفة المدَّعي والمدَّعى عليه هي عرض الدَّعوى والإجابة وفق شروطهما، لا تقرير الأحكام الشَّرعيَّة التي يتولَّى الحاكم معرفتها وتطبيقها. ويميِّز بين مطالبة المدَّعي بقلع الأخشاب بوصفها حقًّا يدَّعيه لنفسه، وبين طلبه هدم الصُّفَّة بدعوى وقوعها في السَّبيل، ويناقش وصف هذه المطالبة بأنَّها دعوى حسبة؛ لأنَّ دعوى الحسبة لا تتحقَّق بهذا الوصف إذا كان صاحبها يجرُّ بها إلى نفسه نفعًا أو يدفع بها عنها ضررًا. ثمَّ ينتقد عدم انضباط الدَّعوى والإجابة وعدم مطابقتهما على وجه يحرِّر محلَّ الخصومة تحريرًا واضحًا.
ويفحص بعد ذلك بيِّنة المدَّعي التي شهد أصحابها بأنَّهم يعلمون أنَّ السَّاحة المتنازع عليها كانت سبيلًا ولا يدرون كيف صارت عمارتها، فيناقش صيغة أداء الشَّهادة نفسها، ويفرِّق بين قول الشَّاهد «أشهد» بالواقعة وبين إخباره بأنَّه «يعلم» بها، كما ينبِّه إلى احتمال كون هذا العلم مستندًا إلى المشاهدة أو السَّماع، في حين لا يصحُّ أن تبقى الشَّهادة محتملةً من غير استفسار يرفع الاحتمال. ويستعين في ذلك بما قرَّره فقهاء الشَّافعيَّة في شروط أداء الشَّهادة والشَّهادة بالتَّسامع، وينتهي إلى إبطال الشَّهادة التي قدَّمها المدَّعي لعدم استيفائها ما يراه لازمًا لصحتها.
ويقابل هذه البيِّنة بما قدَّمه المدَّعى عليه من شهود أثبتوا تداول الدُّكَّان والموضع بالملك والشراء، وأنَّ السَّبيل باقٍ على حاله، ثمَّ يبحث حكم تعارض البيِّنات على فرض تصحيح بيِّنة المدَّعي. ويجعل من أهمِّ المرجِّحات كون بيِّنة المدَّعي خارجةً وبيِّنة المدَّعى عليه داخلةً مقرونةً باليد، ويقرِّر تقديم بيِّنة صاحب اليد على البيِّنة الخارجة في هذه الصُّورة، حتَّى مع تقدُّم تاريخ الأخرى، ما دام لم يثبت أنَّ اليد يد عدوان. ويستشهد لذلك بما نُقل في كتب المذهب من تقديم البيِّنة المتأخِّرة إذا اقترنت باليد، ولو تعلَّق الأمر بملك أو وقف، ويضيف إلى ذلك طول المدَّة وتعاقب الأيدي على الموضع.
ويبحث دعوى وقوع البناء في الطَّريق من جهة أخرى، فيستشهد بما قرَّره الفقهاء في الدُّكَّة الموجودة في الشَّارع إذا جُهل أصل وضعها، وأنَّه لا يجوز التَّعرُّض لها بالهدم حتَّى تقوم بيِّنة على أنَّها وُضعت تعدِّيًا. كما يناقش اعتماد الحكم على أنَّ أقلَّ عرض للطَّريق سبعة أذرع، فيبيِّن أنَّ هذا التَّقدير يتعلَّق بحالة اختلاف المحيين عند إنشاء الطَّريق في قدره، ولا يصحُّ نقله إلى كلِّ طريق قائم على الإطلاق، وينقل أنَّ من فقهاء الشَّافعيَّة من ردَّ مقدار الطَّريق إلى قدر الحاجة. وينتهي في هذه المسألة إلى بطلان الحكم بهدم الدَّكاكين وإبقائها على حالها لعدم ثبوت التَّعدِّي الذي يوجب إزالتها.
وينتقل إلى المسألة الثَّانية المتعلِّقة بالأخشاب المغروزة في جدار المدَّعي، فيناقش ما نُسب في الدَّعوى إلى مذهب الإمام الشَّافعي من أنَّ لصاحب الجدار الرُّجوع في الإعارة بعد البناء، مع تخييره بين إبقاء الأخشاب بأجرة أو قلعها وإلزام صاحبها بأرش النَّقص الذي يحدثه القلع في الجدار. ويبيِّن المعلِّمي أنَّ الخطأ وقع في جهة استحقاق الأرش؛ فالنَّقص المقصود في النَّصِّ الفقهي هو ما يلحق الأخشاب بسبب قلعها، ولذلك تكون الغرامة لصاحب الأخشاب على صاحب الجدار إذا اختار القلع، لا لصاحب الجدار على صاحب الأخشاب كما فُهم في الحكم. وينتقد اعتماد القاضي على التَّقرير الوارد في دعوى أحد الخصمين بدل تحرير الحكم الفقهي بنفسه.
ويستكمل بحث غرز الأخشاب بالنَّظر في شهادة تفيد وقوع صلح سابق بين المتنازعين على أن يغرز كلٌّ منهما خشبته في دكَّان الآخر، فيرى أنَّ هذه الزِّيادة لا تناقض بقيَّة الشَّهادات، وأنَّ ثبوتها مع تعديل الشَّاهد ويمين المدَّعى عليه يقتضي الحكم له باستحقاق الغرز. ويستند إلى أحكام الصُّلح على وضع الجذع على الجدار، وإمكان إنشاء حقٍّ مستمرٍّ في البناء والانتفاع بالجدار بعوض، ثمَّ يبيِّن أنَّه حتَّى مع عدم ثبوت الصُّلح فلا يخرج الأمر في أدنى أحواله عن حكم العارية وما يترتَّب عليها من أحكام سبق تفصيلها.
ويختم المعلِّمي مناقشته بالتَّنبيه إلى أنَّ ما قدَّمه وكيل المدَّعى عليه لم يكن مجرَّد أوراق أو «حجج» بالمعنى المادِّي، وإنَّما اشتمل على دفوع وحجج شرعيَّة كان ينبغي فهمها والنَّظر في أثرها في الخصومة، ثمَّ يقف عند هذا الخلل في فهم الدَّعوى والبيِّنات والحجج وتطبيق النُّصوص الفقهيَّة عليها، بعد أن انتهى في مسألتي النِّزاع إلى عدم ثبوت ما يوجب هدم الدَّكاكين، وإلى إعادة بحث حقِّ غرز الأخشاب على ضوء الصُّلح المدَّعى به أو أحكام العارية عند عدم ثبوته.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














