
نبذة عن الكتاب:
يُبَيِّن عبد الحميد بن باديس في كتاب «مبادئ الأصول» جملةً من القواعد التي يُعرف بها طريق استفادة أحكام أفعال المكلفين من أدلتها، في صياغة تعليمية موجزة تقصد إلى تقريب أمهات مسائل أصول الفقه دون التوسع في الخلافات والتفريعات المطولة. وقد حصر مباحثه في أربعة أبواب: أفعال المكلفين، وأحكام الله تعالى، وأدلة الأحكام، والقواعد الأصولية، ثم ختم ببيان مراتب الاجتهاد والتقليد والاتباع.
ويجعل أفعال المكلفين منطلَقًا لفهم الحكم الشرعي، فيربطها بمعنى العبودية لله تعالى؛ إذ لا يخرج فعل الإنسان الظاهر أو الباطن عن أن يكون مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك، أو مأذونًا فيه. ومن هنا ينتقل إلى الأحكام التكليفية، فيقسم طلب الفعل إلى إيجاب وندب، وطلب الترك إلى تحريم وكراهة، ويجعل الإذن في الفعل والترك إباحة، ثم يبين ما يترتب على تعلق كل حكم بالفعل من وصفه بالوجوب أو الندب أو الحرمة أو الكراهة أو الإباحة.
ويضم إلى ذلك الحكم الوضعي، فيعرف السبب بما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، والشرط بما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع بما يلزم من وجوده العدم. ثم يفرق بين التكليف والوضع من جهة المتعلَّق؛ فالحكم التكليفي يتعلق بفعل المكلف طلبًا أو إذنًا، أما الوضعي فيتناول الأسباب والشروط والموانع، سواء كانت من فعل المكلف كالوضوء أو خارجة عن فعله كدخول الوقت. وقد يجتمع الحكمان في فعل واحد باعتبارين، كالوضوء المأمور به من جهة، المجعول شرطًا لصحة الصلاة من جهة أخرى.
ويتوسع بعد ذلك في أقسام الحكم وما يتصل به من العزيمة والرخصة، والصحة والبطلان والفساد، ثم يحدد الحاكم بأنه الله تعالى، ويجعل حكم البشر شرعيًّا بقدر تحريهم حكم الله تعالى. أما المحكوم فيه فهو فعل المكلف في حدود قدرته ومن غير حرج، والمحكوم عليه هو المكلف البالغ العاقل المختار. ويفرق في الخطاب بين العيني والكفائي؛ فالأول يتعلق بما تتوقف عليه مصلحة كل فرد مباشرة، والثاني بما تتعلق به مصلحة المجموع، فيسقط الطلب بقيام بعض الأمة به.
ويجعل أدلة الأحكام أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. فالقرآن أصل الأدلة التي ترجع إليها بقية الحجج، والسنة بيان له وقد تستقل بالتشريع، وهي ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. ويعرف الإجماع باتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عصر على حكم شرعي، ويميز فيه بين العملي الذي تناقلته الأمة، والنظري المبني على الاجتهاد. أما القياس فهو إلحاق فرع مجهول الحكم بأصل معلوم الحكم لوصف جامع بينهما يكون سببًا للحكم، مع انتفاء الفارق المؤثر.
ويشرح في الباب الرابع الفرق بين الدليل التفصيلي والدليل الإجمالي؛ فآية الحكم أو حديثه دليل تفصيلي متعلق بمسألة بعينها، أما القاعدة الأصولية كقولهم إن الأمر للوجوب فهي دليل إجمالي تندرج تحته نصوص كثيرة. ومن اجتماع الدليلين يستنبط الحكم؛ إذ ينظر في النص المعين، ثم في القاعدة المنطبقة عليه، وبذلك تتحول القاعدة الأصولية من تعريف نظري إلى آلة عملية في الاستنباط.
ويقرر في دلالات الألفاظ أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته، ولا يعدل إلى المجاز إلا بقرينة، وأن ألفاظ الكتاب والسنة تحمل على معانيها الشرعية حيث وجدت. ويجعل صيغة الأمر للوجوب ما لم تصرفها قرينة، ولا يرى أنها تقتضي الفور أو التكرار بذاتها، وإن كانت المرة لازمة لتحقيق الامتثال، كما يقرر أن الأمر بالشيء يقتضي اجتناب أضداده وقت الامتثال، وأن ما لا يتم المطلوب إلا به يدخل في طلبه. أما النهي فأصله التحريم، ويقتضي الفور ودوام الترك وفعل ضد من أضداد المنهي عنه.
ويبحث المنطوق والمفهوم، فيميز مفهوم الموافقة من مفهوم المخالفة، ويقسم الأول إلى مساواة وأولوية؛ فمن تحريم أكل مال اليتيم يستفاد تحريم إتلافه لمساواته له في الظلم، ومن تحريم التأفف للوالدين يستفاد تحريم ضربهما بطريق الأولى. ثم يتناول صيغ العموم والخصوص والتخصيص، والمخصصات المتصلة والمنفصلة، ويجيز التخصيص بالنص وغيره، كما يشرح المطلق والمقيد، ويجعل حمل المطلق على المقيد تابعًا لاتحاد الحكم؛ فإذا اختلف الحكم امتنع الحمل وإن اتحد السبب.
ويتناول النسخ باعتباره رفع حكم ثابت بدليل متقدم بدليل متأخر، ولا يحكم به إلا عند صحة الدليلين وتعذر الجمع بينهما ومعرفة المتقدم والمتأخر. ويقصر مورده على الأحكام دون الأخبار، ويربط حكمته بمراعاة المصالح وتدريب الأمة على تلقي التشريع، ثم يذكر صوره من نسخ الحكم أو الرسم أو كليهما، والنسخ إلى بدل أو غير بدل، وإلى الأخف أو الأثقل، ووقوع النسخ بين الكتاب والسنة على الصور التي يذكرها.
ويخصص لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته قواعد مستقلة؛ فما فعله على وجه القربة فهو محل تأسٍّ إلا ما قام الدليل على اختصاصه به، وما داوم عليه أقوى دلالة مما فعله مرة، وما تركه من صور العبادات فليس قربة. أما أفعاله الجبلية فلا تكون بذاتها محل اقتداء، وإن كانت الهيئة التي فعلها عليها داخلة في باب التأسي. وكل ما قيل أو فعل بحضرته أو بلغه فأقره فهو حق على الوجه الذي أقره عليه. ويضيف إلى ذلك قاعدة في ثبوت السنة، فيجعل الحديث الصحيح والحسن صالحين للاستدلال في الأحكام، ولا يجعل الضعيف أصلًا لإثباتها، مع قبوله فيما ورد في الترغيب أو الترهيب إذا كان أصل العمل ثابتًا بدليل معتبر ولم يشتد ضعفه.
ويختم بتحديد مراتب التعامل مع الأدلة؛ فالاجتهاد هو بذل الجهد في استنباط الحكم من الدليل الشرعي وفق القواعد الأصولية، وأهله من تبحر في علوم الكتاب والسنة، واتسع إدراكه لمقاصد الشريعة، وصح فهمه للسان العربي. والتقليد أخذ قول المجتهد من غير معرفة دليله، وهو شأن من لا قدرة له على فهم الأدلة. أما الاتباع فهو أخذ قول المجتهد مع معرفة دليله وكيفية استنباطه منه، ويختص بمن اكتسب من العلوم الشرعية واللسانية ما يمكنه من الموازنة بين أقوال المجتهدين وتمييز قويها من ضعيفها واختيار ما يترجح منها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














