
عبد الحميد بن باديس
عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس الصنهاجي: من كبار علماء الجزائر ومصلحيها، ومفسر ومربٍّ وصحفي، ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وُلِدَ بمدينة قسنطينة يوم 11 ربيع الآخر سنة 1307هـ الموافق 4 ديسمبر 1889م، ونشأ في أسرة عريقة ذات مكانة وعلم وثراء.
بدأ تعليمه في الكُتَّاب، وحفظ القرآن الكريم على الشيخ محمد المداسي وهو في الثالثة عشرة، حتى قُدِّمَ لإمامة الناس في صلاة التراويح. ثم أخذ مبادئ العلوم العربية والشرعية عن حمدان الونيسي القسنطيني، وكان لوصيته له بأن يطلب العلم للعلم لا للوظيفة أثر في مسيرته العلمية.
التحق بجامع الزيتونة في تونس سنة 1327هـ الموافق 1908م، وأخذ عن عدد من علمائه، منهم محمد النخلي القيرواني، ومحمد الطاهر بن عاشور، والبشير صفر، وسعد العياض السطايفي، ومحمد بن القاضي. وبعد إتمام دراسته أقام مدة بالتدريس في الزيتونة.
سافر سنة 1913م إلى الحجاز لأداء الحج، وأقام بالمدينة المنورة، فالتقى أستاذه حمدان الونيسي وعددًا من العلماء، كما تعرّف إلى محمد البشير الإبراهيمي، وتباحثا طويلًا في أحوال الجزائر وسبل إصلاحها. ثم مر بالشام ومصر، وزار الأزهر، واتصل بمحمد بخيت المطيعي وغيره من العلماء، قبل أن يعود إلى الجزائر.
استقر بقسنطينة وبدأ نشاطه التعليمي والإصلاحي، فدَرَّسَ في المساجد، ولا سيما الجامع الأخضر، واعتنى بتفسير القرآن وتعليم الحديث والعربية وتربية الناشئة. وجعل التعليم أساسًا لإصلاح المجتمع ومقاومة آثار الاستعمار الفرنسي، ودعا إلى المحافظة على الإسلام واللغة العربية والشخصية الجزائرية.
كان من أبرز مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م، وانتُخِبَ رئيسًا لها، وظل في رئاستها إلى وفاته. واتخذت الجمعية التعليم والإصلاح الديني وإحياء العربية من أهم وسائل عملها، وأنشأت في عهده عددًا كبيرًا من المدارس، وربط ابن باديس بين الإصلاح الديني والتربوي وبين الدفاع عن هوية الجزائر ومقاومة سياسة الإدماج الاستعماري.
وكان له نشاط واسع في الصحافة؛ فأصدر جريدة «المنتقد» سنة 1925م، ثم أُوقِفَتْ بعد عدد قليل من أعدادها، فأنشأ «الشهاب» التي استمرت سنوات، كما شارك في صحف جمعية العلماء، ومنها «السنة» و«الشريعة» و«الصراط» و«البصائر». واستعمل الصحافة في نشر آرائه في الإصلاح والعقيدة والتعليم والسياسة ومواجهة الاستعمار.
دخل كذلك ميدان العمل السياسي، ودافع عن حق الجزائريين في المحافظة على شخصيتهم المستقلة، ورفض فكرة اندماج الجزائر في فرنسا. وشارك سنة 1936م في المؤتمر الإسلامي الجزائري، وكان ضمن الوفد الذي ذهب إلى فرنسا للمطالبة بحقوق الجزائريين. كما كان شديد الاعتراض على تدخل الإدارة الفرنسية في الشؤون الدينية والتعليمية للمسلمين.
عُنِيَ بالتفسير عناية كبيرة، ودَرَّسَ القرآن سنوات طويلة حتى أتم تفسيره في مجالسه، كما دَرَّسَ «موطأ مالك». ولم يصل من دروسه ومقالاته كل ما ألقاه وكتبه، وإنما جُمِعَ بعض تراثه بعد وفاته. ومن آثاره «مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير»، المعروف بتفسير ابن باديس، و«العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية»، و«مبادئ الأصول»، وله دروس ومباحث في أصول الفقه وآيات وأحاديث الأحكام، إضافة إلى مقالاته الكثيرة في الصحف والمجلات.
وكان شاعرًا وخطيبًا، ومن أشهر ما نُقِلَ من شعره قصيدته التي مطلعها «شعب الجزائر مسلم»، التي عبّر فيها عن تمسك الجزائر بالإسلام والعروبة ورفض الذوبان في الهوية الفرنسية.
تُوُفِّيَ بقسنطينة يوم 8 ربيع الأول سنة 1359هـ الموافق 16 أبريل 1940م، بعد حياة حافلة بالتعليم والإصلاح والصحافة والعمل العام، ودُفِنَ في مقبرة آل باديس بقسنطينة، وشهدت جنازته حضورًا واسعًا من مختلف أنحاء الجزائر.
كتب عبد الحميد بن باديس PDF
