
نبذة عن الكتاب:
يَبحث عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة حكمَ المعاملة المعروفة ببيع الوفاء أو بيع العهدة وغيرها من الأسماء، وهي معاملة كانت شائعةً في حضرموت وفي بلدان أخرى، وتقوم على بيع المال مع اتِّفاقٍ سابق يقتضي أن يعيده المشتري إلى البائع متى ردَّ إليه الثَّمن. وقد جاءت الرِّسالة جوابًا عن سؤال وُجِّه إلى المعلِّمي بشأن هذه المعاملة، فراجع ما تيسَّر له من كتب علماء حضرموت، ووقف على ما نُقل في «بغية المسترشدين» من تصحيح بيع العهدة والعمل به مع التَّنبيه إلى أنَّه ليس من مذهب الشَّافعي، وإنَّما اختاره بعض العلماء ولفَّقوه من مذاهب أخرى للحاجة والضَّرورة.
ويجعل المعلِّمي قضيَّة التَّلفيق بين المذاهب محورًا لتحقيق المسألة، فيتتبَّع الأسس الفقهيَّة التي بُني عليها تصحيح بيع الوفاء وإلزام المشتري بإعادة المبيع، ويستخلص من النُّقول التي راجعها سبعة أصول تحتاج إلى الفحص: حكم المعاملة في مذهب الشَّافعي، والاعتماد على مذهب مالك في إلزام المشتري بالوفاء، وإمكان الاستناد إلى مذهب أحمد في جواز البيع بالشَّرط، وإمكان الاعتماد عليه في تأبيد الخيار، والاستناد إلى مذهب أبي حنيفة، والاحتجاج بالضَّرورة للخروج عن المذهب، ثمَّ اعتماد المتأخِّرين على عمل العلماء السَّابقين بهذه المعاملة. وبذلك لا يتناول بيع الوفاء باعتباره صورةً واحدةً مسلَّمة الحكم، بل يفكِّك البناء الفقهي الذي استند إليه القائلون بصحَّته ليتحقَّق من ثبوت كلِّ جزء منه.
ويقرِّر في جانب المذهب الشَّافعي أنَّ البيع إذا سبقه تواطؤ بين الطَّرفين على إعادة المبيع، ثمَّ أُنشئ العقد نفسه باتًّا خاليًا من الشَّرط، فإنَّ أصل البيع نافذٌ باتٌّ، ويكون رضا المشتري قبل العقد بما تواطآ عليه وعدًا يُستحبُّ الوفاء به ولا يجب. ومع ذلك يستحبُّ ترك هذا التَّواطؤ خروجًا من خلاف مَن ألحق الشَّرط المتواطأ عليه قبل العقد بالشَّرط المذكور في صلب العقد، فحكم ببطلان البيع وحرمة هذه الصُّورة. ويظهر من هذا التَّفصيل أنَّ موضع البحث لا يقتصر على العبارة التي يُصاغ بها العقد، بل يمتدُّ إلى أثر المواطأة السَّابقة وعلاقتها بالشَّرط الملزم.
ويختبر بعد ذلك دعوى إمكان الاعتماد على مذهب مالك في إلزام المشتري بالوفاء، فيرجع إلى «الموطأ» وإلى شرح الباجي في «المنتقى»، ويستعرض ما ورد في اشتراط البائع على المشتري أن يعيد إليه المبيع عند تحقُّق أمر معيَّن. وينقل تفسير المالكيَّة لهذه الصُّورة ببيع الثُّنيا، وأنَّ الشَّرط إذا دخل في نفس العقد أفسده؛ لأنَّ المشتري لا يستقلُّ بالمبيع استقلالًا يملك معه إبقاءه أو بيعه أو هبته والتَّصرُّف فيه كيف شاء. ويستشهد في ذلك بما نُقل عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وابن عمر رضي الله عنهما، وبشرح الباجي لما يترتَّب على وجود هذا الشَّرط في عقد البيع.
ويزيد الحكم وضوحًا بنقل ما قرَّره الدُّسوقي في بيان بيع الثُّنيا، وهو ما عُرف في مصر ببيع المعاد؛ إذ تكون صورته أن يشترط البائع على المشتري أنَّه متى أعاد إليه الثَّمن وجب عليه ردُّ المبيع. ويفرِّق النَّصُّ المالكي بين وقوع هذا الشَّرط في العقد أو التَّواطؤ عليه قبله، وبين صدور الوعد من المشتري بعد تمام البيع واستقراره؛ فالصُّورة الأولى فاسدة عندهم بسبب تردُّد الثَّمن بين كونه سلفًا وكونه ثمنًا، أمَّا إذا تمَّ البيع من غير هذا الارتباط ثمَّ تبرَّع المشتري بعده بوعد البائع بردِّ المبيع إليه عند ردِّ الثَّمن، فالبيع صحيح، غير أنَّ الوفاء بذلك الوعد مستحبٌّ لا لازم. وبذلك يكشف هذا الجزء من الرِّسالة عن الإشكال في الاستناد إلى المذهب المالكي لإثبات لزوم الصُّورة المتداولة من بيع الوفاء، ويفرِّق بدقَّة بين البيع المشروط، والمواطأة السَّابقة عليه، والوعد المستقلِّ اللَّاحق للعقد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














