
نبذة عن الكتاب:
يتتبَّع محمَّد الغزالي في كتاب «فقه السِّيرة» حياة النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم منذ البيئة التي سبقت بعثته ونشأته إلى وفاته، لكنَّه لا يقصد إلى سرد الوقائع التَّاريخيَّة وحدها، بل يجعل أحداث السِّيرة سبيلًا لفهم الرِّسالة واستخراج ما تحمله من معانٍ عقديَّة وتربويَّة وأخلاقيَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة. وينصُّ في مقدِّمته على أنَّ السِّيرة ليست قصَّةً للتَّسلية ولا مادَّةً يدرسها ناقد محايد، وإنَّما هي للمسلم مصدر للأسوة والشَّريعة، ولذلك يسعى إلى إبراز الحكم والتَّفسيرات الكامنة وراء الحوادث وربطها بحياة المسلمين ومشكلاتهم.
يمزج الغزالي في بناء الكتاب بين طريقة المؤرِّخين القدامى في جمع الآثار وتمحيص المرويَّات وطريقة المحدثين في التَّعليل والموازنة وربط الحوادث في سياق متماسك. ويشرح أنَّه أراد أن يجعل تفاصيل السِّيرة موضوعًا واحدًا تشدُّ أجزاءه روح مشتركة، وأن يوزِّع النُّصوص والمرويَّات بحيث تخدم هذا البناء، لتصبح دراسة السِّيرة وسيلةً لتنمية الإيمان وتزكية الخلق وإثارة الهمم إلى العمل والوفاء للحقِّ. ولا يخفي موقعه من موضوعه؛ فهو يكتب بوصفه مسلمًا مؤمنًا بالرِّسالة، لا مؤرِّخًا مقطوع الصِّلة بما يروي.
ويبيِّن في حديثه عن مصادر الأخبار منهجًا خاصًّا في التَّعامل مع الحديث والرِّواية، وقد أثبت في الطَّبعة التي راجعها محمَّد ناصر الدِّين الألباني تعقيباته على الأحاديث التي أوردها. فالغزالي قد يقبل خبرًا ضعيف الإسناد إذا وجد معناه موافقًا لأصل ثابت من القرآن الكريم أو السُّنَّة الصَّحيحة ولا ينشئ حكمًا جديدًا، كما قد يتوقَّف في فهم رواية صحيحة إذا رأى ظاهرها غير منسجم مع القواعد العامَّة التي استخلصها من النُّصوص. ويعرض خلافه مع الألباني في بعض المواضع مع إبقاء تعقيباته أمام القارئ ليطَّلع على الحكم الحديثيِّ للمرويَّات.
ويمهِّد للسِّيرة بتصوير حال العالم قبل بعثة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيتحدَّث عن انتشار الوثنيَّة وما لحق الدِّيانات السَّابقة من تبديل، وعن الأوضاع الفكريَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة التي أحاطت بالإنسان آنذاك. ثمَّ يشرح طبيعة الرِّسالة الخاتمة وعمومها ودوامها، ويربط خلودها بالقرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة وما أودع فيهما من أصول الهداية التي تتجاوز البيئة والعصر اللَّذين ظهرت فيهما الدَّعوة. ويؤكِّد في هذا السِّياق أنَّ الصِّلة الحقيقيَّة بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تقوم على معرفة رسالته واتِّباعها، لا على مظاهر المحبَّة المجرَّدة من العمل.
ويعرض أحوال العرب ومكَّة عند البعثة، ثمَّ يعود إلى نشأة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وما سبق نبوَّته من مراحل حياته، فيتناول شبابه وزواجه من خديجة رضي الله عنها ومشاركته في بناء الكعبة وخلوته في غار حراء، وصولًا إلى نزول الوحي ولقائه بورقة بن نوفل. ولا يفصل هذه الوقائع عن مقصده التَّربويِّ؛ إذ يستخرج منها ما يتَّصل بتكوين شخصيَّة حامل الرِّسالة، والاستعداد لتحمُّل أعبائها، وطبيعة الاصطفاء للنُّبوَّة، ثمَّ يتوقَّف عند نزول القرآن الكريم منجَّمًا خلال سنوات الدَّعوة وما أدَّاه ذلك من وظيفة في تربية النُّفوس وسياسة الجماعة وتقرير الأحكام.
وتشغل المرحلة المكِّيَّة جانبًا واسعًا من الكتاب، فيتابع بداية الدَّعوة والرَّعيل الأوَّل من المسلمين، والجهر بالإسلام، وموقف أبي طالب، واضطهاد المسلمين وما أصاب عمَّار بن ياسر وبلال وخبَّاب رضي الله عنهم، ثمَّ مفاوضات قريش ومحاولاتها وقف الدَّعوة. ويشرح الهجرتين إلى الحبشة، وإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما، والمقاطعة التي فُرضت على بني هاشم، وعام الحزن، وخروج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الطَّائف، ثمَّ الإسراء والمعراج وعرض الإسلام على القبائل. وتتجاوز معالجته ترتيب الحوادث إلى بيان طبيعة الصِّراع بين العقيدة الجديدة والمصالح والعصبيَّات والتَّقاليد التي قاومتها.
وتأتي الهجرة إلى المدينة بوصفها تحوُّلًا كبيرًا في مسار الدَّعوة؛ فيسبقها الحديث عن بيعتَي العقبة وانتقال المسلمين تدريجيًّا من مكَّة، ومؤامرة دار النَّدوة لقتل النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ خروجه مع أبي بكر رضي الله عنه واختفائهما في الغار وسيرهما إلى المدينة. ويستخرج الغزالي من تدبير الهجرة دروسًا في سياسة الأمور والأخذ بالأسباب وحسن التَّخطيط مع التَّوكُّل على الله عزَّ وجلَّ، ثمَّ يتابع استقبال المدينة للمهاجرين والمشكلات التي واجهت الجماعة المسلمة بعد انتقالها إلى بيئتها الجديدة.
ويعالج قيام المجتمع الإسلاميِّ في المدينة من خلال الأسس التي أقامها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لتثبيت الجماعة الجديدة وتنظيم علاقاتها، فيربط بناء المجتمع بالتَّربية والعقيدة والأخوَّة والتَّكافل وتنظيم الصِّلات بين مكوِّنات المدينة. ويولي مواقف اليهود والمنافقين عنايةً ظاهرةً، متتبِّعًا تطوُّر علاقتهم بالدَّولة النَّاشئة وما نشأ عنها من أزمات وصراعات، ومبيِّنًا أثر هذه الجبهة الدَّاخليَّة في مسيرة المجتمع إلى جانب المواجهة الخارجيَّة مع قريش والقبائل المتحالفة معها.
وتحتلُّ الغزوات مساحةً كبيرةً من «فقه السِّيرة»، لكنَّ الغزالي لا يتعامل معها بوصفها أخبارًا عسكريَّةً منفصلة؛ ففي بدر يبرز تحوُّل المسلمين من جماعة مضطهدة إلى قوَّة تواجه خصومها، ويتوقَّف عند الشُّورى والاستعداد للقتال وما أعقب النَّصر من قضايا الأسرى والغنائم. أمَّا أُحد فيقرأ أحداثها من خلال علاقة الطَّاعة والانضباط بالنَّصر والهزيمة، ويجعل مخالفة الرُّماة وما ترتَّب عليها درسًا في آثار الخلل الدَّاخليِّ على مصير الجماعة. ثمَّ يتابع بدر الآخرة وما أعقبها من تحرُّكات، ويبيِّن كيف انتقلت المبادرة تدريجيًّا إلى المسلمين بعد أن كانت قريش صاحبة اليد العليا.
ويبرز في الخندق وما اتَّصل بها من أحداث معنى اجتماع الأخطار الخارجيَّة والدَّاخليَّة على المدينة، وما تطلَّبه ذلك من صبر وتنظيم وثبات. ثمَّ ينتقل إلى المراحل التي أخذ فيها ميزان القوَّة يتغيَّر بوضوح، وفي مقدِّمتها صلح الحديبية الذي يعالجه بوصفه حدثًا سياسيًّا ودعويًّا بعيد الأثر، إذ أتاحت الهدنة للناس أن يلتقوا ويتعرَّفوا إلى الإسلام في ظروف أقلَّ توتُّرًا، واتَّسع بعدها نشاط المسلمين وانتشار الدَّعوة. ويستشهد بما نقله أهل السِّيرة عن تضاعف أعداد المسلمين بين الحديبية وفتح مكَّة لإظهار أثر السِّلم في انتشار الإسلام.
ويتابع بعد الحديبية اتِّساع أفق الدَّعوة خارج الجزيرة ومراسلة الملوك، ثمَّ ما جرى من أحداث انتهت بفتح مكَّة وانهيار المركز الأكبر لمقاومة الإسلام. ويقف عند سياسة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تجاه أهل مكَّة بعد الفتح، وما تجلَّى فيها من الجمع بين القدرة والعفو، ثمَّ يتناول غزوة حنين وما وقع في بدايتها من اضطراب قبل أن يثبت المسلمون وينتصروا، وتوزيع الغنائم، وعودة وفد هوازن، وحصار الطَّائف.
وتكشف غزوة تبوك في معالجة الغزالي جانبًا آخر من بناء الجماعة، إذ يتحدَّث عن الدَّعوة إلى البذل في ظروف العسرة، ومشقَّة الطَّريق، وثبات المؤمنين، ومواقف المنافقين والمتخلِّفين، وما أعقب الغزوة من محاسبة وتمحيص. ويصل الحديث بعدها إلى مسجد الضِّرار ووفود القبائل وانتشار الإسلام في الجزيرة، بما يعكس انتقال الدَّولة من مرحلة مواجهة الأخطار المباشرة إلى مرحلة رسوخ سلطانها واتِّساع دائرة الدَّعوة.
ويفرد فصلًا لأمَّهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ، فيناقش زواج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وتعدُّد زوجاته، ويتناول زواجه بخديجة وعائشة وحفصة وأمِّ سلمة وسودة وزينب رضي الله عنهنَّ وغيرهنَّ. ويأتي هذا الفصل ضمن حرصه على مناقشة ما أُثير حول السِّيرة من اعتراضات، وربط الوقائع بظروفها ودلالاتها الاجتماعيَّة والتَّشريعيَّة، بدل عزلها عن سياق حياة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومسؤوليَّاته.
وتصل السِّيرة إلى اكتمال انتشار الإسلام في الجزيرة وحجَّة الوداع، حيث يصوِّر الغزالي التحوُّل الذي طرأ على المجتمع العربيَّ بعد زوال مظاهر الجاهليَّة وانتشار التَّوحيد وتعليم القرآن الكريم. ويتابع خروج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للحجِّ وما تضمَّنته حجَّته من تعليم للأمَّة وإعلان للمبادئ التي استقرَّ عليها المجتمع المسلم، ثمَّ نزول قوله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا»، وما صاحب تلك المرحلة من إشارات إلى قرب انتهاء حياة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويختم الكتاب بمرض النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم واشتداد شكواه ووصاياه وحرصه على أمَّته، ثمَّ وفاته وما أحدثه الخبر في المسلمين. ويجعل نهاية حياته امتدادًا للمعنى الذي أقام عليه الكتاب كلَّه: أنَّ الإسلام ارتباط برسالة ومبادئ باقية، وأنَّ حقيقة محبَّة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم تظهر في فهم ما جاء به والاقتداء بسيرته والعمل بتعاليمه. ومن هنا يجمع «فقه السِّيرة» بين التَّاريخ والتَّحليل والتَّوجيه؛ فيروي مسيرة الدَّعوة، ويفسِّر أحداثها، ويستخرج منها سننًا في تربية الأفراد وبناء المجتمعات ومواجهة الأزمات، مع استحضار واقع المسلمين الذي كان الغزالي يكتب وهو يريد الإسهام في إصلاحه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














