
نبذة عن الكتاب:
يلخِّص محمَّد بن صالح العثيمين في هذا الكتاب أهمَّ مباحث «الفتوى الحمويَّة» لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيميَّة، وهي الفتوى التي كتبها جوابًا عن سؤال في آيات الصِّفات وأحاديثها. ويصرِّح ابن عثيمين بأنَّ صعوبة الإحاطة بجواب ابن تيميَّة حملته على تلخيص المهمِّ منه، مع إضافة زيادات رأى الحاجة إليها. وجاء الكتاب في أبواب متتابعة تبدأ بأصل التَّلقِّي في الدِّين، ثمَّ تفصِّل منهج أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته، وتبحث عددًا من الصِّفات على جهة التَّفصيل، قبل الكلام على نشأة التَّعطيل ومناهج المخالفين، ثمَّ تختم بمباحث الإسلام والإيمان وزيادته ونقصه والاستثناء فيه.
يؤسِّس الكتاب بحثه بتقرير أنَّ الواجب على العبد اتِّباع ما قاله الله تعالى، وما جاء به رسوله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين والصَّحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان. ويجعل رسالة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مشتملةً على العلم النَّافع والعمل الصَّالح، ويضع العلم بأسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله في مقدِّمة العلم النَّافع. ويستدلُّ على أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بيَّن هذا الباب بيانًا ظاهرًا؛ لأنَّه من أصول الدِّين، ولأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم علَّم أمَّته ما تحتاج إليه في شؤونها، ولأنَّه أعلم الخلق بربِّه تعالى وأنصحهم للخلق وأبلغهم بيانًا. كما يستبعد أن يكون الصَّحابة رضي الله عنهم قد جهلوا الحقَّ في هذا الباب أو كتموه أو قالوا فيه بالباطل، وينتهي من ذلك إلى أنَّ ما قرَّروه في أسماء الله تعالى وصفاته تلقَّوه من طريق الرِّسالة.
يضبط ابن عثيمين طريقة أهل السُّنَّة والجماعة في الصِّفات بثلاثة أصول: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه مع إثبات كمال ضدِّه، والتَّوقُّف في الألفاظ التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، كالجسم والحيِّز والجهة، مع الاستفصال عن معانيها؛ فما تضمَّن معنىً باطلًا نُفي، وما تضمَّن معنىً صحيحًا قُبل من غير إقرار للَّفظ المحدث. ويفصِّل بعد ذلك معاني التَّحريف والتَّعطيل والتَّكييف والتَّمثيل والتَّشبيه والإلحاد، ويذكر صور كلِّ واحد منها والفروق بينها.
يردُّ الكتاب على العبارة المشهورة: «طريقة السَّلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم»، فيقرِّر أنَّ طريقة السَّلف أسلم وأعلم وأحكم، ويستدلُّ بموافقتها للكتاب والسُّنَّة، وبأنَّ السَّلف أقرب الأمَّة إلى لغة النُّصوص وعصر نزولها وأعرف بمقاصدها. كما يناقش الزَّعم بأنَّ السَّلف آمنوا بألفاظ نصوص الصِّفات من غير فهم معانيها، ويقرِّر أنَّهم أثبتوا المعاني التي تليق بالله تعالى مع امتناع التَّمثيل والتَّكييف. ويستشهد في نقد الطُّرق الكلاميَّة بما نُقل عن بعض أعلامها من الحيرة والرُّجوع إلى طريقة القرآن في الإثبات والنَّفي.
ويحرِّر معنى قول بعض المتأخِّرين إنَّ مذهب السَّلف إمرار نصوص الصِّفات مع اعتقاد أنَّ ظاهرها غير مراد. فلفظ «الظَّاهر» عنده يحتاج إلى تفصيل: إن أريد به ما تدلُّ عليه النُّصوص من صفات تليق بالله تعالى فهذا مراد، وإن أريد به مماثلة صفات المخلوقين فليس مرادًا ولا هو الظَّاهر الصَّحيح للنُّصوص. ويرفض كذلك دعوى اتِّفاق السَّلف والمؤوِّلة على أنَّ نصوص الصِّفات لا تدلُّ على صفات حقيقيَّة، ويستدلُّ بأقوال السَّلف وإنكارهم على المعطِّلة، وبالخصومة التي وقعت بينهم وبين المتأوِّلة في هذا الباب.
ويفسِّر الكلمات المأثورة عن السَّلف في الصِّفات، وفي مقدِّمتها قولهم: «أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف». فإمرارها كما جاءت عنده إثبات لما دلَّت عليه من المعاني، وقولهم «بلا كيف» نفي لتكييف تلك الصِّفات لا لمعانيها. ويتناول ما نُقل عن الإمام أحمد في الإيمان بأحاديث الصِّفات «لا كيف ولا معنى»، ويحمل المعنى المنفيَّ على المعاني التي ابتكرها المعطِّلة وصرفوا بها النُّصوص عن ظاهرها. كما يقرِّر أنَّ للصِّفات كيفيَّةً في نفسها، لكنَّها مجهولة للبشر؛ لأنَّ معرفة الكيفيَّة تكون بالمشاهدة أو مشاهدة النَّظير أو الخبر الصَّادق عنها، وهذه الطُّرق لا تتيح معرفة كيفيَّة صفات الله تعالى.
يفرد ابن عثيمين مساحةً واسعةً لصفة العلوِّ، فيقسِّمها إلى علوِّ الذَّات وعلوِّ الصِّفات، ويستدلُّ لعلوِّ الله تعالى على خلقه بالكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل والفطرة. ويجمع صور الدَّلالة النَّقليَّة في نصوص العلوِّ والفوقيَّة والاستواء على العرش، وصعود الأشياء وعروجها ورفعها إلى الله تعالى، ونزول الأشياء منه. ثمَّ يناقش الآيات التي قد يُتوهَّم منها خلاف ذلك، ومنها قوله تعالى: «وهو الله في السماوات وفي الأرض»، ويشرحها بما لا يناقض ما قرَّره في علوِّ الله تعالى. ويتَّصل بهذا باب «الجهة»، فلا يطلق اللَّفظ إثباتًا ولا نفيًا، بل يفصِّل في المعنى المراد منه، ويفسِّر ورود كون الله تعالى في السَّماء بمعنى العلوِّ أو بجعل «في» بمعنى «على».
ويشرح استواء الله تعالى على العرش بعد بيان استعمالات لفظ الاستواء في اللُّغة والقرآن، ويقرِّر أنَّ الاستواء المقيَّد بـ«على» يدلُّ على العلوِّ والاستقرار على الوجه اللَّائق بالله تعالى. ويجعل جواب الإمام مالك عن الاستواء قاعدةً عامَّةً في الصِّفات: معناها معلوم، وكيفيَّتها مجهولة، والإيمان بما أخبر الله تعالى به واجب، والسُّؤال عن الكيفيَّة محدث. ويناقش الألفاظ واللَّوازم التي يستعملها المخالفون في هذا الموضع، ومنها لفظ «الجسم»، فيعامله بوصفه لفظًا مجملًا يحتاج إلى بيان المراد، كما يردُّ تفسير الاستواء بالاستيلاء من جهة الدَّليل واللُّغة والسِّياق، ويذكر الشُّروط التي لا بدَّ منها لصرف اللَّفظ عن حقيقته إلى معنىً مجازيٍّ.
ويبحث المعيَّة بوصفها من الألفاظ التي يتغيَّر مقتضاها بحسب الإضافة والسِّياق، فلا يلزم من مطلقها الاختلاط والممازجة. ويقسِّم معيَّة الله تعالى إلى عامَّة تقتضي الإحاطة بالخلق علمًا وقدرةً وسلطانًا وتدبيرًا، وخاصَّة تقتضي مع ذلك النَّصر والتَّأييد والتَّثبيت. ثمَّ يجمع بين نصوص العلوِّ ونصوص المعيَّة، ويقدِّم لذلك قاعدةً في التَّعارض بين الأدلَّة القطعيَّة والظَّنيَّة؛ فالتَّعارض بين قطعيَّين ممتنع، وإذا كان الدَّليلان ظنِّيَّين طُلب التَّرجيح، وإذا كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنِّيًّا قُدِّم القطعيُّ.
ويثبت نزول الله تعالى إلى السَّماء الدُّنيا في الثُّلث الأخير من اللَّيل كما ورد في الحديث، ويعدُّه من الصِّفات الفعليَّة المتعلِّقة بمشيئته وحكمته، ويرفض تفسيره بنزول الأمر أو الرَّحمة أو مَلَك من الملائكة. كما يجمع بين النُّزول والعلوِّ بأنَّ النُّصوص أثبتتهما معًا، وأنَّ صفات الله تعالى لا تقاس على صفات المخلوقين حتى تُلزم بلوازم نزولهم.
ويخصِّص أبوابًا للوجه واليدين والعينين، فيثبتها على ما يليق بالله تعالى، ويورد أدلَّتها من الكتاب والسُّنَّة، ثمَّ يناقش تأويل الوجه بالثَّواب، واليد بالقوَّة أو النِّعمة، والعين بالعلم أو الرُّؤية. ويستدلُّ في اليدين بصيغة التَّثنية وما ورد في النُّصوص من القبض والأصابع ونحوها، ثمَّ يجمع في باب مستقلٍّ الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين من الإفراد والتَّثنية والجمع، ويشرح طريقة الجمع بين هذه الصِّيغ.
ويجعل كلام الله تعالى موضوعًا لباب مستقلٍّ، فيقرِّر أنَّ الله تعالى يتكلَّم حقيقةً متى شاء وكيف شاء، وأنَّ كلامه صفة ذات باعتبار جنسه وصفة فعل باعتبار آحاده، وأنَّه بحرف وصوت على الوجه اللَّائق به. ويعرض الأقوال المخالفة في حقيقة الكلام، ثمَّ يفرد فصلًا للقرآن، فيقرِّر أنَّه كلام الله تعالى منزَّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنَّ الله تعالى تكلَّم به حقيقةً وألقاه إلى جبريل عليه السَّلام فنزل به على قلب محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويؤرِّخ بعد ذلك لظهور مقالة التَّعطيل، فيذكر الجعد بن درهم ثمَّ انتقال مقالته إلى الجهم بن صفوان وانتشارها بعد ذلك، ويتتبَّع الأصول التي يربط بها الكتاب مناهج النُّفاة. ويشرح طريقتهم في إثبات الصِّفات ونفيها، وهي عنده تحكيم ما تقتضيه عقولهم؛ فيثبتون ما رأوا العقل مقتضيًا لإثباته، وينفون ما رأوه مقتضيًا لنفيه، ثمَّ يؤوِّل أكثرهم ما جاءت به النُّصوص فيما لم تقبله تلك المقدِّمات أو يفوِّضه بعضهم. ويردُّ بأنَّ العقل الصَّريح والنَّقل الصَّحيح لا يتعارضان، وأنَّ العقل قد يدلُّ على صفات الكمال إجمالًا، بينما تأتي النُّبوَّة بتفاصيل لا يستقلُّ العقل بإدراكها.
ويقرِّر أنَّ المعطِّل والممثِّل يجتمع في كلٍّ منهما نوع من التَّعطيل والتَّمثيل؛ فالمعطِّل بدأ بتوهُّم أنَّ إثبات الصِّفة يقتضي مماثلة المخلوق، ثمَّ نفاها، أمَّا الممثِّل فصرف النَّصَّ عن إثبات الصِّفة اللَّائقة بالله تعالى إلى صفة مماثلة للمخلوق، وعطَّل النُّصوص النَّافية للمماثلة. ويعقب ذلك بباب في تحذير السَّلف من علم الكلام، وينقل أقوالًا في ذمِّ الطُّرق الكلاميَّة وما تفضي إليه من الشُّبه والحيرة، ثمَّ يشرح سبب نقل ابن تيميَّة أقوال بعض المتكلِّمين، وهو إقامة الحجَّة على المنتسبين إليهم من كلام أئمَّتهم وقبول الحقِّ ممَّن جاء به، لا الموافقة على جميع أقوالهم.
ويقسِّم المنحرفين في باب الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر إلى أهل التَّخييل وأهل التَّأويل وأهل التَّجهيل. فأهل التَّخييل يجعلون ما أخبرت به الرُّسل في هذه الأبواب أمثالًا وتخييلات لمصلحة الجمهور، ويختلفون في علم الأنبياء بحقائقها. وأهل التَّأويل يقرُّون بأنَّ النُّصوص أُريد بها الإخبار عن الحقائق، لكنَّهم يصرفونها إلى معانٍ مخالفة لظاهرها. أمَّا أهل التَّجهيل فينسبون إلى الأنبياء وأتباعهم عدم العلم بمعاني هذه النُّصوص، ويجعلونها ألفاظًا لا يُعرف المراد منها.
ويصنِّف أهل القبلة في موقفهم من نصوص الصِّفات إلى ستِّ طوائف: طائفتين تجريانها على ظاهرها، إحداهما المشبِّهة والأخرى السَّلف الذين يثبتون ظاهرها اللَّائق بالله تعالى؛ وطائفتين تجريانها على خلاف ظاهرها؛ وطائفتين تتوقَّفان. ويفرِّق بين إثبات الصِّفة على الوجه اللَّائق بالله تعالى وبين تشبيهها بصفة المخلوق، كما يذكر من توقف في تعيين المراد، ومن أعرض عن الخوض في المعاني واقتصر على قراءة النُّصوص. ثمَّ يسجِّل الألقاب التي أطلقتها طوائف مختلفة على أهل السُّنَّة، مثل «نواصب» و«مجبرة» و«شكاك» و«حشويَّة»، ويشرح منشأ كلِّ لقب في الخلاف بين تلك الطَّوائف وأهل السُّنَّة.
يختم ابن عثيمين أبواب الكتاب بمبحث الإسلام والإيمان؛ فيعرِّف الإسلام بالاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ويجعل الإيمان اعتقادًا وقولًا وعملًا يشمل اعتقاد القلب وقول اللِّسان وعمل القلب والجوارح. ويشرح اختلاف دلالة الإسلام والإيمان عند اجتماعهما وافتراقهما، ثمَّ يقرِّر زيادة الإيمان ونقصانه، ويناقش مخالفة المرجئة والوعيديَّة لهذا الأصل. ويعدُّ من أسباب زيادة الإيمان معرفة أسماء الله تعالى وصفاته، والنَّظر في آياته الكونيَّة والشَّرعيَّة، وفعل الطَّاعات، وترك المعاصي خوفًا منه تعالى، ويقابلها بأسباب النَّقص من الجهل والغفلة والمعصية وترك الطَّاعة.
وينتهي الكتاب بمسألة الاستثناء في الإيمان، أي قول المرء: «أنا مؤمن إن شاء الله». ويعرض فيها ثلاثة أقوال: المنع، والوجوب، والتَّفصيل. ويختار التَّفصيل بحسب المقصود؛ فإن صدر الاستثناء عن شكٍّ في أصل الإيمان رفضه، وإن كان خشية تزكية النَّفس والجزم بتحقيق كمال الإيمان جعله معتبرًا، وإن كان للتَّبرُّك بذكر المشيئة أو لبيان أنَّ ما حصل للعبد من الإيمان إنَّما هو بمشيئة الله تعالى أجازه. وتنتهي الرِّسالة بهذه المسألة دون إضافة خاتمة تلخِّص الأبواب السابقة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














