
نبذة عن الكتاب:
يُبَيِّن عبد الرحمن بن علي الحطاب في كتاب «فتح الجليل في التعليق على كتاب الإكليل» المآخذ الأصولية التي تُستنبط بها الأحكام من القرآن الكريم، من خلال التعليق على مقدمة جلال الدين السيوطي في كتابه «الإكليل في استنباط التنزيل» وما أورده في سورة البقرة. وأصل الكتاب دروس ألقاها المؤلف ثم جمعها وهذبها ونقحها، واقتصر فيها على المقدمة وسورة البقرة؛ لما اشتملت عليه المقدمة من الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام، ولما تحويه سورة البقرة من أصول الأحكام، مع تركيز خاص على بيان وجه الاستنباط وأصله الأصولي، لا على مجرد سرد الأحكام الفقهية.
ويمهد لذلك بمناقشة ما أورده السيوطي في العلوم المستنبطة من القرآن، ويتوقف عند القول باشتمال القرآن على جميع العلوم، ويميز بين مجرد ورود ذكر شيء له تعلق بعلم وبين اشتمال القرآن على تفاصيل ذلك العلم. ويعرض اختلاف العلماء في دلالة الآيات التي وصفت القرآن بأنه تبيان لكل شيء، ويرجح حمل هذا العموم على ما يحتاج إليه الناس من أمور الدين وما جاءت الشرائع ببيانه، من إصلاح النفوس والأخلاق والمجتمعات والحقوق وأصول الهداية.
ثم يناقش حصر آيات الأحكام في خمسمائة آية أو في عدد أقل، ويبين أن الاستنباط لا يقتصر على الآيات التي سيقت ابتداءً لبيان حكم فقهي، بل قد يستخرج الحكم من القصص والأمثال والمواعظ والمدح والذم والوعد والوعيد وسياق الكلام. ومن أمثلة ذلك استنباط بعض الأحكام من قصة آدم عليه السلام، ومن إقرار الله تعالى لما حُكي في القصص، ومن الأمثال القرآنية التي تكشف دلالاتها اللغوية أو سياقاتها عن حكم شرعي. ولهذا يميل إلى عدم انحصار أدلة الأحكام في عدد معين من الآيات.
ويفصل في معنى الاستنباط وطرقه، فيفرق بين الحكم المصرح به والحكم الذي يحتاج إلى استخراج من دلالة اللفظ، وبين ما يستنبط من آية واحدة وما يتوقف على ضم آية إلى أخرى. ويشرح دلالة الحصر، ودلالة الإضافة، ودلالة الغاية، ودلالة الإشارة، ودلالة التركيب، وغيرها من الطرق التي يتولد بها الحكم من نظم القرآن ولوازم معانيه. ويضرب لذلك أمثلة كاستنباط صحة صوم الجنب من إباحة المباشرة إلى طلوع الفجر، واستنباط أقل مدة الحمل من الجمع بين مدة الحمل والفصال ومدة الرضاع.
ويجعل مقدمة السيوطي مدخلًا مفصلًا لمعرفة الأساليب التي تدل على الأحكام التكليفية الخمسة: الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة. فيشرح دلالة صيغ الأمر على طلب الفعل، وصيغة النهي على طلب الترك، وما يعرض لهما من الصوارف التي تنقل الأمر من الوجوب إلى الندب أو الإباحة، والنهي من التحريم إلى الكراهة. ولا يقصر الدلالة على صريح الأمر والنهي، بل يبين أن القرآن يعبر عن الحكم بأساليب خبرية كثيرة لا تقل أهمية في الاستنباط.
ويستقصي الألفاظ التي يُعْرَف بها الحكم من الخبر عن تشريع الله تعالى نفسه؛ فمن علامات الوجوب ألفاظ الفرض والكتب والأمر والقضاء والوصية والحق وما دل على اللزوم، ومن علامات الندب التطوع والنافلة ونحوهما، ومن دلائل التحريم التصريح بالتحريم والنهي ونفي الحل، ومن أساليب الإباحة التصريح بالحل ونفي الحرمة والحرج والجناح والإثم والسبيل. وينبه إلى أن بعض الألفاظ قد يشترك بين أكثر من حكم، فلا يستقل بتعيين درجته من غير النظر في السياق والقرائن.
ويتوسع في الأساليب غير الصريحة التي تكشف عن طلب الشارع للفعل أو الترك، فيجعل من دلائل مشروعية الفعل تعظيمه أو مدحه أو مدح فاعله، ومحبة الله تعالى له أو لفاعله، ورضاه به، ووصفه بالاستقامة أو البركة أو الطيب، وترتيب الثواب أو المغفرة أو الهداية أو القبول عليه. ويقابل ذلك بما يدل على المنع من ذم الفعل أو فاعله، أو ترتب الوعيد والعقوبة والخسران عليه، أو وصفه بالفساد والخبث ونحو ذلك. ويفرق في هذه الدلالات بين أصل طلب الفعل أو الترك وبين تعيين مرتبته من وجوب أو ندب أو تحريم أو كراهة.
ويشرح كذلك الخبر الذي يراد به الأمر أو النهي، حيث تكون العبارة في صورتها اللغوية خبرًا، لكن السياق يمنع حملها على مجرد الإخبار ويكشف عن معنى الإنشاء. ومن ذلك الإخبار بتربص المطلقات بأنفسهن، إذ ليس المراد وصف واقع لا يتخلف، وإنما إلزامهن بالتربص، وكذلك نفي الرفث والفسوق والجدال في الحج، الذي يفهم منه النهي عنها. ويستعين في تحرير هذه الأساليب بتقسيمات الأصوليين وقواعدهم في معرفة مراد الشارع من صيغ الخطاب.
وعند الانتقال إلى سورة البقرة يطبق هذه القواعد على استنباطات السيوطي تطبيقًا عمليًّا، فلا يكتفي بنقل الحكم المنسوب إلى آية، بل يبحث عن الطريق الذي أوصل إليه: أهو منطوق اللفظ، أم عمومه، أم مفهومه، أم سياقه، أم لازم معناه، أم ضم بعض النصوص إلى بعض، أم قاعدة أصولية أخرى. وبهذا تتصل مسائل السورة المتعلقة بالعبادات والمعاملات والأسرة وغيرها ببحث دلالي يفسر لماذا صح الاستدلال بالآية على الحكم المذكور، ويكشف المواضع التي تحتاج إلى تقييد أو تفصيل أو مناقشة.
وتظهر عناية الكتاب خصوصًا بتدريب القارئ على الانتقال من الحكم المستنبط إلى مأخذه؛ فليس المقصود معرفة أن آية ما استُدل بها على حكم فحسب، وإنما إدراك الصلة بين تركيبها اللغوي وقاعدتها الأصولية والنتيجة الفقهية المستخرجة منها. ومن هنا تتكرر العناية بالعموم والخصوص، والمفهوم والمنطوق، والحصر، والغاية، والإشارة، والسياق، والقرائن، ودلالات الألفاظ، وما يترتب على اختلاف المأخذ من اختلاف الفقهاء في الحكم المستنبط.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














