
نبذة عن الكتاب:
يَحوِّل عبد الكريم بن علي النملة في كتاب «المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن» مسائلَ الأصول من قضايا متفرقة في كتب المذاهب إلى دراسة مقارنة تُصوَّر فيها المسألة أولًا، ويُحدَّد موضع النزاع فيها، ثم تُعرض الأقوال وأدلتها واعتراضاتها وأجوبتها، ويُبيَّن الراجح ونوع الخلاف وما يترتب عليه من آثار فقهية. وقد قصد إلى معالجة ما يصعّب هذا العلم على الطلاب من اختصار العبارة وقلة التطبيقات، فجمع مسائله، وهذَّب مادتها ورتبها، ورجع إلى كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وجعل من أمثلته الفقهية وسيلةً لكشف أثر القاعدة الأصولية في الحكم العملي، لا مجرد شواهد على التعريفات.
ويَلتزم في معالجة المسألة نسقًا مقارنًا واضحًا؛ فيبدأ بالمذهب الراجح لديه ودليله، ثم يورد ما وُجِّه إلى أدلته من اعتراضات ويجيب عنها، ثم ينتقل إلى بقية المذاهب وأدلتها ومناقشتها. وبعد الفراغ من الأقوال يَفحص حقيقة النزاع: أهو لفظي لا يثمر اختلافًا في الحكم، أم معنوي تتفرع عليه مسائل فقهية؟ وإذا اختلف العلماء أنفسهم في وصف الخلاف رجّح بين القولين. كما يعتني بضبط المصطلح لغةً واصطلاحًا، والتحقق من نسبة الآراء إلى أصحابها، وترتيب طرق الاستدلال، مع تقديم ما ثبت بإجماع الصحابة رضي الله عنهم أو النصوص الشرعية، ثم الانتقال إلى سائر الأدلة بحسب قوتها.
ويَمهِّد لدراسة الأصول بتعريف العلم نفسه والفقه والأصل، والفرق بين أصول الفقه والفقه والقواعد الفقهية، وموضوع العلم وفوائده ومصادر استمداده ونشأته وطرائق التأليف فيه. ويختار في تعريف أصول الفقه أنه معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد؛ فيدخل في ذلك البحث في حجية الأدلة الكلية وأحوالها، وكيف تنتقل القواعد العامة إلى الأحكام الجزئية، وما يحتاج إليه المجتهد ليستثمر الدليل. ويفرق بين عمل الأصولي الذي يحرر القاعدة الكلية، كدلالة الأمر على الوجوب، وعمل الفقيه الذي يُنزِّلها على دليل تفصيلي ليستخرج حكم الواقعة.
ويُميِّز القواعد الأصولية عن القواعد الفقهية؛ فالأولى تضبط طرائق استخراج الحكم من الأدلة وتتناول أنواعًا من الأدلة التفصيلية تحت قاعدة كلية، أما الثانية فتجمع فروعًا فقهية متشابهة تحت معنى أو ضابط جامع. كما يجعل القواعد الأصولية سابقةً من جهة الاستنباط على الفروع التي تُستخرج بها، في حين تُصاغ القواعد الفقهية بعد ملاحظة طوائف من الفروع وأحكامها.
ثم يُفصِّل الحكم الشرعي والتكليف، فيعرّف الحكم بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ويقسمه إلى تكليفي ووضعي. ويعرض في الحكم التكليفي الوجوب والندب والإباحة والتحريم والكراهة، مع مناقشة اختلاف الأصوليين والحنفية في بعض التقسيمات والاصطلاحات وآثار ذلك، ثم يبحث حقيقة التكليف وشروطه وما يتصل بالمكلف والفعل المكلف به. أما الحكم الوضعي فيتناول السبب والشرط والمانع والصحة والفساد والرخصة والعزيمة، مع بيان الفروق بين خطاب التكليف الذي يتضمن طلب الفعل أو الترك أو التخيير، وخطاب الوضع الذي يجعل أمرًا علامةً على ثبوت حكم أو انتفائه.
ويَجمع أدلة الأحكام الشرعية في المتفق عليها إجمالًا والمختلف فيها، فيتناول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما يتصل بكل واحد منها من مسائل الحجية والثبوت والدلالة. ويبحث القرآن من جهة حجيته وقراءاته وما يتصل بالمحكم والمتشابه والحقيقة والمجاز والاشتراك، كما يعالج السنة من جهة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، والأخبار المتواترة والآحاد، وشروط الرواة ومراتب الأخبار وما يترتب على التعارض بينها. ويعرض الإجماع من حيث تعريفه وإمكانه وحجيته وأهله وأنواعه وما يثبت به، ثم يؤخر التفصيل الكامل للقياس إلى ما بعد مباحث دلالات الألفاظ؛ لأن فهم النصوص وطرق دلالتها سابق في النظر على إلحاق الفروع بالأصول.
ولا يقصر الاستدلال على الأصول الأربعة، بل يُفرد للأدلة المختلف فيها معالجة مقارنة تشمل الاستصحاب، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله عنه، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والعرف، والاستقراء. وفي كل دليل يحرر حقيقته وصوره، ثم ينقل مذاهب العلماء في حجيته، ويوازن أدلتهم، ويبحث أثر النزاع في الفروع.
ويُوضِّح هذا المنهج التطبيقي في الاستصحاب؛ فيعرّفه بإبقاء ما ثبت أو نُفي على حاله حتى يقوم دليل يغيره، ثم يفرق بين أنواعه، ومنها استصحاب البراءة الأصلية. ولا تظل المسألة عند تعريف الدليل، بل تتصل مباشرةً بمواضع استعماله وبالشروط التي تمنع تحويل الاستصحاب إلى بديل عن البحث عن النصوص والأدلة الناقلة.
وفي المصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف يَظهر أثر المقارنة الفقهية بجلاء؛ فيتتبع مدى استعمال المذاهب للمصلحة، ويبين أن الخلاف كثيرًا ما يكون في مقدار التوسع في اعتبارها وشروط ذلك، ثم يعرض سد الذرائع باعتباره منع الوسائل المباحة التي تفضي غالبًا إلى مفسدة أرجح، ويناقش حجية هذا الأصل وآثاره العملية. كما يبحث العرف وحجيته، ثم يربط الاختلاف فيه بفروع مثل بيع المعاطاة وأجرة الصانع وغيرهما، فيتحول الخلاف في «دليل» أصولي إلى سبب مباشر لفهم اختلاف الأحكام الفقهية.
ويَجعل مباحث الألفاظ من أوسع أبواب الكتاب؛ لأنها الأداة التي تُفهم بها نصوص الكتاب والسنة. فيبدأ باللغة وعلاقتها بالمعنى، وأصل وضعها، وجريان القياس فيها، ثم يبحث الدلالة وتقسيم الألفاظ، والاشتقاق والاشتراك والترادف والتأكيد والتابع، والحقيقة والمجاز، وما يعرض للفهم من تعارض، ثم النص والظاهر والمجمل، وحروف المعاني، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم.
ويُفصِّل في الحقيقة والمجاز والمشترك اللفظي لما يترتب عليها من اختلاف في فهم النص. فيعرّف الحقيقة باستعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، والمجاز باستعماله في غير ما وضع له مع القرينة، ويناقش الخلاف في وقوع المجاز في القرآن، كما يبحث الألفاظ المشتركة التي تحتمل معاني متعددة، مثل «القرء»، وما يترتب على تعيين أحد المعاني من اختلاف في الحكم.
ثم يعالج الأمر والنهي من حيث صِيَغهما ودلالاتهما وما يترتب عليهما من وجوب أو تحريم أو فساد، ويفحص العموم والخصوص والمخصصات، والمطلق والمقيد وأحوال حمل أحدهما على الآخر، ثم المنطوق والمفهوم وما يندرج تحتهما من طرق الدلالة. ولا يكتفي بتقرير القاعدة بصورتها المجردة، بل يربط الخلاف في مدلول الصيغة بالفروع التي اختلف فيها الفقهاء، حتى يتبين كيف يؤدي الاختلاف في أصل لغوي واحد إلى أحكام متعددة.
ويَفرد للقياس دراسة مستقلة تبدأ بحقيقته وحجيته وأقسامه، ثم تنتقل إلى أركانه: الأصل، والفرع، والعلة، وحكم الأصل. ويشرح لماذا لا يدخل حكم الفرع في أركان القياس؛ لأنه ثمرة العملية القياسية لا جزء من بنائها. ثم يبحث شروط كل ركن، وما إذا كان حكم الأصل معللًا وقابلًا للتعدية، وكيف تثبت العلة في الأصل ثم يُتحقق من وجودها في الفرع قبل إلحاقه به.
ويتوسع في العلة لأنها محور القياس، فيتناول شروطها ومسالك معرفتها وما يقدح فيها، وما يتصل بالمناسبة والطرد والدوران والسبر والتقسيم وتنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه، ثم يعالج الاعتراضات التي يمكن أن ترد على القياس وطريقة الجواب عنها. وهذه العناية لا تنفصل عن غرض الكتاب التطبيقي؛ إذ يُراد منها تمكين الطالب من تمييز القياس المستجمع لشروطه من الإلحاق الذي تشوبه علة فاسدة أو معارضة أقوى.
ثم يَنتقل إلى الاجتهاد بوصفه الآلة التي تتحول بها الأدلة والقواعد إلى أحكام؛ فيبحث حقيقته ومجالاته وشروط المجتهد وحكمه، وتجزؤ الاجتهاد، والاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده صلى الله عليه وسلم، وحكم الخطأ في الاجتهاد، ومسألة تصويب المجتهدين. ويشترط في المجتهد معرفة أدلة الشرع ومواضع الإجماع والخلاف، وأصول الفقه والقياس واللغة العربية وما يحتاج إليه في فهم النصوص، مع القدرة على ترتيب الأدلة وفك ما يبدو بينها من تعارض.
ويجيز تجزؤ الاجتهاد لمن أحاط بمسألة معينة وأدلتها وطرق النظر فيها، وإن لم يبلغ الدرجة نفسها في جميع أبواب الفقه؛ فالعبرة عنده بتوافر آلة الاجتهاد فيما يتصدى له المجتهد. كما يبين أن الاجتهاد قد يكون فرض عين أو فرض كفاية أو مندوبًا أو محرمًا بحسب حال الواقعة والمجتهد؛ ومن الاجتهاد المحرم أن يجتهد المرء في مقابلة نص أو إجماع قطعي، أو يتصدر للاستنباط وهو فاقد شروطه.
ويُقابل ذلك بأحكام التقليد، فيبحث من يجوز له التقليد، ومن لا يجوز، وتقليد الميت، وتقليد الأفضل، وانتقال العامي بين المفتين، وما يفعله عند اختلاف الفتاوى. ويحرص هنا أيضًا على بيان نوع الخلاف وآثاره؛ فلا يجعل اختلاف التعابير خلافًا حقيقيًا إذا اتفقت النتيجة العملية، ويُفرِّق بين النزاع الذي يمس الحكم والنزاع الذي لا يتجاوز الاصطلاح.
ويَنتهي إلى معالجة التعارض والجمع والترجيح، فيبدأ بتحديد حقيقة التعارض وشروط إمكانه، ثم يبحث أيهما يقدم عند ظهور التعارض: الجمع بين الدليلين أو الترجيح. ويجعل الجمع مرحلة مستقلة، لأن إعمال الدليلين معًا أولى من إهدار أحدهما متى أمكن الجمع على وجه صحيح، ثم ينتقل عند تعذر ذلك إلى وجوه الترجيح.
ويُفصِّل وجوه الترجيح بحسب نوع الدليل؛ فمنها ما يتعلق بالرواة وكثرتهم وضبطهم وصلتهم بالواقعة، ومنها ما يرجع إلى متن الخبر ودلالته، ومنها ما يتعلق بقوة الأصل الذي استند إليه القياس أو بقوة العلة ومناسبتها. ويقرر أن باب التعارض والترجيح جزء من «كيفية الاستفادة من الأدلة» نفسها؛ إذ لا يستطيع المجتهد استخراج الحكم من دليل ظني حتى يعرف ما يقابله، وهل يمكن الجمع بينهما، وأيهما أحق بالتقديم عند تعذر الجمع.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













