
نبذة عن الكتاب:
يستخلص منير محمَّد الغضبان في كتاب «المنهج الحركي للسِّيرة النَّبويَّة» الخطوات والمراحل التي تحرَّك بها النَّبيُّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم منذ البعثة إلى وفاته، ولا يقصد إلى سرد وقائع السِّيرة سردًا تاريخيًّا متتابعًا، بل يعيد تنظيم أحداثها بحسب المراحل التي مرَّت بها الدَّعوة، ويستنبط من كلِّ مرحلة سماتها ووسائلها وطبيعة الحركة فيها، ثمَّ يصل بين ذلك وبين عمل الحركة الإسلاميَّة المعاصرة. ويجعل السِّيرة التَّطبيق العمليَّ للإسلام والنَّموذج الذي يرجع إليه في فهم انتقال الدَّعوة من طورٍ إلى طور، مع تأكيده أنَّ الاقتداء لا يعني التقيُّد بالمدد الزَّمنيَّة التي استغرقتها المراحل في عهد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ ما يستخلصه من سماتٍ وأحكامٍ حركيَّة يقوم على الاجتهاد في قراءة أحداث السِّيرة وربط بعضها ببعض.
ويقسِّم الغضبان المنهج الحركيَّ إلى خمس مراحل كبرى: سِرِّيَّة الدَّعوة وسِرِّيَّة التَّنظيم، ثمَّ جهريَّة الدَّعوة مع سِرِّيَّة التَّنظيم، ثمَّ إقامة الدَّولة، ثمَّ الدَّولة وتثبيت دعائمها، ثمَّ انتشار الدَّعوة في الأرض. ويحدِّد لكلِّ مرحلة بدايتها ونهايتها، ثمَّ يدرس أحداثها لا بوصفها حوادث منفصلة، بل باعتبارها شواهد تكشف خصائص المرحلة وطريقة العمل الملائمة لها. ويؤكِّد أنَّ اختلاف المراحل يستلزم اختلاف الوسائل، وأنَّ نقل أسلوبٍ خاصٍّ بمرحلة إلى مرحلةٍ أخرى من غير مراعاة واقعها قد يفضي إلى اضطراب فهم السِّيرة ومنهج الحركة فيها.
ويجعل المرحلة الأولى مرحلة سِرِّيَّة الدَّعوة وسِرِّيَّة التَّنظيم، الممتدَّة من البعثة إلى الأمر بالجهر، ويستخرج منها جملةً من السِّمات، فيتتبَّع سِرِّيَّة الدَّعوة، وقيامها على الاصطفاء الشَّخصيِّ للمدعوِّين، والاستفادة من ثقافة الدَّاعية وخُلُقه ومركزه الاجتماعيِّ في الوصول إلى النَّاس، مع بقاء الدَّعوة في حقيقتها عامَّةً غير مقصورةٍ على طبقةٍ أو قبيلة. ويستدلُّ بتنوُّع السَّابقين إلى الإسلام بين الرِّجال والنِّساء، والأحرار والموالي، ومختلف بطون قريش، ويبرز دور المرأة في حفظ سِرِّيَّة المجتمع المسلم النَّاشئ والمشاركة في تكوينه، كما يتناول حضور الصَّلاة منذ البدايات الأولى، ومعرفة قريش بوجود الدَّعوة من غير أن تتحوَّل هذه المعرفة في أول الأمر إلى مواجهةٍ شاملة.
ويربط انتهاء هذه المرحلة بتكوين نواةٍ إيمانيَّة صلبة قادرةٍ على تحمُّل المحنة، لا بانقضاء مدَّةٍ زمنيَّة محدَّدة؛ فالعبرة عنده بالحصيلة العمليَّة للدَّعوة ومدى استعداد أفرادها للمواجهة والثَّبات. ويجعل بناء العقيدة محور التَّربية في هذا الطَّور، لأنَّها الأصل الذي تصدر عنه العبادة والسُّلوك والتَّضحية والثَّبات. ويفرِّق في تطبيق هذه المرحلة على الواقع المعاصر بين سِرِّيَّة الدَّعوة وسِرِّيَّة التَّنظيم؛ فالدَّعوة الإسلاميَّة قد ظهرت واكتملت وانتشرت أصولها، فلا معنى عنده لإعادتها إلى السِّرِّيَّة، أمَّا بعض الأعمال التَّنظيميَّة فقد تقتضي الكتمان بحسب الظُّروف والمهمَّات.
وينتقل إلى المرحلة الثَّانية، وهي جهريَّة الدَّعوة مع بقاء التَّنظيم سِرِّيًّا، ويبدأها بالأمر بإنذار العشيرة والجهر بالرِّسالة. ويجعل دعوة الأقربين من سماتها الأولى، لما للعشيرة من أثرٍ في الحماية والمنعة في المجتمع المكِّي، ثمَّ يتناول الانتقال إلى الإعلان العامِّ، مع استمرار الإعراض عن المشركين والصَّبر على أذاهم واجتناب المواجهة المسلَّحة. ويميِّز بذلك بين وضوح البلاغ وقوَّته من جهة، وبين الامتناع عن الصِّدام المادِّي من جهةٍ أخرى؛ فلا يعني الإعراض إخفاء حقيقة الدَّعوة أو تمييع أصولها، وإنَّما يعني استمرار البلاغ مع ضبط ردِّ الفعل تجاه الأذى.
ويحدِّد في هذه المرحلة المحاور العقديَّة الكبرى للدَّعوة في توحيد الله عزَّ وجل، والإيمان برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والإيمان باليوم الآخر، ويبرز عالميَّة الرِّسالة وتجاوزها الفوارق القبليَّة والعرقيَّة والاجتماعيَّة. ويتتبَّع في الوقت نفسه بقاء التَّنظيم بعيدًا عن أعين قريش، مستدلًّا بدار الأرقم وموقعها في اجتماع المسلمين وتربيتهم، ثمَّ يدرس وسائل قريش في مقاومة الدَّعوة من السُّخرية والتَّشويه والتَّعذيب والمساومات والحصار، وكيف واجه المجتمع المسلم ذلك بالصَّبر والتَّربية والتَّماسك والهجرة عند الحاجة.
ويفصِّل في أثر الهجرة إلى الحبشة بوصفها وسيلةً لحماية قسمٍ من المسلمين وإيجاد موضعٍ آمن لهم، ويتناول اختيار النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للحبشة وما ارتبط بعدل النَّجاشي بها، كما يتتبَّع المواجهة الإعلاميَّة والسِّياسيَّة التي حاولت قريش من خلالها استرداد المهاجرين، وموقف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في عرض حقيقة الإسلام أمام النَّجاشي. ويعرض كذلك الحصار في الشِّعب، وثبات المسلمين، ومواقف الحماية والنُّصرة، وصولًا إلى عام الحزن وما ترتَّب على اشتداد الحصار المكِّي للدَّعوة.
ويجعل المرحلة الثَّالثة مرحلة إقامة الدَّولة، وتبدأ عنده بالخروج من الإطار المكِّي والبحث عن منعةٍ جديدة تحمل الدَّعوة وتحميها. فيتتبَّع خروج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الطَّائف، ثمَّ طلب الحماية والمنعة من القبائل، ورفض المساومات التي لا تحفظ استقلال الدَّعوة، وتوجيه الأنظار إلى قاعدةٍ جديدة يمكن أن تنطلق منها. ويعالج اتصال النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأهل يثرب، والبيعة الأولى وما تضمَّنته من قيمٍ إيمانيَّة وأخلاقيَّة، ثمَّ تطوُّر العلاقة إلى بيعة العقبة التي اكتسبت عنده معنىً سياسيًّا وتنظيميًّا يتجاوز مجرَّد الإيمان الفرديِّ إلى الاستعداد لحماية الرِّسالة وإقامة مجتمعها.
ويتتبَّع في هذه المرحلة التَّهيئة لقيام الدَّولة، واختيار النُّقباء، وتحديد القيادة لطبيعة المواجهة وموعد الانتقال، ثمَّ الهجرة إلى المدينة وما صاحبها من سِرِّيَّةٍ وتخطيطٍ دقيق وتوزيعٍ للأدوار واتخاذٍ للأسباب. ويبرز التَّكامل بين التَّوكُّل على الله تعالى وبين التَّخطيط البشريِّ في الهجرة، من اختيار الرَّفيق والطَّريق والدَّليل ووسائل نقل الأخبار والطَّعام وإخفاء الأثر، وينتهي بهذه المرحلة إلى وصول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى القاعدة الجديدة وظهور الدَّولة الإسلاميَّة من غير أن تكون عملية إقامتها قائمةً ابتداءً على إراقة الدِّماء.
ويعالج في العهد المدنيِّ مرحلة تثبيت الدَّولة وبناء دعائمها، فيبدأ بتنظيم العلاقات داخل المجتمع الجديد ومع القوى المحيطة به. ويتناول صحيفة المدينة وما تضمَّنته من تنظيم علاقة المهاجرين والأنصار واليهود وغيرهم، وتحديد الحقوق والواجبات والمسؤوليَّة المشتركة عن حماية المدينة، كما يتتبَّع المعاهدات ومواثيق عدم الاعتداء مع بعض القبائل، ويجعل ذلك جزءًا من سياسة حصر المواجهة وتقليل الجبهات المفتوحة أمام الدَّولة النَّاشئة.
ويربط تثبيت الدَّولة ببناء القاعدة الإسلاميَّة من داخلها، فيعرض المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وما أدَّته من دمج الجماعات المختلفة في مجتمعٍ واحد، ويبحث تنظيم الصَّفِّ المسلم، وعلاقة القيادة بالقاعدة، والتَّربية على الطَّاعة والانضباط والتَّضحية. ثمَّ يتتبَّع تطوُّر المواجهة مع قريش من السَّرايا إلى بدر وأحد والخندق، ويقرأ هذه الوقائع من زاوية آثارها في بناء الدَّولة واختبار تماسكها، وطريقة تعامل القيادة مع النَّصر والهزيمة، ومع الأخطاء الفرديَّة والجماعيَّة، ومع تبدُّل موازين القوى.
ويتناول كذلك علاقة الدَّولة باليهود والمنافقين، ويعرض تطوُّر المواقف مع بني قينقاع وبني النَّضير وبني قريظة في ضوء ما ينقله من وقائع العهود والصِّراع، كما يدرس ظاهرة النِّفاق باعتبارها مشكلةً داخليَّةً ظهرت بعد قيام الدَّولة واتِّساع سلطانها. ويعالج طرائق التَّعامل مع التَّخذيل وإثارة الفتن ومحاولات شقِّ الصَّف، مع المحافظة على تماسك المجتمع المسلم ومراعاة الآثار المترتِّبة على القرارات السِّياسيَّة والأمنيَّة.
ويجعل صلح الحديبية منعطفًا في انتقال الدَّعوة إلى مرحلةٍ أوسع؛ إذ أتاح الاستقرار النِّسبيُّ للدَّولة وتوقُّف الحرب المباشرة مع قريش مجالًا لامتداد الدَّعوة خارج نطاقها السَّابق. ويتتبَّع ما كشفه الصُّلح من التزام القيادة بالشُّروط والعهود، والنَّظر إلى النتائج البعيدة التي قد لا تظهر في لحظة إبرام الاتفاق، كما يعرض ما أعقبه من اتِّساع الدَّعوة ودخول أعدادٍ جديدة في الإسلام وتغيُّر ميزان القوى في الجزيرة.
ويتابع في المرحلة الأخيرة انتشار الدَّعوة في الأرض، وما ارتبط بذلك من توجيه الرَّسائل إلى الملوك والحكَّام، واتِّساع دائرة الاتِّصال السِّياسيِّ والدَّعويِّ، ثمَّ فتح خيبر وفتح مكَّة وما تلاه من حنين والطَّائف وتبوك والوفود. ويقرأ فتح مكَّة في ضوء التَّخطيط والسِّرِّيَّة وحشد القوَّة والحرص على تقليل المواجهة، ويتتبَّع بعده تحوُّل ميزان القوى تحوُّلًا واسعًا ودخول القبائل في الإسلام، وما استلزمه ذلك من تعليم الداخلين الجدد وتثبيتهم وربط أطراف الجزيرة بالمركز.
ويفرد عنايةً لاتِّساع المجتمع المسلم وما صاحبه من عودة نشاط المنافقين في بعض الوقائع، ولا سيَّما في تبوك، فيتناول التَّخذيل والتَّخلُّف ومحاولات إحداث الفرقة ومسجد الضِّرار، كما يعرض موقف المجتمع من الثَّلاثة الذين تخلَّفوا عن تبوك رضي الله عنهم، وما كشفته قصَّتهم من الانضباط والتزام الصَّفِّ بقرار القيادة مع بقاء الرَّابطة الإيمانيَّة والعاطفة بين أفراده. ويصل بذلك إلى أهمِّيَّة التَّربية والسِّياسة الدَّاخليَّة في مجتمعٍ اتَّسعت قاعدته ولم يعد أفراده جميعًا على مستوى السَّابقين الأوَّلين.
ويتتبَّع إنهاء الوجود الوثنيِّ في الجزيرة من خلال إعلان سورة براءة في موسم الحج، ويميِّز بين اكتمال سلطان الدَّولة وبين التَّدرُّج في تطبيق بعض الأحكام المتعلِّقة بالمجتمع وموروثاته. ويبرز الوفاء بالعهود إلى آجالها، وإمهال من لا عهد له، وإتاحة سماع الدَّعوة والتَّعرُّف إليها، ويجعل ذلك شاهدًا على أنَّ الانتقال من واقعٍ إلى آخر لا يجري عنده بمجرَّد صدور القرار، بل يرتبط بالتَّربية والتَّهيئة والتَّدرُّج مع المحافظة على وضوح الغاية.
ويصل في أواخر السِّيرة إلى حجَّة الوداع وما اجتمع فيها من المسلمين، وما قرَّره النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من حرمة الدِّماء والأموال، وإبطال ربا الجاهليَّة ودمائها، وحقوق النِّساء، والأخوَّة بين المسلمين، والاعتصام بالوحي. ثمَّ يتناول مرض النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ووفاته، وموقف الصَّحابة رضي الله عنهم من هذه المحنة، ويبرز موقف أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في الفصل بين ثبات المبدأ وبقاء الرِّسالة وبين وفاة قائدها، ثمَّ اجتماع السَّقيفة وسرعة حسم مسألة القيادة، بوصف ذلك مظهرًا لقوَّة الصَّفِّ وتماسكه وقدرته على مواصلة المسيرة بعد وفاة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويفرِّق الغضبان في مجموع دراسته بين السِّمات المرحليَّة التي ترتبط بظروفٍ معيَّنة، والسِّمات المستمرَّة التي يتكرَّر حضورها في أكثر من مرحلة فتغدو من أصول خطِّ السَّير. كما يفرِّق بين الاقتداء بمنهج السِّيرة وبين افتراض تطابق واقع الحركات الإسلاميَّة المعاصرة مع الواقع النَّبويِّ في الأشخاص والظُّروف والتَّفاصيل؛ فالمقصود عنده معرفة طبيعة المرحلة واختيار ما يناسبها من الوسائل، مع إبقاء استنتاجاته الحركيَّة في دائرة الاجتهاد الذي يحتمل الصَّواب والخطأ.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














