
نبذة عن الكتاب:
يناقش عماد الدِّين خليل في كتاب «المستشرقون والسِّيرة النَّبويَّة» مناهج المستشرقين في دراسة سيرة النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، مركِّزًا على الأصول المنهجيَّة التي تنطلق منها قراءاتهم أكثر من تتبُّع أخطائهم في الجزئيَّات، ثمَّ يتَّخذ كتاب «محمد في مكَّة» للمستشرق مونتغمري وات نموذجًا تطبيقيًّا لاختبار هذه المناهج. وينطلق من أنَّ السِّيرة ليست واقعةً تاريخيَّةً منفصلةً عن العقيدة، بل تتداخل فيها النُّبوَّة والوحي والغيب مع الحركة التَّاريخيَّة، ولذلك يجعل الفهم الجادَّ لها قائمًا على احترام مصدر الرِّسالة الغيبيِّ، والتزام الموضوعيَّة والتَّجرُّد من الأحكام المسبقة، ثمَّ امتلاك أدوات البحث التَّاريخيِّ من جمع المادَّة والمقارنة والنَّقد والتَّركيب.
يتتبَّع المؤلِّف تطوُّر الموقف الغربيِّ من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسيرته، فيبدأ بالكتابات ذات المنطلق الدِّينيِّ المتعصِّب التي قامت على الخصومة والصِّراع بين النَّصرانيَّة والإسلام، ويورد نماذج من الاتِّهامات التي وجَّهها عدد من الكُتَّاب الغربيِّين إلى الإسلام والنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويربط استمرار جانب من هذه الصُّورة في الدِّراسات الحديثة بالموروث المتولِّد عن الصِّراع الدِّينيِّ والحروب الصَّليبيَّة. ثمَّ ينتقل إلى ظهور أجيال من المستشرقين الذين تجاوزت كتاباتهم لغة السَّبِّ المباشر، مع بقاء مؤثِّرات منهجيَّة وفكريَّة حالت، في تقديره، دون تقديم صورةٍ منصفةٍ متكاملةٍ للسِّيرة.
ويحدِّد المؤلِّف 3 ثغرات رئيسة في المناهج الاستشراقيَّة للسِّيرة؛ أوَّلها المبالغة في الشَّكِّ والافتراض والنَّفي، مع ردِّ بعض الأخبار المشهورة والتَّشبُّث أحيانًا بالرِّوايات الضَّعيفة أو الشَّاذَّة إذا وافقت التَّفسير المقترح. ويناقش في هذا السِّياق طريقة بعض المستشرقين في التَّعامل مع القرآن الكريم بوصفه مصدرًا للسِّيرة، ولا سيَّما نفي بعض الوقائع لعدم ورودها فيه، ويعرض أمثلةً من مواقف شبرنجر وإسرائيل ولفنسون وبروكلمان وغيرهم، كما ينقل انتقادات عدد من الباحثين والمستشرقين أنفسهم لهذا الإفراط في الشَّكِّ.
ويجعل الثَّغرة الثَّانية في إسقاط الرُّؤية الوضعيَّة والعلمانيَّة والظُّروف الفكريَّة الحديثة على وقائع السِّيرة، بحيث تُفسَّر شخصيَّات القرن النَّبويِّ وأحداثه بمقولات بيئاتٍ وعصورٍ مغايرة. ويعرض نقد آتيين دينيه لهذا المسلك، ويناقش بناء الباحث فكرةً مسبقةً ثمَّ انتقاء الأخبار التي تؤيِّدها، كما يتناول التَّفسير الذي يجعل حركة الدَّعوة خاضعةً للظُّروف الآنيَّة وحدها، ومن ذلك القول بأنَّ عالميَّة الإسلام لم تكن مقصودةً منذ البداية، أو أنَّ انتقال المسلمين إلى القوَّة في المدينة كان مجرَّد استجابةٍ لما أتاحته الظُّروف. ويقابل ذلك بالنَّظر إلى السِّيرة بوصفها حركةً مترابطةً ذات غايةٍ كلِّيَّة، مع الاستشهاد بمواقف لمستشرقين خالفوا بعض هذه التَّفسيرات، ومنهم توماس أرنولد.
ويعرض الثَّغرة الثَّالثة المتمثِّلة في ردِّ معطيات الإسلام والسِّيرة إلى أصولٍ يهوديَّةٍ أو نصرانيَّة، ويربط ذلك بتأثير الخلفيَّة الدِّينيَّة لبعض المستشرقين في تفسير ظاهرة النُّبوَّة وتعاليم الإسلام. وينقل في هذا الباب مناقشات جواد علي وطيباوي وغيرهما، ثمَّ يورد نماذج من كتابات بروكلمان وفلهاوزن ومرغوليوث ونولدكه في تفسير علاقة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم باليهود والمشركين، مبيِّنًا ما يعدُّه أثرًا للتَّعاطف مع القوى المناوئة للدَّعوة في صياغة بعض الأحكام التَّاريخيَّة.
ويتناول بعد ذلك ظهور التَّفسير المادِّيِّ للتَّاريخ في الدِّراسات المتعلِّقة بالسِّيرة، وما ترتَّب عليه من محاولات تفسير الدَّعوة والنُّبوَّة والحركة الإسلاميَّة من خلال البنية الاقتصاديَّة والصِّراع الاجتماعيِّ والعلاقات المادِّيَّة. ويعرض صورًا من اختلاف أصحاب هذا الاتِّجاه أنفسهم في تفسير المجتمع المكِّيِّ والمدينة والدَّعوة الإسلاميَّة، ويبيِّن أنَّ إخضاع الوقائع سلفًا لنظريَّةٍ شاملةٍ يقود إلى انتقاء عناصر منها وإهمال عناصر أخرى لكي تلائم القالب التَّفسيريَّ الموضوع مسبقًا.
ويفرِّق المؤلِّف، مع نقده العامِّ للاستشراق، بين درجات الباحثين الغربيِّين ومناهجهم، فلا يجعلهم جميعًا في مرتبةٍ واحدة، ويذكر دينيه ودرمنغهم وأرنولد ومونتغمري وات ضمن من وجَّهوا نقدًا إلى بعض الممارسات الاستشراقيَّة أو اقتربوا بدرجاتٍ متفاوتة من الموضوعيَّة. ويخصُّ مونتغمري وات باهتمامٍ أكبر؛ لأنَّه يقدِّمه باحثًا متمكِّنًا من أدوات البحث والمقارنة، يسعى إلى البدء من الوقائع بدل فرض مذهبٍ تاريخيٍّ مكتملٍ عليها، كما أعلن في مقدِّمة «محمد في مكَّة» حرصه على الحياد وعدم مصادمة معتقدات الإسلام الأساسيَّة.
ويختبر المؤلِّف هذا المنهج من خلال «محمد في مكَّة»، فيبدأ بالنَّزعة الشَّكِّيَّة والافتراض والنَّفي الكيفيِّ، ويتتبَّع تعامل وات مع أخبار حياة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل البعثة، وقصَّة بحيرى، وحادثة شقِّ الصَّدر، وعمر خديجة رضي الله عنها وإنجابها، وبداية الوحي، وعلاقة ورقة بن نوفل بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ويناقش خاصَّةً انتقال وات في بعض المواضع من التَّشكيك في الأخبار إلى بناء افتراضاتٍ بديلةٍ لا تستند، في نقد المؤلِّف، إلى دليلٍ تاريخيٍّ يكافئ درجة الجزم التي تُطرح بها.
ويتوسَّع في نقد تفسير وات لبداية الوحي وصلته بورقة بن نوفل، وما افترضه من إمكان استمرار العلاقة بينهما وتأثُّر بعض التَّعاليم الإسلاميَّة بأفكار ورقة، ويقابل هذه الفرضيَّات بالرِّوايات التي تصف نزول الوحي ولقاء ورقة ووفاته بعد ذلك. ومن خلال هذه النَّماذج يركِّز المؤلِّف على التَّفاوت بين التَّشدُّد النَّقديِّ في قبول بعض أخبار السِّيرة والتَّساهل في إنشاء فرضيَّاتٍ تفسيريَّةٍ بديلة.
وينتقل إلى الثَّغرة المنهجيَّة الأخرى في «محمد في مكَّة»، وهي إسقاط الرُّؤية العقليَّة المعاصرة على السِّيرة، فيناقش تفسير وات للأوضاع الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة في مكَّة، ولطبيعة التَّحوُّلات التي أحدثها الإسلام، ولدوافع المؤمنين والمعارضين ومواقف قريش. ويركِّز على المواضع التي يُفسَّر فيها الحدث الدِّينيُّ بمؤثِّراتٍ اقتصاديَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ ونفسيَّة، ويراجع مدى قدرة هذه التَّفسيرات على استيعاب الدَّافع العقديِّ الذي شكَّل محور الدَّعوة.
ويبرز في الوقت نفسه مواضع يعدُّ فيها وات أكثر تحرُّرًا من التَّفسير المادِّيِّ الصَّارم؛ إذ ينقل عنه تأكيده أنَّ المسلمين الأوائل اهتمُّوا بالعقيدة والشَّعائر اهتمامًا أصيلًا، وأنَّ الدَّعوة إلى الإسلام كانت في أساسها دينيَّة، وإن كانت لها آثار اجتماعيَّة وسياسيَّة واقتصاديَّة، وأنَّ الأسباب المادِّيَّة لا تنفي الأسباب الدِّينيَّة. كما يذكر رفض وات تفسير الفتوحات الإسلاميَّة بقحط الجزيرة العربيَّة وحده، وتشكيكه في وجود دليلٍ كافٍ على تدهورٍ مناخيٍّ يفسِّر حركة العرب خارجها، وبذلك يميِّز المؤلِّف بين هذه المواقف وبين التَّفسيرات المادِّيَّة الأكثر صرامة.
ويخلص عماد الدِّين خليل من دراسته التطبيقيَّة إلى أنَّ التَّفاوت بين المستشرقين حقيقيٌّ من حيث درجة التَّعصُّب والحياد والتمكُّن العلميِّ، وأنَّ مونتغمري وات يختلف بوضوح عن نماذج مثل لامانس وفلهاوزن، لكنَّه يبقى، في تحليل المؤلِّف، متأثِّرًا بجملةٍ من المشكلات المنهجيَّة، وفي مقدِّمتها الإفراط في النَّقد والشَّكِّ، وإقامة بعض الفرضيَّات غير المحقَّقة مقام الأخبار، وإسقاط مقولات العقل والبيئة الحديثة على وقائع السِّيرة. ولذلك يجعل الكتاب نقد المنهج مدخلًا إلى نقد النَّتائج، بدل استهلاك البحث في الرَّدِّ المنفرد على كلِّ جزئيَّةٍ من جزئيَّات الكتابة الاستشراقيَّة في السِّيرة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














