
نبذة عن الكتاب:
يَتتبَّع حمد بن حمدي الصاعدي في كتاب «المطلق والمقيد وأثرهما في اختلاف الفقهاء» إحدى أدق مسائل دلالات الألفاظ، وهي العلاقة بين النص الذي يَرِد الحكم فيه مطلقًا والنص الذي يَرِده مقيدًا، وما يترتب على ذلك من اختلاف في فهم الحكم الشرعي وتنزيله على الفروع. وقد اختار الموضوع لأن مباحث المطلق لم تنل عند كثير من الأصوليين من التفصيل ما نالته مباحث العام والخاص، مع كثرة النصوص التي تتوقف دلالتها على معرفة الإطلاق والتقييد، ولأن الخلاف في حمل المطلق على المقيد يتصل مباشرةً بأسباب اختلاف الفقهاء في طائفة واسعة من الأحكام.
ويُمهِّد للبحث بدراسة العام والخاص؛ لأن المطلق قريب من العام في بعض وجوه الدلالة، ولأن كثيرًا من الأصوليين أحالوا أحكام تقييد المطلق على ما قرروه في تخصيص العام. فيعرض حقيقة العام وألفاظه وقوة دلالته، ثم الخاص وصيغه، والفروق بين دلالة كل منهما، ويدخل في ذلك الأمر والنهي؛ ليضع الإطار الدلالي الذي يمكن من خلاله تحديد موقع المطلق والمقيد بين أقسام الألفاظ.
ثم يُحرِّر حقيقة المطلق، ويجمع بين اتجاهين مشهورين في تعريفه؛ أحدهما يجعله اللفظ الدال على شائع في جنسه، والآخر يجعله اللفظ الدال على الماهية من غير قيد، ثم يصوغ تعريفًا يجمعهما: اللفظ المتناول لواحد غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه. فدلالته بدلية، بمعنى أن مدلوله يتحقق بفرد واحد غير معين من الأفراد الصالحة له، كما في الأمر بإكرام رجل؛ إذ يصدق الامتثال بأي رجل من غير تعيين سابق، بخلاف العام الذي يتناول أفراده على جهة الشمول.
ويُعرِّف المقيد بالمقابلة مع المطلق؛ فمن جعل المطلق دالًا على شائع في جنسه جعل المقيد ما لا يدل على شائع في جنسه، ومن جعله دالًا على الماهية بلا قيد جعل المقيد دالًا على الماهية مع قيد من قيودها. ويُمثِّل لذلك باللفظ الذي يدل على مدلول المطلق مع صفة زائدة تحد من شيوعه. فإذا كان قوله تعالى في موضع: «رقبة» مطلقًا من جهة وصف الإيمان، فإن قوله: «رقبة مؤمنة» يضيّق دائرة الأفراد المجزئة بهذا الوصف، مع بقاء اللفظ مطلقًا من جهات أخرى لم يقيد بها؛ ولهذا يقرر أن الإطلاق والتقييد أمران نسبيان، فقد يكون اللفظ مقيدًا من جهة ومطلقًا من جهة أخرى.
ويَفصل بين المطلق والنكرة، لأن بعض الأصوليين والنحاة يقارب بينهما، ولا سيما النكرة في سياق الإثبات. ويعرض الخلاف في كون الفرق بينهما حقيقيًا أو اعتباريًا، ثم يربط ذلك بكيفية تصور الماهية والأفراد؛ فقد يلاحظ المعنى مجردًا عن القيود فيسمى مطلقًا، وقد يلاحظ متحدًا مع فرد غير معين فيسمى نكرة. كما يميز المطلق من العام بأن المطلق وإن صلح لأفراد كثيرة لا يتناولها دفعةً واحدة، بل يتحقق مدلوله بواحد منها على سبيل البدل، بينما العام موضوع لاستغراق أفراده بحسب مذهبه في العموم.
ويُناقش دلالة المطلق من جهة القطع والظن، فيذكر أن المطلق والمقيد من أقسام الخاص على القول الذي رجحه، إلا أن المطلق لما كان صالحًا لموارد غير محصورة ويتحقق مدلوله بواحد منها أشبه العام. ومن هنا يرى جمهور الأصوليين أن دلالته ظنية، بينما يجعلها الحنفية قطعية على نحو ما يقولونه في دلالة العام. ويقرر أن الأصل إبقاء المطلق على إطلاقه حتى يقوم دليل يوجب تقييده، كما يعمل بالمقيد مع قيده ما لم يدل دليل على أن ذلك القيد غير معتبر في الحكم.
ثم يَجعل حمل المطلق على المقيد محور الكتاب، فيبحث أولًا معنى «الحمل» نفسه وسبب اللجوء إليه، ثم شروطه، ثم الأحوال التي يرد فيها مطلق ومقيد بالنسبة إلى اتحاد الحكم والسبب أو اختلافهما. ويبين أن المقصود ليس مجرد وجود لفظ مطلق وآخر مقيد في نصين، بل بيان ما إذا كان المقيد صالحًا لتفسير المراد من المطلق بحيث يُعمل بالنصين معًا، أو أن كل واحد منهما يبقى على حكمه المستقل.
ويَعرض اختلاف الجمهور والحنفية في الأساس الذي يقوم عليه الحمل. فالجمهور يربطونه بالعرف اللغوي والشرعي وبإزالة التنافي الظاهر بين النصين عند اتحاد الحكم، ولذلك لا يشترطون دائمًا اتحاد السبب؛ فإذا اتحد الحكم أمكن عندهم حمل المطلق على المقيد وإن اختلف السبب في بعض الصور. أما الحنفية فينظرون إلى المسألة من باب تعارض الأدلة، فتدخل عندهم شروط التعارض وقوة الدليل وتاريخ وروده في تقرير إمكان الحمل وطبيعته.
ويُفصِّل أحوال المطلق والمقيد بحسب اتحاد الحكم والسبب واختلافهما؛ فإذا كان الإطلاق والتقييد في الحكم أمكن تصور 4 حالات: اتحاد الحكم والسبب، واختلافهما معًا، واختلاف الحكم مع اتحاد السبب، واتحاد الحكم مع اختلاف السبب. كما قد يقع الإطلاق والتقييد في سبب الحكم نفسه، فينشأ عن ذلك صور أخرى. ومن خلال هذا التقسيم يحدد مواضع الاتفاق في الحمل وعدم الحمل، ثم ينتقل إلى الصور التي وقع فيها الخلاف بين الأصوليين.
ومن أهم مواضع الخلاف عنده حالة اتحاد الحكم واختلاف السبب؛ فالجمهور يحملون المطلق على المقيد فيها بطريق القياس، بينما يمنع الحنفية ذلك. ويظهر الفرق نفسه إذا اتحد الحكم والحادثة وكان الإطلاق والتقييد واقعين في السبب، لأن الحنفية لا يجعلون الأسباب متزاحمة على النحو الذي يوجب حمل أحدها على الآخر. ويبين كذلك أن من شروط الحمل اتحاد الحكم المثبت، وأن يكون محل البحث من جنس ما يصح فيه هذا الجمع، وأن يكون الإطلاق والتقييد راجعين إلى الصفات مع ثبوت الذوات في الموضعين.
ويَبحث تعدد القيود إذا ورد على مطلق واحد أكثر من نص مقيد، ولا يمكن جمع القيود كلها عليه. ويقرر أنه إذا ورد مقيدان متنافيان على مطلق واحد نُظر في الأقيس منهما، فإن ظهر أحدهما أقوى في إلحاق المطلق به حُمل عليه، وإلا بقي المطلق على إطلاقه. ويدخل هذا في بيان أن الحمل ليس عملية آلية بمجرد العثور على قيد في نص آخر، بل يحتاج إلى معرفة العلاقة بين النصوص وأسباب الأحكام ومراتب الأدلة.
ثم يُحرِّر أثر التاريخ في المسألة، ولا سيما عند الحنفية، فيبحث ما إذا كان المقيد المتأخر ناسخًا للمطلق السابق أو مبينًا له. ويناقش الاستدلال بأن الجهل بالتاريخ يؤدي إلى التعارض، وأن معرفة المتأخر تقتضي جعله ناسخًا، فيجيب بأن مجرد وجود قدر من التنافي لا يقتضي النسخ ما دام الجمع ممكنًا؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ولأن التعارض الذي يوجب النسخ هو التعارض الذي يتعذر معه الجمع، لا مجرد اختلاف ظاهر النصين في الإطلاق والتقييد.
ويُبيِّن أن ثمرة هذا الخلاف تظهر في وصف الحمل نفسه؛ فهو عند الجمهور بيان للمطلق، أما عند الحنفية فقد يكون بيانًا إذا ورد النصان معًا أو جهل التاريخ، وقد يكون نسخًا إذا علم تأخر أحدهما وكانا متساويين في القوة، وقد يكون تقديمًا للمقيد في مواضع الاحتياط. ومن هنا يرتبط باب المطلق والمقيد عند الحنفية بمباحث النسخ والتعارض والترجيح أكثر من ارتباطه بها عند الجمهور.
ويرد جانب مهم من الخلاف إلى حجية مفهوم المخالفة؛ لأن القيد قد يُفهم منه انتفاء الحكم عما عداه عند من يحتج بالمفهوم، بينما لا يلزم ذلك عند من لا يحتج به. كما يربطه بالخلاف في الزيادة على النص؛ فإضافة وصف إلى حكم مطلق قد تُفهم عند فريق على أنها بيان لما كان مرادًا من الأصل، بينما يراها فريق آخر زيادةً تغير مقتضى النص الأول. ولهذا جعل هاتين المسألتين من الأسباب الرئيسة التي تفسر اختلاف الأصوليين في بعض صور حمل المطلق على المقيد.
ولا يترك هذه المناقشات في صورتها النظرية، بل يَربط كل قاعدة بما نشأ عنها من فروع فقهية، ثم يُفرد لذلك قسمًا خاصًا في مسائل الطهارة والصلاة، والحدود والكفارات، ومسائل أخرى متفرقة. ويعتمد في عرض الفروع على كتب كل مذهب، ثم يرد الاختلاف الفقهي إلى القاعدة الأصولية التي أنتجته، ليبين أن اختلاف الفقهاء في الحكم قد يكون مبنيًا على اختلاف أسبق في طريقة فهم العلاقة بين النص المطلق والنص المقيد، لا على اختلاف في أصل الاحتجاج بالنصوص.
ثم يَنتقل إلى «مقيدات المطلق»، فيبحث العلاقة بين ما يخصص العام وما يقيد المطلق، ويحرر معنى التقييد، ويفرق بينه وبين التخصيص والنسخ. فالتقييد يتعلق بتضييق الشيوع في مدلول المطلق بإضافة وصف أو قيد، بينما التخصيص يتعلق بإخراج بعض أفراد العام من حكمه، والنسخ يرفع حكمًا ثبت بدليل سابق على وجه لا يمكن معه الجمع. ولهذا يشدد على عدم الخلط بين حمل المطلق على المقيد وبين النسخ ما دام الجمع بين الدليلين ممكنًا.
ويُقسِّم المقيدات إلى متصلة ومنفصلة، ثم يدرس ما اتفق الأصوليون على صلاحه للتقييد وما اختلفوا فيه، مستفيدًا من الصلة الوثيقة بين هذا الباب ومخصصات العموم. وينتهي من مجموع البحث إلى أن المطلق يبقى على إطلاقه، والمقيد على قيده، حتى يوجد موجب معتبر للجمع بينهما، وأن تقرير هذا الموجب يختلف باختلاف تصور الأصوليين لدلالة المطلق، وحقيقة التعارض، ومفهوم المخالفة، والزيادة على النص، والنسخ، وهو ما يفسر انتقال الخلاف من دقائق الدلالة اللفظية إلى أحكام فقهية عملية متعددة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













