
نبذة عن الكتاب:
يُؤصِّل عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام في كتاب «الفوائد في اختصار المقاصد» النظرَ في مقاصد الشريعة من خلال قاعدتها الجامعة في جلب المصالح ودرء المفاسد، ثم يَبني عليها تفصيلًا واسعًا في مراتب المصالح والمفاسد، وأحكام الوسائل، والترجيح عند التزاحم، وأثر ذلك في العبادات والمعاملات والولايات والحقوق والأخلاق وأعمال القلوب. ويَنطلق من أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لإقامة مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدهما، فيُعرِّف المصلحة باللذة أو سببها والفرحة أو سببها، والمفسدة بالألم أو سببه والغم أو سببه، ثم يُقرِّر أن الشريعة لا تُهمل شيئًا من الخير أو الشر مهما دقَّ قدره.
ويَربط هذه القاعدة بمفهوم الإحسان؛ فالإحسان عنده يَرجع إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، ويشمل عبادة الله عز وجل، والإحسان إلى الخلق، والإحسان إلى النفس. ويَجعل أعلى إحسان العبادات أن يعبد العبد الله عز وجل على مقام المراقبة والمشاهدة القلبية، ثم يوسِّع دائرة الإحسان حتى تشمل الإنسان والحيوان، ويَستدل بأن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء. كما يَجعل الإحسان إلى الخلق واقعًا بجلب النفع أو دفع الضر أو الجمع بينهما، من غير فرق بين المنفعة العظيمة واليسيرة.
وفي مقابل ذلك يُعرِّف الإساءة بأنها جلب المفاسد أو تفويت المصالح، سواء تعلقت بالنفس أو بالغير، وبالدنيا أو بالآخرة. ويَفرِّق بين الإحسان الخاص والعام؛ فكلما اتسع النفع إلى جماعة كان أعظم من اقتصاره على فرد مع اتحاد نوع المصلحة، وكذلك تتفاوت الإساءة بحسب سعة ضررها. ومن هنا يَربط فضل التعليم والصدقة والإصلاح والإنقاذ وغيرها بعدد من تصل إليهم المصلحة ومقدار ما يتحقق لهم منها.
ويُقسِّم جلب المصالح ودرء المفاسد إلى ضروري وحاجي وتكميلي، ويَجعل الضروري الأخروي في الطاعات متعلقًا بفعل الواجبات وترك المحرمات، والحاجي متعلقًا بالسنن المؤكدة والشعائر الظاهرة، والتكميلي بما دون ذلك من المندوبات. وفي مصالح الدنيا يَجعل الضرورات فيما تقوم به الحياة من المآكل والمشارب والملابس والمناكح، ثم تليها الحاجات، ثم الكماليات من أنواع التوسع في الطيبات والمساكن وغيرها.
ويُفصِّل في تفاوت رتب المصالح والمفاسد؛ فالمصلحة منها الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، ولها مراتب عالية ودانية ومتوسطة، كما أن المفسدة منها القبيح والأقبح. ويُقدِّم مصالح الآخرة على مصالح الدنيا لبقائها ودوامها، كما يجعل مفاسد الآخرة أعظم من مفاسد الدنيا، ويَربط مراتب الأحكام الشرعية بهذه المراتب؛ فمصالح الإيجاب أعلى من مصالح الندب، ومفاسد التحريم أشد من مفاسد الكراهة.
ويُميِّز بين طريق معرفة مصالح الدنيا وطريق معرفة مصالح الآخرة؛ فمصالح الآخرة ومفاسدها لا تُعرف إلا بالشرع، أما مصالح الدنيا ومفاسدها فيُعرف كثير منها بالتجارب والعادات. كما يَبحث درجات الإدراك التي تُبنى عليها الأحكام، فمنها ما يقوم على المعرفة واليقين، ومنها ما يقوم على الاعتقاد، وأكثرها عند تعذر اليقين يقوم على الظن والحسبان، وبعضها على الشك أو الوهم عند الحاجة.
ويَجعل للوسائل أحكام المقاصد؛ فالوسيلة إلى الواجب واجبة، وإلى المندوب مندوبة، وإلى المحرم محرمة، وإلى المكروه مكروهة، وإلى المباح مباحة بحسب حالها. لكنه لا يَجعل الوسيلة دائمًا أدنى من مقصدها؛ فقد تكون بعض الوسائل أفضل من المقصد من جهة الثواب أو ما يترتب عليها من خير، ويُرتِّب فضل الوسائل بحسب فضل المقاصد التي تفضي إليها. فالأمر بالإيمان أفضل من سائر الأوامر، والنهي عن الكفر أعظم من سائر النواهي، والنهي عن الكبيرة مقدَّم على النهي عما دونها.
ويَطبِّق ذلك على الولايات والقضاء والفتيا والشهادات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهذه كلها وسائل إلى تحصيل المصالح أو دفع المفاسد، ولذلك تتفاوت مراتبها بتفاوت ما يترتب عليها. ويَصل الأمر عنده إلى القول بأن الفعل الواحد أو القول الواحد قد يكون طريقًا إلى عدد كبير من المصالح أو المفاسد، فيكون النظر في أثر الوسيلة ومآلها جزءًا من تقويمها الشرعي.
ثم يَضع قاعدة اجتماع المصالح؛ فإذا أمكن تحصيلها كلها وجب الجمع بينها، وإذا تعذر الجمع وكانت متساوية وقع التخيير، وقد تستعمل القرعة، وإن تفاوتت قُدِّم الأصلح فالأصلح وإن فات ما دونه. ويُشدِّد في حقوق من تكون للإنسان عليهم ولاية عامة أو خاصة، فلا يجوز تفويت شيء من مصالحهم ولو كان يسيرًا ما دام يمكن تحصيل الأصلح لهم.
ويقابل ذلك بقاعدة اجتماع المفاسد؛ فإن أمكن دفعها كلها دُفعت، وإن تعذر وكانت متساوية وقع التخيير، وإن تفاوتت دُفع الأفسد فالأفسد ولو استلزم ذلك ارتكاب مفسدة أخف. ويُمثِّل بقطع اليد المتآكلة وقلع السن المؤلمة وقتل الصائل، موضحًا أن ارتكاب المفسدة الأخف لا يُخرجها عن كونها مفسدة، وإنما جاز احتمالها لما يترتب عليها من دفع ما هو أشد.
ويَبحث اجتماع المصالح والمفاسد في الفعل الواحد؛ فإذا أمكن تحصيل المصلحة ودفع المفسدة معًا وجب ذلك، وإن تعذر نُظر في الراجح: فإن رجحت المصلحة حُصِّلت مع احتمال المفسدة، وإن رجحت المفسدة دُفعت ولو أدى ذلك إلى فوات المصلحة. كما يَنبه إلى أن المصلحة قد تنشأ من مفسدة، والمفسدة قد تنشأ من مصلحة، وقد يقترنان من غير أن تكون إحداهما ناشئة من الأخرى، ولذلك لا يكفي النظر إلى صورة الفعل منفردة عن نتائجه.
ويَعيد هذه القواعد في صورة ضوابط كلية؛ فالمصلحتان إذا أمكن الجمع بينهما جُمعتا، وإذا تعذر وكانتا متساويتين وقع التخيير، وإذا رجحت إحداهما تعينت. والمفسدتان كذلك: يُدفع الأقبح عند تعذر دفعهما معًا. وإذا رجحت المصلحة على المفسدة احتُملت المفسدة لتحصيلها، وإذا رجحت المفسدة دُفعت ولو فاتت المصلحة. ويَربط اللذة والفرح بالمصلحة، والألم والغم بالمفسدة، ويلحق أسباب كل منهما بحكمه من جهة النظر المقاصدي.
ويُصرِّح بأن الشريعة كلها دائرة على هذا الأصل؛ فمن مارسها وفهم مقاصد القرآن الكريم والسنة علم أن الأوامر إما لجلب مصلحة أو مصالح، أو لدفع مفسدة أو مفاسد، أو للأمرين معًا، وأن النواهي كذلك. ويَنبه إلى أن بعض هذه المصالح والمفاسد قد يخفى، كما قد يخفى الترجيح بينها أو مساواتها، ولذلك يحتاج الفقيه إلى البحث بطرقه الموصلة إلى معرفة الصالح والأصلح والفاسد والأفسد.
ويَفرق بين المصالح والمفاسد الناجزة والمتوقعة، فيدخل المستقبل المتوقع في الميزان الشرعي كما يدخل الواقع الحاضر. فقتل الصائل قد يكون مفسدة ناجزة في حقه لكنه وسيلة إلى دفع مفسدة متوقعة أو واقعة عن المعتدى عليه، والتداوي يتحمل فيه ألم الدواء لتحصيل العافية أو دفع المرض، والإمامة والقضاء والشهادة وسائل إلى مصالح حالّة ومستقبلة ودفع مفاسد من النوعين. كما يُفسِّر العقوبات الشرعية بأنها إيلام ناجز يقصد به الزجر ومنع مفاسد أعظم في المستقبل.
ويُكثر من التطبيقات الفقهية التي تُبيِّن أن المقصد لا يبقى نظرية مجردة؛ فيَبحث الحجر على المفلس والسفيه، والصلح، والحوالة، والوقف، والوصايا، والدعاء، وإفشاء السلام، وعيادة المريض، والجنازة، والتعزية، والصدقة، والوكالة، والعارية، والقرض، وإغاثة المضطر، وإنقاذ الغريق، والشفاعات، ويُحدِّد في كل صورة من تعود إليه المصلحة: هل هي دنيوية أم أخروية، عاجلة أم آجلة، وهل تتعدى إلى الغير أو تقتصر على الفاعل.
ويَقسم الحقوق إلى حق الله تعالى على العباد، وحق الإنسان على نفسه، وحقوق بعض العباد على بعض، وحقوق البهائم على العباد. ثم يَربطها بفروض الأعيان والكفايات وسنن الأعيان والكفايات، ويميز بين الحقوق الأخروية المحضة، والدنيوية المحضة، وما يكون أخرويًّا في حق الباذل ودنيويًّا في حق المنتفع.
ويُدقِّق في أثر الظن في تقدير المصالح والمفاسد؛ لأن أكثر الوقائع لا يحصل فيها اليقين التام، وإنما يُعمل فيها بغلبة الظن المتفاوتة قوة وضعفًا بحسب خطورة المصلحة أو المفسدة. ثم يُفرِّق بين من أخطأ الواقع مع فساد قصده وبين من فعل مفسدة يظنها مصلحة مشروعة؛ فتتعلق الأحكام بالقصد والظن من جهة، وبالآثار الواقعية للفعل من جهة أخرى، وقد تترتب الضمانات وإن انتفى الإثم.
ويَفرد فصولًا لما يُترك من المصالح الواجبة أو المندوبة بسبب عذر أو مفسدة أرجح؛ فيدخل فيه تأخير بعض العبادات بالأعذار، وترك الجهاد عند العجز أو حين لا يتحقق منه نكاية، وتأخير الزكاة والشهادة والفتوى والحكم عند العذر، كما يقرر أن الصدق قد يحرم إذا ترتب عليه ضرر راجح، وأن الكذب قد يجب إذا تعين لحفظ دم أو أمانة أو عرض.
ويقابل ذلك بما يجوز أو يجب ارتكابه من المفاسد إذا تعلقت به مصلحة أرجح؛ فيذكر صور الإكراه والقصاص والحدود والدفاع والقتال والتطبب وكشف العورات للحاجة وإفشاء بعض الأسرار في الجرح والشهادة والرواية، وإتلاف الأموال أو أخذها عند الضرورة، وغير ذلك. والقاعدة الحاكمة أن الفعل لا يخرج عن كونه مفسدة من حيث ذاته، لكن حكمه يتغير إذا اقترنت به مصلحة أقوى اقتضت الإباحة أو الندب أو الوجوب، كما أن المصلحة التي تُترك لمفسدة راجحة لا تخرج عن كونها مصلحة.
ويَنقل النظر المقاصدي إلى العقود والتصرفات، فيَجعل اختلاف شروطها تابعًا لاختلاف أغراضها ومصالحها؛ فالشرط الذي يكون لازمًا في تصرف قد يكون مفسدًا لتصرف آخر، لأن المقصود من كل عقد مختلف. ولهذا يُناقش السلم والقراض والمزارعة والمساقاة والجعالة والإجارة والعارية وغيرها بحسب القدر من العلم والجهالة والتقدير الذي يحقق مقصد كل معاملة.
ويَفسِّر تشريع المعاملات نفسها بالحاجات الإنسانية؛ فإباحة البيوع والإجارات وسائر المعاوضات وسيلة إلى تحصيل المنافع والأعيان التي يحتاج إليها الناس، والتبرعات تجمع بين ثواب الباذل وسد حاجة الآخذ، والأنكحة شُرعت لتحصيل المودة والرحمة والنسل والتعاضد والتناصر. كما شُرعت الحدود والتعزيرات للزجر، ونُصب الحكام والولاة لإنصاف المظلومين وحفظ الحقوق، وحُصرت الإمامة العامة في واحد دفعًا لما يفضي إليه تنازع الولايات من تعطيل المصالح.
ويَبحث أثر النهي في صحة الأقوال والأعمال، فيُفرِّق بين نهي يرجع إلى فقد شرط أو ركن فيدل على الفساد، ونهي يقع مع استكمال الأركان والشروط ولكنه متعلق بمفسدة مجاورة فلا يقتضي فساد أصل الفعل، وصور يتردد فيها وجه النهي بين الأمرين. ويُطبِّق ذلك على الوضوء عند الحاجة إلى الماء للشرب، والصلاة في بعض الأزمنة والأماكن، والصيام، والأذكار، والولايات وغيرها، فيرجع كل حكم إلى المصلحة التي شُرع الفعل من أجلها أو المفسدة المقترنة به.
ويُميِّز بين ما ظهرت مصلحته أو مفسدته من الأحكام وبين «التعبد» الذي لا تظهر علته التفصيلية؛ فغالب الشريعة عنده معقول المعنى من جهة جلب المصلحة أو دفع المفسدة، أما ما لم يظهر فيه شيء من ذلك فقد تكون له مصلحة خفية، أو يكون نفس الامتثال فيه سببًا للثواب. كما يقرر أن أشق مواضع الاجتهاد ليست معرفة الخير والشر في الصور الواضحة، وإنما موازنة خيرين متقاربين، أو شرين، أو مصلحة ومفسدة لا يظهر الفرق بينهما إلا بدقة شديدة؛ ومن هنا يفسر كثرة الخلاف بين العلماء.
ويَبحث دلالة الألفاظ والعرف من زاوية تحقيق المقاصد؛ فيحمل الألفاظ على أوضاعها اللغوية والعرفية والشرعية، ويَجعل للعرف أثرًا في الأثمان والأجور والمهور والإذن والعقود والأوقاف وسائر التصرفات. كما يُنزِّل الدلالة العادية منزلة الدلالة اللفظية في صور كثيرة، كدلالة اليد على الاستحقاق، وتقديم الطعام إلى الضيف، ودخول بعض المواضع بحسب العادة، وإشارة الأخرس، وما تقتضيه أعراف المعاملات.
ثم يَنتقل في آخر مباحثه إلى صلاح القلب وأعماله، فيجعل صلاح الجوارح تابعًا لصلاح القلب بالمعارف والأحوال، وفسادها تابعًا لفساده. ويَبحث الخوف والرجاء والتوكل والإجلال والحياء والمحبة، ويَربط كل حال بمعرفة مخصوصة؛ فمعرفة رحمة الله تعالى تورث الرجاء، ومعرفة عظمته تورث الإجلال، ومعرفة اطلاعه على العبد تورث الحياء، ومعرفة إحسانه تورث المحبة. وتثمر هذه الأحوال بدورها أقوالًا وأعمالًا توافقها، فلا يفصل المقاصد المتعلقة بالأحكام الظاهرة عن إصلاح الباطن والنيات.
ويُفاضل بعد ذلك بين المعارف والأحوال والطاعات والمراتب، ثم يَجعل درجات القرب والثواب متفاوتةً بحسب قدر العمل وكماله وإخلاص صاحبه ومدته؛ فلا يستوي اثنان في عدد الصلوات إذا تفاوتا في الخشوع والكمال، ولا يستوي مجاهدان إذا تفاوتا في الإخلاص وعظم ما دفعاه من الضرر. كما يجعل طول زمن الإيمان والطاعة مؤثرًا في زيادة الثواب، ويَختم على هذا المعنى بالتنبيه إلى أن بقاء العمر مجال لزيادة الحسنات والتوبة، وأن تفاوت العقوبات كذلك تابع لتفاوت المفاسد ودوامها وشدتها؛ فالعقوبة على الزنا دون القتل، وعلى الكبائر دون الكفر، كما لا يستوي من أقام على الكفر زمنًا طويلًا بمن وقع فيه زمنًا أقصر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














