
نبذة عن الكتاب:
يَشرح ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي في كتاب «الغيث الهامع شرح جمع الجوامع» متن «جمع الجوامع» لتاج الدين عبد الوهاب السبكي شرحًا موجزًا يَقصد به في الأصل حلَّ ألفاظ المتن وإيضاح عباراته، مع الاستفادة الواسعة من شرح بدر الدين الزركشي. غير أن الشرح لا يَبقى عند حدود فك العبارة؛ إذ يَتجاوز ذلك في مواضع كثيرة إلى مناقشة الحدود، وتعقب بعض اختيارات السبكي وشراحه، وتحقيق محل الخلاف، وبيان ما يترتب على الألفاظ الدقيقة من آثار أصولية وفقهية، مع حضور واضح لصناعة الحديث واللغة والفقه والكلام في تعليقه على المسائل. وقد صرَّح العراقي منذ البداية بأن كتابه «تعليق وجيز» يغلب عليه حل اللفظ وإيضاح العبارة، وأن أكثر مادته مأخوذة من شرح الزركشي، ثم سمّاه «الغيث الهامع في شرح جمع الجوامع».
ويَعتني العراقي بعبارة «جمع الجوامع» عنايةً دقيقة، فيقف عند الألفاظ التي اختارها السبكي، ويَبحث دلالاتها اللغوية والاصطلاحية، وما إذا كان القيد زائدًا أو محتاجًا إليه، وهل التعبير يَستوعب المقصود أو يوهم خلافه. ويَظهر ذلك منذ تعريف أصول الفقه؛ فيَعرض الخلاف في كونه دلائل الفقه الإجمالية أو معرفة تلك الدلائل، ثم يَبحث موقع قيد «الإجمالية»، والفرق بين عمل الأصولي وعمل الفقيه، ويَناقش إضافة معرفة طرق الاستفادة وحال المستفيد إلى حقيقة الأصولي. كما يَستحضر اعتراضات ابن دقيق العيد والسبكي وغيرهما ثم يَعلِّق عليها بترجيح أو تصحيح أو استدراك.
ويَسلك الطريقة نفسها في تعريف الفقه والحكم الشرعي؛ فيُفصِّل قيود العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة التفصيلية، ويَبحث ما يخرج بكل قيد، ثم يَناقش تعريف الحكم بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف. ولا يَتردد في الاعتراض على عبارة المتن إذا رأى فيها إشكالًا؛ ففي بعض المواضع يَصف جوابًا بأنه عجيب، أو يَنص على أن تعبيرًا آخر أحسن، أو يَكشف تناقضًا بين أجزاء التقرير، وهو ما يجعل الشرح قائمًا على المراجعة العلمية لا على التفسير المحض.
ويَعرض مباحث الحسن والقبح وشكر المنعم والحكم قبل ورود الشرع وتكليف الغافل والمكره وتعلق الأمر بالمعدوم، فيَشرح أصول الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، ويُحرِّر ما هو عقلي من الحسن والقبح وما يتوقف على الشرع، ثم يَنتقل إلى الأحكام التكليفية والوضعية. ويَفصِّل الإيجاب والندب والتحريم والكراهة وخلاف الأولى والإباحة، والسبب والشرط والمانع والصحة والفساد، ويتعقب تعريفات السبكي حيث يَحتاج الأمر إلى زيادة قيد أو إعادة صياغة. ومن أمثلة ذلك مناقشته لمانع الحكم والفرق بينه وبين مانع السبب، وتحريره للخلاف في صحة العبادة وهل هي موافقة الأمر أو إسقاط القضاء، ثم تمييزه الصحة من الإجزاء.
ويُفصِّل في الأداء والقضاء والإعادة والوقت، ويَختبر حدودها بأمثلة العبادات، ولا يَكتفي بنقل الاصطلاح الأصولي إذا رأى أن استعمال الفقهاء يخالفه. فيَبحث وقوع بعض الصلاة داخل الوقت وبعضها خارجه، ودلالة إدراك الركعة، وحكم العبادات المقدمة أو المؤخرة، ثم يَناقش هل الإعادة لا تكون إلا لخلل أو عذر، أم يَدخل فيها كل فعل ثانٍ للعبادة في وقتها. ويَكشف في أثناء ذلك أثر اختلاف أصلٍ أصولي، ككون القضاء بالأمر الأول أو بأمر جديد، في اختلاف تعريف الصحة والقضاء.
ثم يَتناول الرخصة والعزيمة، فيَشرح أن الرخصة تغير الحكم إلى سهولة لعذر مع بقاء سبب الحكم الأصلي، ويَعرض أقسام الرخصة من واجبة ومندوبة ومباحة وخلاف الأولى، ويناقش إدخال بعض الأمثلة فيها كالسَّلَم والقصر والفطر. كما يَعرض اختلاف الأصوليين في مدى اتساع مفهوم العزيمة، وهل يختص ببعض الأحكام أو يشملها جميعًا بحسب بقاء الحكم على أصله.
ويَنتقل إلى مباحث الدليل والنظر والعلم والحد والتصور والتصديق والظن والوهم والشك، وهي من مقدمات النظر الأصولي. فيَعرِّف الدليل بما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، ويَبحث هل يختص بالقطعي أو يشمل الظني، ثم يشرح الحد الجامع المانع والمطرد المنعكس، ويُناقش حتى استعمال الألفاظ من جهة العربية. ويَعرض الخلاف في حقيقة العلم وإمكان حده وتفاوته، ويَستثمر هذه المقدمات في ضبط مراتب الأدلة وطرق الاستفادة منها لاحقًا.
ويُفصِّل بعد المقدمات في مباحث الألفاظ ودلالات الخطاب، فيَشرح الأمر والنهي، ودلالة الصيغة، والوجوب والندب، والفور والتراخي، والتكرار، وما يتصل بالأمر بعد الحظر، ثم العموم والخصوص والتخصيص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والمنطوق والمفهوم، والحقيقة والمجاز. ويَجمع في هذه المواضع بين تقرير المذاهب الأصولية وتحليل العبارة والاحتجاج باستعمال العرب، مع إحالة المسائل المتداخلة بعضها على بعض حتى لا يُفهم الخلاف في صيغة منفصلًا عن بقية نظام الدلالات.
ويُعنى بالنسخ من حيث حقيقته وشروطه وطرق معرفته وما يقبل النسخ وما لا يقبله، ثم يَنتقل إلى مباحث الكتاب والسنة. ويَتناول السنة من جهات متعددة: أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، والأخبار المتواترة والآحاد، وشروط الرواة والتحمل والأداء، وقبول الأخبار وردها، والجمع بين ما يَظهر تعارضه، وما يترتب على معرفة المتقدم والمتأخر. وتَظهر في هذه الأبواب خلفية العراقي الحديثية بوضوح؛ إذ يَتعامل مع الأحاديث من جهة الرواية والدلالة معًا، ويُنبِّه إلى بعض الزيادات الموضوعة أو الأسانيد المتكلم فيها حين يَمر بها في الشرح. ومن أمثلة ذلك حكمه على زيادة في حديث «لا نبي بعدي» بأنها موضوعة، ومناقشته بعض الأخبار من جهة ثبوتها قبل بناء المعنى عليها.
ويَشرح الإجماع وحجيته وشروطه ومن يَعتبر قوله فيه، ثم ما يتصل بقول الصحابي رضي الله عنه والاستصحاب وسائر المدارك المختلف فيها. ولا يَعرض الأقوال على سبيل الحكاية وحدها، بل يَبيِّن أحيانًا منشأ الخلاف، وهل هو حقيقي أو راجع إلى اختلاف في التسمية أو تصوير محل النزاع، ويَربط اختيار الدليل بالقواعد السابقة في القطع والظن ودلالات النصوص.
ويَستوعب القياس استيعابًا واسعًا؛ فيَشرح الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، وشروط كل منها، ومسالك إثبات العلة، والمناسبة والشبه والطرد والدوران والسبر والتقسيم وتنقيح المناط، وما يَرِد على القياس من الأسئلة والقوادح. ويَعرض الخلاف في تعليل الحكم بعلة واحدة أو أكثر، وفي القياس المركب، واتفاق الخصمين على حكم الأصل، وتخصيص العلة، والمعارضة والقلب والفرق. ويَنقل عبارة الأصوليين في أن قياس المعنى مناسب وقياس الشبه تقريب والطرد تحكم، ثم يَذكر الأقوال المختلفة في حجية الطرد ومراتب إفادته.
ويَشرح المناسبة باعتبارها اشتمال الوصف على جلب مصلحة أو دفع مفسدة، ثم يَبيِّن أن الحكمة إذا كانت خفية أو غير منضبطة عُلِّق الحكم بوصف ظاهر منضبط يكون مظنة لها؛ كالسفر بالنسبة إلى المشقة. ومن هنا يَنتقل إلى المناسب المؤثر والملائم والغريب والمرسل، ويَعرض مذاهب الأصوليين في المصالح المرسلة، فيذكر رد الأكثرين لها على الإطلاق في الصياغة المنقولة، وقبول مالك لها، وموقع اختيار إمام الحرمين من ذلك.
ويَتناول الاستدلال وما يتصل بالأدلة التي لا تدخل مباشرة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم يَبحث تعارض الأدلة وطرق الجمع والترجيح. ويَجعل العمل بالدليلين عند إمكان الجمع أصلًا مقدمًا على إهدار أحدهما، ثم يَبحث النسخ عند معرفة التاريخ، والترجيح عند تعذر الجمع، وما يَصنعه الناظر إذا تكافأت الأدلة. ويُفصِّل مرجحات الأخبار والأقيسة والحدود وغيرها، لكنه يَنتهي إلى أن المرجحات لا تنحصر؛ لأن مرجعها جميعًا إلى ما يُنتج غلبة الظن، فلا يمكن استيعاب صورها بعدد محدود.
ثم يَبحث الاجتهاد من جهة حقيقته وشروط أهله وتجزئه، والاجتهاد النبوي، والتقليد والإفتاء، وما إذا كان الحق في المسائل الاجتهادية واحدًا أو متعددًا. ويَرجِّح أن المصيب في الواقعة واحد، وأن لله تعالى حكمًا سابقًا على اجتهاد المجتهدين، مع بقاء المجتهد المخطئ غير آثم إذا استكمل آلة النظر وبذل وسعه. كما يَبحث المصادر التي يستند إليها الحكم الشرعي، فيُفرِّق بين التبليغ عن الله تعالى الذي يختص بالرسل، والحكم المستفاد من الاجتهاد الذي هو وظيفة علماء الأمة، وما يذكره الأصوليون من التفويض في الحكم.
ولا يقتصر «الغيث الهامع» على أصول الفقه؛ لأن «جمع الجوامع» يضم كذلك مباحث من أصول الدين. فيَشرح العراقي مسائل الإلهيات والصفات والنبوات والمعجزات والإيمان والإسلام والإحسان والقدر والبعث وغير ذلك، مع عرض مذاهب أهل السنة والمعتزلة والفلاسفة وغيرهم ومناقشة أدلتهم. ويُنبِّه أحيانًا إلى أن بعض المسائل التي أُدخلت في الاعتقاد ليست عنده في رتبة واحدة من الأهمية أو القطع، كما يناقش تناسب موضع المسألة مع العلم الذي أُدرجت فيه. ويُثبت بعثة الرسل والمعجزات وختم النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتوسع في تعريف المعجزة وشروطها وما يفرقها عن الكرامة والإرهاص والسحر.
ويَبحث الإيمان والإسلام والإحسان على ضوء حديث جبريل عليه السلام، فيُعرِّف الإيمان بالتصديق بما عُلم ضرورةً مجيء الرسل به، ويَعرض الخلاف في موقع النطق بالشهادتين من حقيقة الإيمان، ثم يَشرح الإسلام باعتباره أعمال الجوارح المقترنة بالإيمان، والإحسان باعتباره مقام المراقبة في عبادة الله تعالى. كما يناقش حكم مرتكب الكبيرة، والشفاعة، وبقاء اسم الإيمان مع الفسق، ويرد القول بالمنزلة بين المنزلتين وخلود العصاة في النار.
ويَتناول بقاء النفس بعد الموت، وفنائها أو بقائها عند القيامة، وعجب الذنب، ثم حقيقة الروح، ويَعرض موقف من أمسك عن البحث فيها وموقف من حاول تحديد حقيقتها، مع ذكر الأقوال في كونها جسمًا لطيفًا أو عرضًا أو جوهرًا مجردًا. ويتناول كرامات الأولياء، ويعرض الخلاف في مدى إمكان وقوع خوارق العادات على أيديهم، ويناقش تقييد القشيري لبعضها وعدم موافقة جمهور العلماء له في هذا التقييد.
ثم يَنتقل في خاتمة المتن إلى مسائل السلوك والتصوف، فيَشرح الخواطر وأحوال النفس، ومراتب ما يَرِد على القلب من الهاجس والخاطر وحديث النفس والهم والعزم، وما يترتب على كل مرتبة من مؤاخذة أو عفو. ويُفصِّل في مجاهدة النفس والتوبة، فيَبحث حقيقتها وشروطها، والندم والإقلاع والعزم على عدم العودة وتدارك حقوق الآدميين، ويَنبه إلى ضرورة أن يكون ذلك لله تعالى لا لمصلحة دنيوية محضة. كما يَبحث صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر، وتجدد التوبة بعد نقضها، وحكم الصغائر.
ويَناقش مسألة التوقف عند الاشتباه بين الأمر والنهي، فيعترض على إطلاق وجوب الإمساك، ويفرق بين ما إذا دار الفعل بين الوجوب والتحريم أو بين الاستحباب والكراهة أو بين الإباحة والنهي، ويُطبِّق ذلك على الشك في الغسلة الثالثة والرابعة في الوضوء. وهنا يَظهر استقلاله النقدي بوضوح؛ إذ يَنص على أن إطلاق الوجوب في بعض الشروح خطأ، وأن عبارة المتن نفسها تحتاج إلى تفصيل بحسب نوع الأمر والنهي المتعارضين.
ثم يَشرح خلق أفعال العباد والقدرة والكسب، فيعرض قول أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال العباد وأن للعبد كسبًا يُنسب إليه به التكليف والثواب والعقاب، ويناقش الجبر والاعتزال، ثم يربط هذه المسائل بالسلوك العملي؛ فمعرفة تعلق الأفعال بمشيئة الله تعالى لا تُسقط التكليف ولا تغني الحقيقة عن الشريعة. ويُقرر في هذا السياق أن ظاهر الشريعة وباطن الحقيقة متلازمان، فلا يَستغني أحدهما عن الآخر.
ويَنتهي الشرح ببحث التوكل والاكتساب، فيَعرض من رجح التوكل ومن رجح التكسب، ثم يختار التفصيل بحسب حال الإنسان: فمن قدر على الصبر ولم تتطلع نفسه إلى الخلق كان ترك الأسباب في حقه أقرب، ومن اضطرب قلبه أو احتاج إلى ما في أيدي الناس كان الكسب له أولى. ثم يُصحِّح أصل المقابلة بين التوكل والكسب، لأنهما لا يتنافيان عنده؛ فالتوكل عمل القلب واعتماده على الله تعالى، وقد يجتمع تمامًا مع الأخذ بالأسباب. ولذلك يَرى أن الأدق أن يكون الخلاف بين ترك الأسباب وتعاطيها، لا بين التوكل والاكتساب، وينقل في هذا السياق أن العبد قد يكتسب ظاهرًا ويتوكل باطنًا، فلا يعتمد بقلبه على السبب وإن استعمله.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














