
نبذة عن الكتاب:
يستقصي سليمان بن عبد الله السويكت في هذا الكتاب مادَّة السِّيرة النبويَّة الواردة في «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» للحافظ نور الدِّين الهيثمي، ويكشف مقدار ما يشتمل عليه الكتاب من مرويَّات تتصل بحياة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومغازيه وشمائله ودلائل نبوَّته، مع دراسة طريقة الهيثمي في جمع هذه المرويَّات وترتيبها والحكم على أسانيدها ورجالها. وينطلق البحث من أهميَّة كتب الحديث بوصفها من المصادر الرئيسة للسِّيرة بعد القرآن الكريم، ومن خصوصيَّة «مجمع الزوائد» الذي جمع فيه الهيثمي الأحاديث الزائدة على الكتب السِّتَّة من عدد من المسانيد والمعاجم، فحفظ بذلك مادَّة حديثيَّة واسعة يمكن الإفادة منها في دراسة السِّيرة النبويَّة.
ويمهِّد السويكت بترجمة الهيثمي، فيعرض نشأته وطلبه للعلم ورحلاته وشيوخه، وفي مقدِّمتهم الحافظ زين الدِّين العراقي، ثمَّ يبيِّن مكانته في الحديث وما عُرف به من قوَّة الحفظ والاستحضار، ويذكر أبرز تلاميذه ومصنَّفاته. ويبرز عنايته بعلم الزوائد وإسهامه في ترسيخ هذا الفن، ويعرض مؤلفاته التي استخرج فيها زوائد مسند أحمد ومسند البزار ومسند أبي يعلى ومعاجم الطبراني وغيرها، قبل أن يجمع جانبًا كبيرًا من هذه الجهود في «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد».
ثمَّ يعرِّف بـ«مجمع الزوائد» وطريقة تصنيفه، فيبيِّن أنَّ الهيثمي جمع فيه كتب الزوائد التي سبق أن صنَّفها، وحذف أسانيدها ورتَّب أحاديثها على الكتب والأبواب، وجعل عنايته منصبَّة على ما زاد على الكتب السِّتَّة. كما يعرض منهجه في التعامل مع الأحاديث المكرَّرة والأسانيد المختلفة، وكلامه على الرِّجال، واكتفاءه أحيانًا بالإسناد الصَّحيح إذا تعدَّدت طرق الحديث، وتقديمه الكلام على رجال إسناد أحمد عند اشتراكه مع غيره في رواية الحديث ما لم يكن إسناد غيره أصحَّ. ويقف البحث كذلك عند ما استدركه أهل العلم على الهيثمي في بعض أحكامه وعزوه للأحاديث، من غير أن يغفل القيمة العلميَّة للكتاب ومكانته بين مصادر الحديث.
ويركِّز البحث بعد ذلك على مواضع السِّيرة النبويَّة في «مجمع الزوائد»، ويبيِّن أنَّ معظم مادَّتها تتركَّز في كتابين كبيرين هما «كتاب المغازي والسِّيَر» و«كتاب علامات النُّبوَّة»، مع وجود مرويَّات متفرِّقة في كتب أخرى، منها الإيمان والعلم والجهاد والتعبير. ويحصي السويكت الأبواب والمرويَّات المتعلِّقة بالسِّيرة، ويخلص إلى أنَّ مجموعها يقارب 1060 حديثًا ورواية موزَّعة على نحو 150 بابًا، وهو ما يكشف عن مادَّة واسعة تمتد من المرحلة المكيَّة إلى المرحلة المدنيَّة، فضلًا عن الشَّمائل والخصائص والمعجزات وعلامات النُّبوَّة.
ويستعرض مادَّة المرحلة المكيَّة في «كتاب المغازي والسِّيَر»، حيث عقد الهيثمي أبوابًا لتبليغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الرِّسالة وصبره على الأذى، والهجرة إلى الحبشة، وخروجه إلى الطَّائف وعرض نفسه على القبائل، وبدء أمر الأنصار، وبيعتي العقبة، والهجرة إلى المدينة. ويلاحظ السويكت أنَّ هذه المرحلة اشتملت في هذا الكتاب على 13 بابًا ونحو 128 حديثًا ورواية، وأنَّ ترتيب أبوابها يعكس انتقال الدَّعوة من الاستضعاف والصَّبر على الأذى إلى ظهور الأنصار والهجرة وقيام المجتمع المسلم في المدينة.
وتتَّسع مادَّة المرحلة المدنيَّة لتشمل أبرز الغزوات والسَّرايا والبعوث؛ فيعرض البحث أبواب بدر وما يتصل بأحداثها وأسرى المشركين وشهداء المسلمين وقتلى المشركين وفضل أهل بدر رضي الله عنهم، ثمَّ أبواب أُحد ومقتل حمزة رضي الله عنه وشهدائها، وبني النَّضير وبئر معونة، والخندق وبني قريظة، وبني المصطلق، وذي قرد، والحديبية وعمرة القضاء، وخيبر، ومؤتة، وفتح مكَّة، وحنين وغنائم هوازن، والطَّائف، وتبوك. ثمَّ يتتبَّع الأبواب التي أفردها الهيثمي للسَّرايا والبعوث، وما تضمَّنته من أخبار الحملات والأحداث التي وقعت بين الغزوات الكبرى.
ويبيِّن السويكت تفاوت حجم المرويَّات التي جمعها الهيثمي عن هذه الوقائع؛ فغزوة بدر وما يتصل بها حظيت بنصيب كبير بلغ قرابة 118 حديثًا ورواية، وأُحد بنحو 68، والخندق وبنو قريظة بنحو 35، وخيبر بنحو 25، كما وردت مرويَّات في الفتح وحنين والطَّائف وتبوك وغيرها. ويكشف هذا الإحصاء عن مقدار حضور كل مرحلة وواقعة في مادَّة «مجمع الزوائد»، من غير أن يعني ذلك أنَّ الهيثمي قصد إنشاء سيرة تاريخيَّة مستقلَّة؛ إذ ظلَّ ترتيب المادَّة خاضعًا في الأصل لبنية كتاب الحديث وأبوابه ومقصده في جمع الزوائد.
ويفرد البحث عنايةً مماثلة لـ«كتاب علامات النُّبوَّة»، الذي جمع فيه الهيثمي أبوابًا تتصل بأصل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومولده ورضاعه وشقِّ صدره وبدايات أمره، وما ورد في علم أهل الكتاب بنبوَّته، وبعثته وعموم رسالته ونزول الوحي، وما أوتي من الخصائص. ثمَّ تتوالى أبواب صفته وأسمائه وشمائله، وإخباره بالمغيَّبات، وما ورد من تسليم الحجر والشَّجر عليه، والمعجزات المتعلِّقة بالماء والطَّعام والحيوان والشَّجر، وبركة دعائه، وشجاعته وجوده وحسن خلقه وتواضعه ومعاشرته، حتى الأبواب المتعلِّقة بمرضه ووفاته صلَّى الله عليه وسلَّم وما تركه بعده.
ويلاحظ السويكت أنَّ بعض ما أورده الهيثمي في «علامات النُّبوَّة» يكمل مادَّة المرحلة المكيَّة التي جاءت في «المغازي والسِّيَر»؛ إذ اشتمل على أخبار المولد والرَّضاع وشقِّ الصَّدر والعصمة وبداية الوحي وما سبق البعثة وصاحبها من دلائل، في حين انصرفت أبواب المرحلة المكيَّة في «المغازي والسِّيَر» بدرجة أكبر إلى الدَّعوة وتبليغها والصَّبر على أعبائها والهجرة والبحث عن النُّصرة والبيعة. ومن اجتماع هذين القسمين تتكوَّن صورة أوسع لمادَّة السِّيرة التي بثَّها الهيثمي في كتابه.
ويبحث السويكت منهج الهيثمي في نقد الرِّجال والأسانيد، فيبيِّن أنَّ غالب أحكامه لا تأتي في صورة حكم صريح على الحديث بالصِّحَّة أو الضَّعف، وإنما تدور على بيان أحوال رجال الإسناد بعبارات مثل «رجاله ثقات» و«رجاله رجال الصَّحيح» و«فيه فلان ضعيف وبقيَّة رجاله ثقات». ويتناول اعتماده على كتب الرِّجال، ولا سيَّما «الثِّقات» لابن حبَّان و«ميزان الاعتدال» للذَّهبي، وتوقُّفه عند اختلاف النُّقَّاد، وتنبيهه على بعض صور الانقطاع والإرسال والاختلاط، واستفادته من المتابعات والشَّواهد، وتمييزه أحيانًا بين درجات الرُّواة وطرق الحديث.
ولا يقتصر البحث على إبراز مزايا هذا المنهج، بل يعرض ما سجَّله المتخصِّصون من مآخذ على بعض أحكام الهيثمي، كتصحيح أسانيد أو تحسين أحاديث نوقش في صحَّتها أو حسنها، وتضعيف ما ثبت من طرق أخرى، واختلاف حكمه على بعض الأحاديث والرِّجال بين موضع وآخر، وعدم استيعاب الكلام على بعض الرُّواة في عدد من الأسانيد. ويضع السويكت هذه الملاحظات في إطارها العلمي، ويرى أنَّ كثرة استدراكات المحدِّثين على «مجمع الزوائد» وتعقُّبهم لمسائله تكشف في الوقت نفسه عن شدَّة عنايتهم به وأهميَّته في الدِّراسات الحديثيَّة.
ويعرض نماذج مختارة من مرويَّات السِّيرة في «المغازي والسِّيَر» و«علامات النُّبوَّة» ليبيِّن من خلالها تطبيق الهيثمي العملي لمنهجه؛ فتظهر أحكام متفاوتة على الرُّواة والأسانيد، والجمع بين أكثر من مصدر في تخريج الزوائد، والتوقُّف عند الرَّاوي المجهول، والتفصيل في أحوال بعض الرِّجال، والاعتبار بالشَّواهد، والتمييز بين المتصل والمرسل، والدِّقَّة في رصد الزيادات واختلاف الألفاظ بين المصادر. وبذلك لا تقتصر الدراسة على إحصاء مرويَّات السِّيرة، بل تربط مادَّتها بطريقة الهيثمي الحديثيَّة في جمعها ونقدها.
ويخلص السويكت إلى أنَّ «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» يضم رصيدًا كبيرًا من مادَّة السِّيرة النبويَّة؛ إذ يقدِّر مرويَّات المرحلة المكيَّة بنحو 297 حديثًا ورواية، ومرويَّات المرحلة المدنيَّة بنحو 440، وما يتعلَّق بعلامات النُّبوَّة بنحو 323، ليقارب مجموعها 1060 حديثًا ورواية. وتنبع أهميَّة هذه المادَّة من كونها زوائد مستخرجة من مصادر حديثيَّة متعدِّدة، مرتَّبة في أبواب، ومصحوبة في جانب كبير منها بكلام الهيثمي على رجال أسانيدها، بما يتيح الإفادة منها في دراسة السِّيرة وتحليل مرويَّاتها ومقارنتها بما ورد في المصادر الحديثيَّة الأخرى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














