
نبذة عن الكتاب:
يُقارن محمد مصطفى عبد السلام الدبيسي في هذا الكتاب بين ما ترويه مصادر السِّيرة والحديث من أحداث حياة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وما يعرضه القرآن الكريم من شخصه وسيرته ووقائع دعوته، مستندًا إلى دراسة نصيَّة تجمع بين تفسير الآيات وتحليلها ومقارنتها بالمرويَّات المتعلِّقة بالحدث نفسه. وينطلق من أنَّ دراسة السِّيرة لا تقتصر على إثبات الوقائع وترتيبها تاريخيًّا، بل تتصل بفهم القرآن الكريم؛ لأنَّ حياة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم تمثِّل التطبيق العملي للوحي، ولأنَّ الآيات التي نزلت في أحداث السِّيرة تكشف ما وراء الوقائع من هداية وحكمة وتشريع وعبرة.
ويجمع المؤلف في دراسته بين عدد من المناهج؛ فيعتمد منهج المحدِّثين في نقد المرويَّات وتصحيحها وتضعيفها، مع قدر من التوسُّع في قبول الأخبار التاريخيَّة التي لا تتصل بالعقيدة والتشريع، ويستعين بالتفسير بالمأثور والتفسير الموضوعي، ويتتبَّع الآيات المتعلِّقة بالموضوع الواحد ويحلِّل ألفاظها وتراكيبها ودلالاتها البلاغيَّة. ويضيف إلى ذلك المنهج المقارن، فيوازن بين النُّصوص القرآنيَّة والمرويَّات الواردة في المسألة نفسها، والمنهج النقدي الذي يوظِّفه في مناقشة بعض الكتابات الاستشراقيَّة، ولا سيَّما آراء مونتغمري وات في تفسير السِّيرة النبويَّة.
ويبدأ بدراسة شخصيَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كما يعرضها القرآن الكريم، فيخصِّص جانبًا لثناء الله تعالى عليه وما دلَّت عليه الآيات من عظيم منزلته وسموِّ أخلاقه. ويحلِّل قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، رابطًا بين دلالة الآية وما تنقله السِّيرة من أخلاقه، ثمَّ يتناول مفهوم الأخلاق وأركانها وما يتصل بالأخلاق الجِبِلِّيَّة والمكتسبة، ويقف عند قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، كما يحلِّل سورة الضحى وما تتضمَّنه من تكريم للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ومواساة له وتذكير بعناية الله عزَّ وجلَّ به.
ثمَّ ينتقل إلى الحقوق التي قرَّرها القرآن الكريم لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فيبحث الأمر بالصَّلاة والسَّلام عليه، ووجوب توقيره وتعظيم أمره، والنهي عن التقدُّم بين يدي الله عزَّ وجلَّ ورسوله، ولزوم طاعته واتباعه. ويتتبَّع الآيات الواردة في هذه المعاني ويحلِّل دلالاتها، رابطًا بينها وبين مكانة السُّنَّة وحجِّيَّتها ووجوب الأخذ بما جاء به النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ليجعل الحديث عن حقوقه جزءًا من دراسة الصِّلة بين شخصه ورسالته وبين التوجيه القرآني للمؤمنين في معاملتهم له وامتثالهم أمره.
ويبحث بعد ذلك عصمة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فيحدِّد معنى العصمة ومجالها، ويستعين بقصة يوسف عليه السَّلام في القرآن الكريم لبحث بعض دلالاتها، ثمَّ يتناول الآيات المتعلِّقة بعصمة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وما قد يوهم ظاهرُه خلاف ذلك. ويوازن في هذه المواضع بين دلالة النَّص القرآني والتفسيرات والمرويَّات المرتبطة به، ويفرِّق بين العصمة فيما يتصل بتبليغ الدِّين والوحي وبين ما يجوز في حقِّ الأنبياء عليهم السَّلام من الأعراض البشريَّة.
وينتقل إلى المرحلة المكيَّة مبتدئًا بمولد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ونسبه ورضاعته وما وقع في نشأته قبل البعثة، فيفحص المرويَّات الواردة في هذه المرحلة في ضوء قواعد نقد الأخبار، ويتناول حادثة شقِّ الصَّدر وما ورد فيها من آثار، ويقارنها بما قيل في تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}. كما يبحث حفظ الله تعالى لنبيِّه قبل البعثة، وزواجه من خديجة رضي الله عنها، ومشاركته في بناء الكعبة وتحكيم قريش له في وضع الحجر الأسود، جامعًا بين الرِّوايات التاريخيَّة والدلالات التي يستخرجها من النُّصوص القرآنيَّة.
ويفرد جانبًا للبشارات بنبوَّته صلَّى الله عليه وسلَّم، فيعرض ما ورد عن الأنبياء السابقين عليهم السَّلام من البشارة به، وما جاءت به السُّنَّة من إرهاصات النُّبوَّة، وما نُقل من أخبار أهل الكتاب في هذا الباب، ثمَّ يقارن ذلك بالآيات القرآنيَّة ذات الصِّلة. ويعقِّب على معالجة بعض المستشرقين لهذه الأخبار، ولا سيَّما مونتغمري وات، فيناقش منهجه في قبول مرويَّات السِّيرة أو ردِّها وتفسير أحداثها، ويجعل المقارنة بين النُّصوص وسيلة لاختبار ما انتهت إليه تلك القراءات.
ويتتبَّع بعد ذلك بدء الوحي والبعثة، فيبحث إرهاصات النُّبوَّة، وحقيقة الوحي ومراتبه، وما صاحب نزوله على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يدرس انطلاق الدَّعوة وما ارتبط بها من آيات سورتي المزمل والمدثر، وانتقالها إلى الجهر، وموقف المشركين منها، وما بدأ يتعرَّض له النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم من أذى واضطهاد. ويحرص في هذه المرحلة على وضع المرويَّات إلى جوار الآيات المرتبطة بالأحداث؛ لاستجلاء ما يضيفه القرآن إلى الخبر التاريخي من تفسير للحدث وتقويم لمواقف أطرافه وبيان لغاياته وعواقبه.
ثمَّ ينتقل إلى العهد المدني، فيدرس الأسس التي قام عليها المجتمع الإسلامي بعد الهجرة، وفي مقدِّمتها بناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وتنظيم العلاقة بين سكان المدينة من خلال الوثيقة التي تناولت شؤون الجماعات المقيمة فيها وحقوقها والتزاماتها. ويعرض هذه الوقائع في سياق بناء المجتمع والدولة، مع النظر في المرويَّات التي نقلتها مصادر السِّيرة والحديث ومقارنتها بما يقرِّره القرآن الكريم من أصول تنظِّم الجماعة المسلمة وعلاقات أفرادها.
ويخصِّص قسمًا واسعًا لغزوة بدر الكبرى، فيبدأ بالنشاط السِّياسي والعسكري الذي سبقها منذ الهجرة، ويتتبَّع السَّرايا والتحركات التي مهَّدت للمواجهة، ثمَّ يعيد بناء أحداث الغزوة من المرويَّات الواردة في مصادر السِّيرة والحديث. ويقابل ذلك بما نزل في بدر من آيات القرآن الكريم، فيتناول ما تكشفه الآيات عن أسباب المواجهة وأحوال المؤمنين والمشركين، والنَّصر والتأييد من الله عزَّ وجلَّ، والملائكة، والأسرى والغنائم، وغيرها من المسائل التي ارتبطت بالغزوة، مبرزًا الفارق بين الخبر الذي يسجِّل الواقعة والنَّص القرآني الذي يفسِّرها ويوجِّه النظر إلى دلالاتها الإيمانيَّة والتربويَّة والتشريعيَّة.
ويناقش في أثناء ذلك قراءة مونتغمري وات لغزوة بدر وعددًا من أحداث السِّيرة المكيَّة والمدنيَّة، ويعرض تفسيراته ثمَّ يقابلها بالنُّصوص القرآنيَّة والمرويَّات التي يعتمدها، ناقدًا المنطلقات التي تفسِّر النُّبوَّة والدَّعوة والأحداث تفسيرًا مادِّيًّا أو اجتماعيًّا بمعزل عن الوحي. ولا يجعل نقد الاستشراق موضوعًا منفصلًا عن السِّيرة، بل يورده عند الوقائع التي تناولها وات، ليوازن بين تفسيره لها وبين الصورة التي يستخلصها من القرآن الكريم والآثار المرويَّة.
ويكشف الكتاب في مجمله عن منهج يقوم على قراءة السِّيرة من خلال مصدرين متكاملين: الآيات القرآنيَّة وما صحَّ أو قُبل من الآثار والمرويَّات، مع مراعاة ترتيب الأحداث والسِّياق التاريخي للنُّصوص. فالمقارنة عند المؤلف لا تستهدف مجرَّد إثبات توافق الخبر مع الآية، وإنما تتجاوز ذلك إلى استنباط ما يضيفه القرآن إلى فهم الواقعة من تقويم وتوجيه وعبرة وحكم وتشريع، وما تكشفه المرويَّات من تفاصيل الحدث وظروفه، لتتكوَّن من اجتماعهما صورة أوسع لبعض جوانب سيرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في العهدين المكي والمدني.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














