مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه لابن عثيمين PDF
كتاب الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه لابن عثيمين PDF

نبذة عن الكتاب:

يَشرح محمد بن صالح العثيمين في هذا الكتاب أسباب اختلاف العلماء الموثوق بعلمهم ودينهم في بعض الأحكام الشرعية مع اتفاقهم على تعظيم الكتاب والسنة وطلب الحق، ثم يُبيِّن كيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع هذا الاختلاف من غير أن يتحول إلى تشكيك في الشريعة أو تعصب للأشخاص والمذاهب. ويَذكر أن الحاجة إلى هذا الموضوع اشتدت بسبب انتشار الفتاوى والأحكام في وسائل الإعلام وتعدد الأقوال التي تصل إلى العامة وطلاب العلم، حتى أصبح خلاف العلماء عند بعض الناس مصدر حيرة واضطراب، فَقَصَد إلى بيان منشأ هذا الخلاف والحدود الصحيحة في التعامل معه.

ويَنطلق ابن عثيمين من أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بُعث بالهدى ودين الحق، وبيَّن للناس الدين بيانًا كافيًا، وكان المرجع عند وقوع النزاع في حياته صلى الله عليه وسلم؛ فما أشكل على الصحابة رضي الله عنهم رُد إليه، وما احتاج إلى بيان نزل فيه الوحي. أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقد وقع الاختلاف في بعض أحكام الشريعة، لكنه لم يكن اختلافًا في أصول الدين ومصادره الأصلية التي تقوم عليها وحدة المسلمين، وإنما في مسائل اجتهادية تتفاوت فيها أنظار العلماء بحسب ما بلغهم من الأدلة وكيف فهموها ورجحوها.

ويؤكد أن العالم المعروف بالعلم والأمانة لا يتعمد مخالفة كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن مقصده الوصول إلى الحق. ومع ذلك فالعالم بشر يَضعف علمه وإدراكه وإحاطته، وقد يخطئ في مسألة مع صدق قصده وبذل وسعه. ومن هنا يَنقل البحث من سؤال: «كيف يخالف العلماء النصوص؟» إلى سؤال أدق: «ما الذي جعل الدليل أو وجه دلالته لا يظهر لهذا العالم على الصورة التي ظهر بها لغيره؟». ثم يَجمع أهم أسباب الخلاف في 7 أسباب، مع تنبيهه إلى أن الأسباب في الواقع أكثر من ذلك.

ويَجعل السبب الأول أن الدليل لم يبلغ العالم أصلًا. ويُبيِّن أن هذا وقع حتى بين كبار الصحابة رضي الله عنهم بسبب تفرقهم واختلاف ما حضره كل واحد منهم من أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله. ويَذكر مثال مشاورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة رضي الله عنهم في دخول الشام عند انتشار الطاعون، واختلافهم حتى حضر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأخبرهم بالحديث الذي ينهى عن دخول أرض وقع فيها الطاعون وعن الخروج منها فرارًا منه. فغياب الحديث عن مجموعة من كبار الصحابة رضي الله عنهم لم يكن ردًّا للسنة، وإنما كان سببه عدم بلوغها إليهم.

ويَضرب مثالًا آخر بخلاف علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها؛ إذ كانا يريان الأخذ بأطول الأجلين جمعًا بين آية عدة الوفاة وآية عدة الحامل، بينما ثبتت السنة في قصة سبيعة الأسلمية بأن الحامل إذا وضعت حملها انقضت عدتها ولو كان الوضع قبل تمام 4 أشهر و10 أيام. ويُصرِّح ابن عثيمين بأنه يوقن أن الحديث لو بلغ عليًّا وابن عباس رضي الله عنهما لأخذا به، ليُبيِّن أن كثيرًا من الخلاف الذي يبدو تعارضًا مع السنة يرجع في حقيقته إلى عدم وصول السنة إلى المجتهد.

ويَجعل السبب الثاني أن الحديث قد يبلغ العالم لكنه لا يَثق بثبوته أو يَرى في ناقله ما يمنعه من الاعتماد عليه، فيعمل بدليل آخر يراه أقوى. ويُمثِّل بقصة فاطمة بنت قيس رضي الله عنها التي أخبرها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأن المطلقة المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى، ثم يَذكر موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لم يطمئن إلى الرواية، فاستمر على القول بثبوت النفقة والسكنى. ومن هذا المثال يَنتقل إلى قاعدة أوسع: قد يَصحح بعض العلماء حديثًا فيعملون به، ويُضعفه آخرون فلا يعملون به، فينشأ الخلاف من اختلاف الحكم على ثبوت الدليل نفسه.

ويَذكر السبب الثالث، وهو أن يكون الدليل قد بلغ العالم لكنه نسيه؛ فالنسيان من طبيعة البشر، وقد يقع في النص الذي سبق للإنسان أن عَلِمه. ويُدلل بقصة عمر بن الخطاب وعمار بن ياسر رضي الله عنهما في التيمم من الجنابة؛ إذ كان عمار رضي الله عنه يَذكر توجيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم لهما، بينما لم يَتذكر عمر رضي الله عنه الواقعة. ويَخلص إلى أن العالم إذا نسي الدليل فاجتهد على ما بين يديه كان معذورًا، أما من عَلِم الدليل بعد ظهوره له فلا يَبقى له العذر نفسه في تركه.

ويَجعل السبب الرابع أن يبلغ النص العالم لكنه يَفهم منه غير المراد. ويُمثِّل من القرآن الكريم بالخلاف في معنى قوله تعالى: «أو لامستم النساء»، حيث حملها بعض العلماء على مجرد اللمس، وبعضهم على اللمس بشهوة، بينما حملها ابن عباس رضي الله عنهما على الجماع. ويَرجِّح ابن عثيمين المعنى الأخير بالنظر إلى سياق الآية وتقابل طهارة الحدث الأصغر والأكبر، ويَبني عليه عدم انتقاض الوضوء بمجرد لمس المرأة. والمقصود من المثال أن الخلاف قد ينشأ مع اتفاق الجميع على صحة النص، وإنما يختلفون في تحديد مدلوله.

ويُضيف مثالًا من السنة في أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم يوم بني قريظة ألا يصلوا العصر إلا هناك؛ ففهم فريق أن المراد حثهم على الإسراع، فصلوا العصر في الطريق حين دخل وقتها، وفهم فريق آخر ظاهر اللفظ فأخَّر الصلاة حتى بلغ بني قريظة. ويَرى ابن عثيمين أن الصواب مع من صلى في الوقت لأن النصوص المحكمة في وجوب أداء الصلاة في وقتها تُفسر المراد من الأمر المحتمل، ويَستعمل المثال لبيان أن اختلاف الفهم قد يقع في النص الواحد بين أهل العلم مع صدقهم جميعًا في طلب المراد.

ويَجعل السبب الخامس أن يبلغ الحديث العالم ويفهمه على وجهه، لكنه لا يَعلم أنه منسوخ. ويُمثِّل بما كان عليه الحكم أولًا في هيئة وضع اليدين في الركوع، حيث كان التطبيق بين اليدين مشروعًا ثم نُسخ إلى وضع اليدين على الركبتين، بينما بقي ابن مسعود رضي الله عنه يعمل بالحكم الأول لعدم علمه بالنسخ. ويؤكد هنا أن الأصل بقاء النص على حكمه حتى يَثبت للمجتهد الناسخ، فلا يُلام من لم يبلغه النسخ على عمله بالدليل المتقدم.

ويَذكر السبب السادس، وهو أن يعتقد العالم أن الدليل الذي بلغه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع أو قياس صحيح. ويُنبه في هذا الموضع إلى أن دعوى الإجماع نفسها قد يقع فيها الخطأ، لأن العالم ربما يرى أهل محيطه أو من بلغه قولهم متفقين، فيَظن أن المسألة مجمع عليها مع وجود مخالف لم يبلغه. ويَضرب مثالًا باختلاف الروايات في نقل الإجماع على قبول شهادة العبد أو عدم قبولها ليُبيِّن أن مجرد حكاية الإجماع لا تكفي دائمًا دون التحقق من ثبوته.

ويُطبِّق هذا السبب على رأي ابن عباس رضي الله عنهما في ربا الفضل؛ فقد أخذ بحديث «إنما الربا في النسيئة» وحمله على الحصر، بينما جاءت أحاديث أخرى تدل على تحريم الزيادة في بيع الجنس الربوي بجنسه أيضًا. ويَجمع ابن عثيمين بين النصوص بحمل الحديث الأول على الربا الأشد الذي كان معروفًا في الجاهلية، وهو ربا النسيئة، من غير نفي تحريم ربا الفضل الذي دل عليه النص الآخر. وبهذا المثال يَشرح كيف يمكن للعالم أن يَرى دليلًا قويًّا في جهة، بينما يرى غيره أن نصوصًا أخرى تمنع حمله على الظاهر الذي اختاره.

أما السبب السابع فهو أن يَبني العالم حكمه على حديث ضعيف أو على استدلال ضعيف بدليل صحيح. ويُمثِّل للحالة الأولى بصلاة التسبيح، فيَنقل الخلاف في حديثها ويَختار عدم ثبوته، ثم يَصف الصلاة على هذا الأساس بأنها غير مشروعة. ويَستدل على ضعف الحديث كذلك بما يَذكره من غرابة صفة العبادة وتحديد فعلها كل يوم أو أسبوع أو شهر أو مرة في العمر، ويَذكر أن الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية ذهبا إلى عدم صحة الحديث.

ويُمثِّل للاستدلال الضعيف بحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، فيَذكر أن المعروف عند أهل العلم أن ذبح الأم يُغني عن تذكية الجنين إذا خرج ميتًا، بينما فهم بعضهم أن المراد أن الجنين يحتاج إلى تذكية مماثلة لتذكية أمه. ويَرفض هذا الفهم لأن الذكاة تقوم على إنهار الدم، وهو غير متحقق بعد موت الجنين، ليُبيِّن أن صحة الحديث لا تمنع وقوع الخطأ إذا كان وجه الاستدلال به نفسه غير صحيح.

وبعد شرح أسباب الخلاف يَنتقل ابن عثيمين إلى السؤال العملي الذي من أجله صُنِّف الكتاب: ما موقف المسلم من العلماء المختلفين؟ ويَحصر الكلام في العلماء المعروفين بالعلم والنصح والديانة، لا كل من انتسب إلى العلم أو ظهر في مجالس الفتوى. ثم يَفصل بين مسألتين: معرفة سبب مخالفة الإمام للدليل الظاهر، وقد أجاب عنها بالأسباب السابقة، ومعرفة من يجب اتباعه عند اختلاف الأقوال.

ويَرفض التعصب لإمام بعينه بحيث يَلزم قوله مهما ظهر الدليل مع غيره، ويقرر أن من كان قادرًا على معرفة الدليل وترجيحه وجب عليه اتباع ما ترجح عنده، ما لم يخالف إجماع الأمة. ويؤكد أن العصمة في الاتباع المطلق ليست لأحد بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكل عالم يؤخذ من قوله ويُترك، ولا يَثبت لأحد أن يكون قوله واجب الاتباع في كل مسألة وزمان وحال.

لكنه يَرفض في الوقت نفسه أن يُفهم هذا الأصل على أنه فتح لباب الاجتهاد لكل من حفظ نصًّا أو عرف ظاهر دليل؛ لأن الاستنباط يحتاج إلى معرفة النصوص ودلالاتها وعامها وخاصها ومطلقها ومقيدها وناسخها ومنسوخها، وإلا أدى ادعاء الاجتهاد بلا آلة إلى فساد الأحكام. ولهذا يُقسِّم الناس بحسب قدرتهم العلمية إلى عالم بلغ رتبة الفهم والاستنباط، وطالب علم عنده قدر من المعرفة لكنه لم يبلغ رتبة العالم المتبحر، وعامي لا يملك آلة النظر في الأدلة.

فالعالم المؤهل للاجتهاد عليه أن يعمل بما دل عليه الدليل عنده وأن يُبيِّن ما وصل إليه ولو خالف غيره، لأنه من أهل الاستنباط. أما طالب العلم الذي لم يبلغ هذه المرتبة فيمكنه أن يعمل بما عَلِمه من العمومات والأدلة التي ظهرت له، لكنه مطالَب بالاحتراز والرجوع إلى من هو أعلم منه؛ فقد يخفى عليه مخصص للعام، أو مقيد للمطلق، أو ناسخ لما ظنه باقيًا على حكمه.

أما العامي فوظيفته سؤال أهل العلم لا محاولة الاستنباط بنفسه، عملًا بالأمر بسؤال أهل الذكر عند الجهل. ثم يناقش مسألة مهمة تتعلق بتعدد المفتين: هل يلزم العامي أن يسأل من يراه أعلم، أم يجوز له سؤال أي عالم معتبر؟ وينقل القولين، ثم يَختار أن سؤال الأعلم والأوثق في الدين والعلم أولى، لا على سبيل الوجوب؛ لأن العالم الأفضل في الجملة قد يخطئ في مسألة معينة، وقد يُصيب فيها من هو دونه. ولذلك يجعل الترجيح بحسب العلم والورع والدين طريقًا أولى لا قاعدة تمنع سؤال المفضول مطلقًا.

ويَختم توجيهه العملي بالتشديد على التثبت في الفتوى وعدم الاستعجال عند وقوع النوازل، ولا سيما لطالب العلم؛ لأن المفتي يَنقل للناس حكم الشريعة، والقول بغير علم يَتجاوز الخطأ الشخصي إلى نسبة الحكم إلى الله تعالى. ويحث من سُئل في مسألة على الافتقار إلى الله تعالى في طلب الفهم، وعلى الإكثار من الاستغفار، ويربط بين المعصية وذهاب شيء من العلم، مستشهدًا بما نُقل في ذلك من الآيات وكلام أهل العلم.

ويُقدِّم الكتاب تفسيرًا للخلاف يقوم على تحليل مواقع الخطأ المحتملة في عملية الاجتهاد نفسها: قد يغيب الدليل، أو يضعف ثبوته عند العالم، أو يُنسى، أو يُفهم على غير المراد، أو يخفى ناسخه، أو يَظهر في مقابله دليل أقوى، أو يضعف الاستدلال به. ثم يَبني على ذلك موقفًا يَجمع بين احترام العلماء وعدم عصمتهم، واتباع الدليل لمن كان أهلًا للنظر فيه، والرجوع إلى أهل العلم لمن لم يملك آلة الاجتهاد، مع التحذير من طرفي التعصب للمذهب والتجرؤ على الاستنباط بغير علم.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

محمد بن صالح بن عثيمين
الشيخ العالم المحقق، الفقيه المفسر، الورع الزاهد، محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن آل عثيمين، من الوَهَبَة من بني تميم. ولد في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، عام 1347هـ، في عُنَيْزَة، إحدى محافظات القصيم، في المملكة العربية السعودية. نشأته العلمية: ألحقه والده، رحمه الله تعالى، ليتعلم القرآن الكريم عند جده من جهة أمه، معلم القرآن الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الدامغ، رحمه الله تعالى، ثم تعلم الكتابة، وشيئًا من الحساب، والنصوص الأدبية، في مدرسة الأستاذ عبد العزيز بن صالح الدامغ، رحمه الله تعالى، وذلك قبل أن يلتحق بمدرسة معلم القرآن الشيخ علي بن عبد الله الشحيتان، رحمه الله تعالى، حيث حفظ القرآن الكريم عنده عن ظهر قلب، ولما يتجاوز الرابعة عشرة من عمره بعد. وبتوجيه من والده، رحمه الله تعالى، أقبل على طلب العلم الشرعي، وكان فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، يدرس العلوم الشرعية والعربية في الجامع الكبير بعُنَيْزَة، وقد رتب اثنين من طلبته الكبار لتدريس المبتدئين من الطلبة، فانضم الشيخ إلى حلقة الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، رحمه الله تعالى، حتى أدرك من العلم، في التوحيد والفقه والنحو، ما أدرك. ثم جلس في حلقة شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، فدرس عليه في التفسير، والحديث، والسيرة النبوية، والتوحيد، والفقه، والأصول، والفرائض، والنحو، وحفظ مختصرات المتون في هذه العلوم. ويعد فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، شيخه الأول؛ إذ أخذ عنه العلم، معرفة وطريقة، أكثر مما أخذ عن غيره، وتأثر بمنهجه وتأصيله، وطريقة تدريسه، واتباعه للدليل. وعندما كان الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان، رحمه الله تعالى، قاضيًا في عُنَيْزَة، قرأ عليه في علم الفرائض، كما قرأ على الشيخ عبد الرزاق عفيفي، رحمه الله تعالى، في النحو والبلاغة، أثناء وجوده مدرسًا في تلك المدينة. ولما فتح المعهد العلمي في الرياض، أشار عليه بعض إخوانه أن يلتحق به، فاستأذن شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، والتحق بالمعهد عامي 1372-1373هـ. ولقد انتفع، خلال السنتين اللتين انتظم فيهما في معهد الرياض العلمي، بالعلماء الذين كانوا يدرسون فيه حينذاك، ومنهم: العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ الفقيه عبد العزيز بن ناصر بن رشيد، والشيخ المحدث عبد الرحمن الإفريقي، رحمهم الله تعالى. وفي أثناء ذلك اتصل بسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى، فقرأ عليه في المسجد من «صحيح البخاري»، ومن رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتفع به في علم الحديث، والنظر في آراء فقهاء المذاهب والمقارنة بينها. ويعد سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله تعالى، شيخه الثاني في التحصيل والتأثر به. ثم عاد إلى عُنَيْزَة عام 1374هـ، وصار يدرس على شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ويتابع دراسته انتسابًا في كلية الشريعة بالرياض، التي أصبحت جزءًا من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حتى نال الشهادة العالية. تدريسه: توسم فيه شيخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، النجابة وسرعة التحصيل العلمي، فشجعه على التدريس وهو ما زال طالبًا في حلقته، فبدأ التدريس عام 1370هـ في الجامع الكبير بعُنَيْزَة. ولما تخرج في المعهد العلمي في الرياض، عين مدرسًا في المعهد العلمي بعُنَيْزَة عام 1374هـ. وفي سنة 1376هـ توفي شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، فتولى بعده إمامة الجامع الكبير في عُنَيْزَة، وإمامة العيدين فيها، والتدريس في مكتبة عُنَيْزَة الوطنية التابعة للجامع، وهي التي أسسها شيخه، رحمه الله تعالى، عام 1359هـ. ولما كثر الطلبة، وصارت المكتبة لا تكفيهم، بدأ فضيلته، رحمه الله تعالى، يدرس في المسجد الجامع نفسه، واجتمع إليه الطلاب وتوافدوا من المملكة وغيرها، حتى كانوا يبلغون المئات في بعض الدروس. وهؤلاء يدرسون دراسة جادة بهدف التحصيل العلمي، وليس لمجرد الاستماع. وبقي على ذلك، إمامًا وخطيبًا ومدرسًا، حتى وفاته، رحمه الله تعالى. بقي الشيخ مدرسًا في المعهد العلمي من عام 1374هـ إلى عام 1398هـ، عندما انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم، التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وظل أستاذًا فيها حتى وفاته، رحمه الله تعالى. وكان يدرس في المسجد الحرام والمسجد النبوي، في مواسم الحج ورمضان والإجازات الصيفية، منذ عام 1402هـ حتى وفاته، رحمه الله تعالى. وللشيخ، رحمه الله تعالى، أسلوب تعليمي فريد في جودته ونجاحه، فهو يناقش طلابه ويتقبل أسئلتهم، ويلقي الدروس والمحاضرات بهمة عالية، ونفس مطمئنة واثقة، مبتهجًا بنشره للعلم وتقريبه إلى الناس. آثاره العلمية: ظهرت جهوده العظيمة، رحمه الله تعالى، خلال أكثر من خمسين عامًا من العطاء والبذل في نشر العلم والتدريس والوعظ والإرشاد والتوجيه وإلقاء المحاضرات والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولقد اهتم بالتأليف، وتحرير الفتاوى والأجوبة، التي تميزت بالتأصيل العلمي الرصين، وصدرت له العشرات من الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى والخطب واللقاءات والمقالات، كما صدر له آلاف الساعات الصوتية التي سجلت محاضراته وخطبه ولقاءاته وبرامجه الإذاعية ودروسه العلمية في تفسير القرآن الكريم، والشروحات المتميزة للحديث الشريف والسيرة النبوية، والمتون والمنظومات في العلوم الشرعية والنحوية. وإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها فضيلته، رحمه الله تعالى، لنشر مؤلفاته ورسائله ودروسه ومحاضراته وخطبه وفتاواه ولقاءاته؛ تقوم مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، بعون الله تعالى وتوفيقه، بواجب وشرف المسؤولية لإخراج كافة آثاره العلمية والعناية بها. وبناء على توجيهاته، رحمه الله تعالى، أنشئ له موقع خاص على شبكة المعلومات الدولية، من أجل تعميم الفائدة المرجوة، بعون الله تعالى، وتقديم جميع آثاره العلمية من المؤلفات والتسجيلات الصوتية. أعماله وجهوده الأخرى: إلى جانب تلك الجهود المثمرة في مجالات التدريس والتأليف والإمامة والخطابة والإفتاء والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كان لفضيلة الشيخ أعمال كثيرة موفقة، منها: عضويته في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، من عام 1407هـ حتى وفاته. عضويته في المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في العامين الدراسيين 1398-1400هـ. عضويته في مجلس كلية الشريعة وأصول الدين، بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم، ورئاسته لقسم العقيدة فيها. وفي آخر فترة تدريسه بالمعهد العلمي شارك في عضوية لجنة الخطط والمناهج للمعاهد العلمية، وألف عددًا من الكتب المقررة فيها. عضويته في لجنة التوعية في موسم الحج، من عام 1392هـ حتى وفاته، رحمه الله تعالى، حيث كان يلقي دروسًا ومحاضرات في مكة والمشاعر، ويفتي في المسائل والأحكام الشرعية. ترأس جمعية تحفيظ القرآن الكريم الخيرية في عُنَيْزَة منذ تأسيسها عام 1405هـ حتى وفاته. ألقى محاضرات عديدة داخل المملكة العربية السعودية على فئات متنوعة من الناس، كما ألقى محاضرات عبر الهاتف على تجمعات ومراكز إسلامية في جهات مختلفة من العالم. كان من علماء المملكة الكبار الذين يجيبون عن أسئلة المستفسرين عن الأحكام والمسائل؛ عقيدة، وشريعة، وسلوكًا، وذلك عبر البرامج الإذاعية في المملكة العربية السعودية، وأشهرها برنامج «نور على الدرب» من إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية. نذر نفسه للإجابة عن أسئلة السائلين؛ مهاتفة، ومكاتبة، ومشافهة. رتب لقاءات علمية مجدولة؛ أسبوعية، وشهرية، وسنوية. شارك في العديد من المؤتمرات التي عقدت في المملكة العربية السعودية. ولأنه يهتم بالسلوك التربوي والجانب الوعظي، اعتنى بتوجيه الطلاب وإرشادهم إلى سلوك المنهج الجاد في طلب العلم وتحصيله، وعمل على استقطابهم، والصبر على تعليمهم، وتحمل أسئلتهم الكثيرة المتنوعة، والاهتمام بأمورهم. وللشيخ، رحمه الله تعالى، أعمال عديدة في ميادين الخير وأبواب البر ومجالات الإحسان إلى الناس، والسعي في حوائجهم، وكتابة الوثائق والعقود بينهم، وإسداء النصيحة لهم بصدق وإخلاص. مكانته العلمية: يعد فضيلة الشيخ، رحمه الله تعالى، من الراسخين في العلم، الذين وهبهم الله، بمنه وكرمه، تأصيلًا وملكة عظيمة في معرفة الدليل واتباعه، واستنباط الأحكام والفوائد من الكتاب والسنة، وسبر أغوار اللغة العربية معاني وإعرابًا وبلاغة. ولما تحلى به من صفات العلماء الجليلة، وأخلاقهم الحميدة، والجمع بين العلم والعمل، أحبه الناس محبة عظيمة، وقدره الجميع كل التقدير، ورزقه الله القبول لديهم، واطمأنوا لاختياراته الفقهية، وأقبلوا على دروسه وفتاواه وآثاره العلمية، ينهلون من معين علمه، ويستفيدون من نصحه ومواعظه. وقد منح جائزة الملك فيصل، رحمه الله تعالى، العالمية لخدمة الإسلام عام 1414هـ، وجاء في الحيثيات التي أبدتها لجنة الاختيار لمنحه الجائزة ما يأتي: أولًا: تحليه بأخلاق العلماء الفاضلة، التي من أبرزها: الورع، ورحابة الصدر، وقول الحق، والعمل لمصلحة المسلمين، والنصح لخاصتهم وعامتهم. ثانيًا: انتفاع الكثيرين بعلمه؛ تدريسًا، وإفتاء، وتأليفًا. ثالثًا: إلقاؤه المحاضرات العامة النافعة في مختلف مناطق المملكة. رابعًا: مشاركته المفيدة في مؤتمرات إسلامية كثيرة. خامسًا: اتباعه أسلوبًا متميزًا في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقديمه مثلًا حيًّا لمنهج السلف الصالح؛ فكرًا وسلوكًا. عقبه: له خمسة من البنين، وثلاث من البنات، وبنوه هم: عبد الله، وعبد الرحمن، وإبراهيم، وعبد العزيز، وعبد الرحيم. وفاته: توفي، رحمه الله تعالى، في مدينة جدة، قبيل مغرب يوم الأربعاء، الخامس عشر من شهر شوال، عام 1421هـ، وصلي عليه من الغد في المسجد الحرام بعد صلاة العصر، ثم شيعته تلك الآلاف من المصلين والحشود العظيمة في مشاهد مؤثرة، ودفن في مقبرة العدل بمكة المكرمة. وبعد صلاة الجمعة من اليوم التالي صلي عليه صلاة الغائب في جميع مدن المملكة العربية السعودية. رحم الله شيخنا رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، ومن عليه بمغفرته ورضوانه، وجزاه عما قدم للإسلام والمسلمين خير الجزاء. المصدر: القسم العلمي في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه لابن عثيمين PDF - مكتبة الكتب الإسلامية