مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الحدود في الأصول لأبي الوليد الباجي PDF
كتاب الحدود في الأصول لأبي الوليد الباجي PDF

نبذة عن الكتاب:

يُحرِّر أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي في كتاب «الحدود في الأصول» طائفةً واسعة من المصطلحات التي تقوم عليها صناعة أصول الفقه والجدل والنظر، فيَضع لكل مصطلح حدًّا يَقصِد به الجمع والمنع، ثم يَشرح ألفاظ الحد، ويَذكر ما احتيج إليه فيها من احتراز، ويَعرض أحيانًا حدود غيره واعتراضاته عليها، ويُبيِّن أثر الاختلاف في بعض الحدود على الفروع الفقهية أو على طريقة الاستدلال. ولذلك لا يأتي الكتاب في صورة متن أصولي مرتب على أبواب الأدلة والأحكام ترتيبًا تعليميًّا معتادًا، وإنما يَبني مادته من سلسلة متعاقبة من التعريفات التي تُكوِّن بمجموعها جهازًا اصطلاحيًّا لأصول الفقه وما يَتصل به من مباحث العلم والخبر واللغة والقياس والمناظرة.

ويَبدأ الباجي بتعريف «الحد» نفسه بأنه «اللفظ الجامع المانع»، ثم يَشرح أن المحدود ينبغي أن يتميز بما يشتمل على جميع أفراده ويمنع دخول غيره فيه، ويَرد اللفظ إلى أصله العربي في المنع. ويَظهر منذ هذا الموضع منهجه في بقية الكتاب؛ فهو لا يَكتفي بإلقاء الصيغة المختصرة، بل يَفكك ألفاظها ويَبحث لماذا اختير هذا اللفظ دون غيره، وما الذي يَدخله الحد وما الذي يَخرجه، وهل يمكن أن ينتقض طردًا أو عكسًا. وقد يُصرِّح بأن بعض الألفاظ الزائدة في الحد لم تُذكر لضرورة أصل التعريف، وإنما لزيادة البيان أو لمواجهة قول مخالف.

ويَستهل المصطلحات العلمية بتعريف العلم بأنه «معرفة المعلوم على ما هو به»، ثم يُفصِّل سبب اختياره لفظ «المعلوم» بدل «الشيء» حتى لا يخرج المعدوم من متعلقات العلم، ويَرفض جعل الاعتقاد نفسه علمًا؛ لأن الاعتقاد قد يوافق الواقع وقد يخالفه، بينما العلم عنده لا يتعلق بالمعلوم إلا على ما هو عليه. ومن هذه المناقشة يَنتقل إلى العلم الضروري والعلم النظري، فيَجعل الضروري ما يَلزم نفس المخلوق من غير اختيار منه، ويَذكر وقوعه بواسطة الحواس والخبر المتواتر وببعض المعارف الابتدائية التي لا تحتاج إلى استدلال، بينما يَجعل النظري ما احتاج إلى تقدم نظر واستدلال.

ويَتصل بذلك حديثه عن الاعتقاد والجهل والشك والظن والسهو والعقل؛ فيُميِّز الاعتقاد عن العلم بإمكان تيقن المرء ما ليس مطابقًا للواقع، ويَجعل الجهل اعتقاد الشيء على غير ما هو به، ثم يُفرِّق بين الشك والظن بحسب رجحان أحد الاحتمالات: فالشك تجويز أمرين بلا مزية لأحدهما، أما الظن فترجيح أحد الممكنات على غيره مع بقاء احتمال خلافه. ويَشرح كذلك استعمال «الظن» في العربية بمعنى العلم أحيانًا وبمعنى التجويز الراجح أحيانًا أخرى، ثم يَعرض السهو والذهول والفرق بين ما سبقه ذكر وما لم يسبقه.

ويَفرد للعقل مناقشة أطول من مجرد تعريف لفظي؛ فيَعرِّفه بأنه العلم الضروري الذي يقع ابتداءً ويعم العقلاء، ويناقش ما نُقل عن القاضي أبي بكر من تعريفه ببعض العلوم الضرورية، وما نُقل عن أبي عبد الله بن مجاهد من أنه «مادة تعرف بها حقائق الأشياء»، ويَعترض على الصيغ التي يرى أنها لا تميز العقل من غيره تمييزًا صحيحًا. ثم يَبحث محل العقل، فيَختار كونه في القلب، ويَنسب ذلك إلى مالك رضي الله عنه وأهل السنة من المتكلمين، ويَذكر القول بجعله في الرأس، ثم يَربط هذا الخلاف بمسألة فقهية في الجناية إذا أدت الشجة إلى ذهاب العقل، فيُظهِر بذلك أن تحرير الحد قد يترتب عليه أثر فقهي لا مجرد فرق اصطلاحي.

ثم يُعرِّف الفقه بأنه «معرفة الأحكام الشرعية»، ويَناقش تعريفه بمعرفة أحكام المكلفين، مبينًا أن في الفقه أحكامًا تتصل بمن ليس مكلفًا كذلك، وأن إضافة الأحكام إلى المكلفين قد تُدخل في الحد ما لا حاجة إليه. ويَحرص على قصر الفقه عرفًا على الأحكام الشرعية، مع أن أصل اللفظ في اللغة أوسع من ذلك. وبعده يُعرِّف أصول الفقه بأنها «ما انبنت عليه معرفة الأحكام الشرعية»، ويَشرح أن المقصود معرفة أحكام الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والاستثناء والمجمل والمفصل وسائر أنواع الخطاب والنسخ والإجماع والقياس وما يعترض به على الاستدلال وما يُجاب عنه، لأن بهذه الأصول يُتوصَّل إلى استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق.

ويَنتقل من ذلك إلى المصطلحات المتصلة بالدليل والنظر، فيُعرِّف الدليل، والدال، والمستدل، والمستدل عليه، والاستدلال، ويَناقش القول بالتفريق بين «الدليل» الذي يؤدي إلى العلم و«الأمارة» التي تؤدي إلى غلبة الظن. ويرى أن هذا التفريق لا يحقق حقيقة المصطلح على الوجه المطلوب، لأن المجتهد المكلف بالعمل بغلبة الظن قد أدّى فرضه إذا بذل اجتهاده وبلغ ما كُلِّف به. كما يَشرح أن الدليل يصح وصفه بذلك ولو لم يَستدل به أحد؛ لأن دلالته ليست متوقفة على وقوع فعل الاستدلال من شخص معين.

ويُعرِّف البيان بأنه الإيضاح وإزالة اللبس والاحتمال، ثم يَميز الهداية التي بمعنى التوفيق من الهداية التي بمعنى الإرشاد. وبعد هذه المقدمات يَدلف إلى صلب الدلالات اللفظية في أصول الفقه، فيُعرِّف النص بأنه ما بلغ في البيان غايته ولا يحتمل إلا معنى واحدًا، بينما الظاهر ما احتمل أكثر من معنى وكان أحدها أسبق إلى الفهم بسبب الوضع أو العرف أو الاستعمال. وبذلك يُقيم الفرق بين النص والظاهر على مقدار احتمال اللفظ وتعدد وجوه دلالته، وهو فرق يَنعكس لاحقًا على التأويل والاستدلال.

ويُعرِّف العموم بأنه استغراق ما تناوله اللفظ، موضحًا أن اللفظ العام يَحمل على جميع ما يصح دخوله تحته ما لم يرد دليل يخصصه. ثم يَشرح الخصوص والتخصيص، ويَفرِّق بين مجرد ورود لفظ خاص يتناول بعض أفراد العام وبين ورود حكم خاص يخرج بعض أفراد العام من حكمه. ويَضرب أمثلة من النصوص الشرعية لتوضيح هذا الفرق، فيُظهِر أن عنايته ليست بالمصطلح وحده بل بعمله داخل بناء الدلالة الفقهية.

ويَعرض المجمل بوصفه ما لا يُفهم المراد منه من لفظه ويفتقر إلى بيان من غيره، ويَذكر أن الأمر بالمجمل لا يمكن امتثاله على وجه معين حتى يأتي ما يحدد جنسه أو قدره أو صفته. ويُقابله بالمفسر الذي يُفهم المراد به من نفس لفظه ولا يحتاج في بيانه إلى غيره. ثم يُعرِّف المحكم باعتبارين: فقد يُستعمل في المفسر الذي استحكم بيانه، وقد يُراد به ما لم ينسخ. أما المتشابه فيَجعله المشكل الذي يحتاج تعيين المراد منه إلى فكر وتأمل بسبب تقارب وجوه الاحتمال فيه.

ويُفرِّق بين المطلق والمقيد؛ فالمطلق عنده لفظ يقع على شيء يمكن وجوده على صفات متعددة من غير أن يُقيد ببعضها، ويُمثِّل له بالرقبة في كفارة الظهار، بينما يكون المقيد إذا أضيف إلى اللفظ وصف يميز بعض أفراده، كما في تقييد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل. ثم يُعرِّف التأويل بأنه صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله، ويَشترط لذلك وجود دليل يصرف عن المعنى الأظهر؛ لأن الأصل عند ورود اللفظ حمله على ظاهره ما لم يَقُم ما يقتضي العدول عنه.

ويَتناول النسخ بتحديد دقيق، فيَجعله إزالة الحكم الثابت بشرع متقدم بشرع متأخر على وجه لولا الناسخ لبقي الحكم الأول ثابتًا. ويَحتاط في ألفاظ هذا الحد حتى يُخرج انتهاء الحكم بانتهاء مدته؛ فليس كل ورود حكم بعد حكم نسخًا، وإنما النسخ رفع لحكم كان من شأنه الاستمرار لولا الدليل المتأخر. كما يَختار لفظ «الشرع» بدل «القول» حتى يشمل النسخ الواقع بالأقوال والأفعال على اختلاف صوره.

ويَبحث «دليل الخطاب» ـ أي مفهوم المخالفة ـ فيُعرِّفه بقصر حكم المنطوق على ما تناوله والحكم للمسكوت عنه بخلافه، ثم لا يَكتفي بالتعريف، بل يَصرِّح برفض الاحتجاج به على هذه الصورة. ويَذكر مثال الحديث في زكاة السائمة، ثم يقرر أن الحكم المنصوص يثبت للمنطوق بالنص، أما المسكوت عنه فلا يُثبت له حكم مماثل ولا مخالف بمجرد ذلك النص، بل يجب طلب دليله من موضع آخر. وهذا من المواضع التي يتحول فيها كتاب الحدود من قاموس للمصطلحات إلى بيان لموقف الباجي الأصولي نفسه.

ويُعرِّف لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب، ثم يَنتقل إلى الحقيقة والمجاز؛ فيجعل الحقيقة كل لفظ بقي على موضوعه الأول، والمجاز ما جُوِّز به عن موضوعه إلى معنى آخر مع بقاء الاستعمال عربيًّا صحيحًا. وبعد ذلك يَحد الأمر بأنه اقتضاء المأمور به بالقول على وجه الاستعلاء والقسر، ويُميِّزه من الإباحة لأن المبيح يأذن في الفعل ولا يطلبه، ومن الشفاعة والرغبة لأن طلبهما يكون على وجه الخضوع لا الاستعلاء.

ويَتصل بالأمر تعريفه للواجب والمندوب والمباح؛ فيَجعل الواجب ما استحق تاركه العقاب من حيث الترك على الوجه المقصود، ويحتاط لإخراج الواجب المخير الذي يجوز ترك بعض أفراده عند الإتيان ببدله. ثم يُناقش التفريق بين الفرض والواجب، ويرد ما يَنسبه إلى الحنفية من جعل الفرض لما ثبت بالقرآن والواجب لما ثبت بالسنة، كما يناقش تعريفات أخرى، ثم يختار أن الواجب والفرض سواء. ويَجعل المندوب مأمورًا به مع وجود الثواب في فعله وعدم العقاب على تركه، بينما المباح ما ثبت بالشرع ألا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه من حيث ذاته.

ويُدرج بعد ذلك تعريف السنة والعبادة والحسن والظلم والجائز والشرط، فتتسع دائرة الكتاب من الاصطلاح الأصولي المحض إلى مصطلحات فقهية وكلامية يحتاج إليها الأصولي. فالسنة عنده ما رُسم ليُحتذى، والعبادة طاعة الله تعالى والتذلل له باتباع ما شرع، ويَربط الحسن والقبح بالشرع لا بمجرد إدراك العقل، ثم يُعرِّف الشرط بأنه ما يَعدم الحكم بعدمه ولا يوجد الحكم بمجرد وجوده، ويُمثِّل لذلك بالطهارة التي يَعدم معها حكم صحة الصلاة عند فقدها، مع أن وجود الطهارة وحده لا يستلزم وجود الصلاة.

ويَجعل للخبر وما يتعلق به حيزًا واضحًا، فيُعرِّف الخبر والصدق والتواتر، ويَربط الخبر المتواتر بوقوع العلم الضروري بمخبره من جهة الخبر نفسه. ثم يَنتقل إلى مصطلحات الرواية؛ فيُعرِّف المسند بما اتصل إسناده، والمرسل بما سقط من رواته راوٍ أو أكثر، والموقوف بما انتهى إلى الصحابي رضي الله عنه أو غيره من الرواة ولم يبلغ به إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويُنبه إلى أن هذه الحدود مبنية على اصطلاح أهل الصناعة واستعمالهم الخاص للألفاظ، لا على جميع ما تحتمله اللغة.

ويُعرِّف الإجماع بأنه اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة، ثم يَنبه إلى أن صيغة الحد نفسها تختلف باختلاف الموقف من انعقاد الإجماع بعد تقدم الخلاف؛ فمن منع ذلك احتاج عنده إلى زيادة قيد يمنع دخول الصورة المختلف فيها سابقًا. ثم يَنتقل إلى التقليد فيجعله التزام حكم المقلَّد من غير دليل، ويَفرِّقه من اتباع قول العالم بناءً على حجة. وبعده يأتي الاجتهاد باعتباره بذل الوسع في طلب صواب الحكم، مع تنبيهه إلى أن صياغة الحد تختلف تبعًا للخلاف في مسألة «هل كل مجتهد مصيب أم الحق في واحد؟»؛ فإذا قيل إن كل مجتهد مصيب تغير مضمون الحد بما يوافق هذا الأصل.

ويَتصل بالاجتهاد تعريفه للرأي، فيَفرِّق بينه وبين الاجتهاد بأن الاجتهاد هو عملية طلب الصواب، أما الرأي فهو اعتقاد إدراك الصواب بعد النظر. ثم يَقف طويلًا عند الاستحسان، فيَعرض عدة تأويلات له داخل المذهب، ومنها تفسيره بالأخذ بأقوى الدليلين أو تخصيص العام، ويَناقش هذه التفسيرات ويرى أن بعضها في الحقيقة داخل في الترجيح أو بناء العام على الخاص لا في الاستحسان. ثم يَعرض صورًا يستعمل فيها الفقهاء لفظ الاستحسان، ويَقرر أن الواجب فيما لا نص فيه ولا إجماع اتباع مقتضى الأدلة، وأن القياس الصحيح لا يجوز تركه لمجرد استحسان لا يقوم عليه دليل.

ويُعرِّف الذرائع بما يُتوصَّل به إلى محظور العقود من إبرام عقد أو حله، ثم يَضرب أمثلة من البيوع التي يُتخذ فيها عقدان في الظاهر طريقًا إلى نتيجة ممنوعة في الباطن، كالتوصل إلى الربا بصورة بيع وشراء. ويَكشف هذا الموضع عن صلة الحدود عند الباجي بالمذهب المالكي وتطبيقاته؛ فالمصطلح لا يُشرح بعبارة منطقية فحسب، بل تُستخرج دلالته من صور فقهية عملية يُعرَف بها مناط استعماله.

ويُفصِّل بعد ذلك في القياس، فيَحده بأنه حمل أحد المعلومين على الآخر في إثبات حكم أو إسقاطه بأمر يجمع بينهما. ويُفسِّر «المعلومين» بما يشمل الموجود والمعدوم، ويَجعل حمل الفرع على الأصل متوقفًا على علة مشتركة، مؤكدًا أن مجرد القول «أقيس كذا على كذا» من غير جامع معتبر ليس قياسًا أصلًا. ثم يُعرِّف أركانه تباعًا: الأصل، والفرع، والحكم، والعلة، ويَشرح وظيفة كل منها بضرب الأمثلة الفقهية.

ويَجعل الأصل ما قيس عليه الفرع بصلة مستنبطة منه، والفرع ما حُمِل على الأصل بتلك الصلة، والحكم الوصف الثابت للمحكوم فيه، والعلة الوصف الجالب للحكم. ويُبيِّن ذلك بأمثلة من الربا والطهارة وغيرها، ويَفرِّق بين العلة المتعدية التي توجد في الأصل وغيره فتسمح بإلحاق الفروع، والعلة الواقفة التي تختص بالأصل ولا تتعداه. ويَذكر اختلاف المذاهب في بعض علل الربا مثالًا على كيفية تغير امتداد القياس بتغير تعيين العلة نفسها.

ولا يقف في مباحث القياس عند أركانه، بل يُدخل مصطلحات الاعتراض والمناظرة التي تُستعمل في اختبار صحة القياس، فيَعرض القلب والمعارضة وغيرها. فالقلب عنده مشاركة الخصم للمستدل في دليله بحيث يُعاد استعمال العلة نفسها لإثبات ضد مقصوده أو لإفساد دلالته، ويُمثِّل لذلك بمسائل في الخيار والزكاة. أما المعارضة فهي أن يقابل الخصم دليل المستدل بدليل مثله أو أقوى منه، بحيث لا يبقى للمستدل ترجيح إلا إذا أثبت مزية لدليله.

ويُعرِّف الترجيح بأنه بيان مزية أحد الدليلين على الآخر، فيجعله المرحلة التي يُجيب بها المستدل عن معارضة مساوية أو قوية، ويَنقل بذلك الكتاب من مجرد تعريف القياس إلى وصف حركة المناظرة نفسها: دليل يُقام، واعتراض يُوجَّه، ومعارضة تُقابل، وترجيح يُطلب. ثم يُنهي المصطلحات بـ«الانقطاع»، وهو عجز أحد المتناظرين عن تصحيح قوله، ويُناقش تعريفه بالعجز عن نصرة الدليل لكونه لا يشمل انقطاع السائل الذي قد يعجز عن تصحيح اعتراضه لا عن نصرة دليل مستقل.
ويَتميز «الحدود في الأصول» بأنه لا يَجمع المصطلحات على طريقة معجم يكتفي بذكر تعريف موجز، بل يَجعل الحد نفسه موضعًا للتحرير والنقد؛ فيُبيِّن سبب اختيار ألفاظه، وما يَدخل فيه وما يَخرج عنه، ويَعرض بعض الحدود المخالفة ويختبرها بالطرد والعكس، ويَربط عددًا من المصطلحات بآثارها الفقهية أو بمواقع استعمالها في الاستدلال والمناظرة. ولذلك يَجمع الكتاب بين ضبط لغة الأصوليين وبيان المواقف الأصولية للباجي في مسائل مثل دليل الخطاب، والاستحسان، والقياس، والعلة، وطرق الاعتراض والترجيح.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي
الإمام العلامة الحافظ، ذو الفنون، القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التُّجِيبِي الأندلسي القرطبي البَاجِي الذهبي، صاحب التصانيف. أصله من مدينة بَطَلْيَوْس، فتحول جده إلى بَاجَة، بليدة بقرب إشبيلية، فنسب إليها، وما هو من بَاجَة المدينة التي بإفريقية التي ينسب إليها الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي البَاجِي، وابنه الحافظ الأوحد أبو عمر أحمد بن عبد الله بن البَاجِي، وهما من علماء الأندلس أيضًا. ولد أبو الوليد في سنة ثلاث وأربعمائة. وأخذ عن: يونس بن مغيث، ومكي بن أبي طالب، ومحمد بن إسماعيل، وأبي بكر محمد بن الحسن بن عبد الوارث. وارتحل سنة ست وعشرين، فحج، ولو مدها إلى العراق وأصبهان لأدرك إسنادًا عاليًا، ولكنه جاور ثلاثة أعوام، ملازمًا للحافظ أبي ذر، فكان يسافر معه إلى السَّرَاة، ويخدمه، فأكثر عنه، وأخذ علم الحديث والفقه والكلام. ثم ارتحل إلى دمشق، فسمع من: أبي القاسم عبد الرحمن بن الطَّبِيز، والحسن بن السَّمْسَار، والحسن بن محمد بن جميع، ومحمد بن عوف المُزَنِي. وارتحل إلى بغداد، فسمع عمر بن إبراهيم الزُّهْرِي، وأبا طالب محمد بن محمد بن غَيْلَان، وأبا القاسم الأَزْهَرِي، وعبد العزيز بن علي الأَزَجِي، ومحمد بن علي الصُّورِي الحافظ، وصحبه مدة، ومحمد بن عبد الواحد بن رِزْمَة، والحسن بن محمد الخَلَّال، وخلقًا سواهم. وتفقه بالقاضي أبي الطيب الطبري، والقاضي أبي عبد الله الصَّيْمَرِي، وأبي الفضل بن عَمْرُوس المالكي. وذهب إلى الموصل، فأقام بها سنة على القاضي أبي جعفر السِّمْنَانِي المتكلم، صاحب ابن البَاقِلَّانِي، فبرز في الحديث والفقه والكلام والأصول والأدب. فرجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة بعلم غزير، حصله مع الفقر والتقنع باليسير. حدث عنه: أبو عمر بن عبد البر، وأبو محمد بن حزم، وأبو بكر الخطيب، وعلي بن عبد الله الصِّقِلِّي، وأبو عبد الله الحُمَيْدِي، وأحمد بن علي بن غَزْلُون، وأبو علي بن سُكَّرَة الصَّدَفِي، وأبو بكر الفِهْرِي الطُّرْطُوشِي، وابنه الزاهد أبو القاسم بن سليمان، وأبو علي بن سهل السَّبْتِي، وأبو بحر سفيان بن العاص، ومحمد بن أبي الخير القاضي، وخلق سواهم. وتفقه به أئمة، واشتهر اسمه، وصنف التصانيف النفيسة. قال القاضي عياض: أجر أبو الوليد نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب للغزل، ويعقد الوثائق. قال لي أصحابه: كان يخرج إلينا للإقراء وفي يده أثر المطرقة، إلى أن فشا علمه، وهيئت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته، حتى توفي عن مال وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسلهم، ويقبل جوائزهم، ولي القضاء بمواضع من الأندلس، وصنف كتاب «المنتقى في الفقه»، وكتاب «المعاني في شرح الموطأ»، فجاء في عشرين مجلدًا، عديم النظير. قال: وقد صنف كتابًا كبيرًا جامعًا، بلغ فيه الغاية، سماه «الاستيفاء»، وله كتاب «الإيماء في الفقه» خمس مجلدات، وكتاب «السراج في الخلاف» لم يتم، و«مختصر المختصر في مسائل المدونة»، وله كتاب في اختلاف الموطآت، وكتاب في الجرح والتعديل، وكتاب «التسديد إلى معرفة التوحيد»، وكتاب «الإشارة في أصول الفقه»، وكتاب «إحكام الفصول في أحكام الأصول»، وكتاب «الحدود»، وكتاب «شرح المنهاج»، وكتاب «سنن الصالحين وسنن العابدين»، وكتاب «سبل المهتدين»، وكتاب «فرق الفقهاء»، وكتاب «التفسير» لم يتمه، وكتاب «سنن المنهاج وترتيب الحجاج». قال الأمير أبو نصر: أما البَاجِي ذو الوزارتين ففقيه متكلم، أديب شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام، وصنف. إلى أن قال: وكان جليلًا رفيع القدر والخطر، قبره بالمَرِيَّة. وقال القاضي أبو علي الصَّدَفِي: ما رأيت مثل أبي الوليد البَاجِي، وما رأيت أحدًا على سمته وهيئته وتوقير مجلسه. ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم أحمد، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي، فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس. فقال: لعله ابن البَاجِي؟ قلت: نعم. فأقبل عليه. قال القاضي عياض: كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته للرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره كأُورِيُولَة، فكان يبعث إليها خلفاءه، وربما أتاها المرة ونحوها. وكان في أول أمره مقلًّا، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، وإيجار نفسه مدة مقامه ببغداد، فيما سمعته مستفيضًا، لحراسة درب، وقد جمع ولده شعره. وكان ابتدأ بكتاب «الاستيفاء» في الفقه، لم يضع منه سوى كتاب الطهارة في مجلدات. قال لي: ولما قدم من الرحلة إلى الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلا أنه كان خارجًا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة مَيُورْقَة، فرأس فيها، واتبعه أهلها. فلما قدم أبو الوليد، كلموه في ذلك، فدخل إلى ابن حزم، وناظره، وشهر باطله. وله معه مجالس كثيرة. قال: ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في «صحيح البخاري»، قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصَّائِغ، وكفره بإجازته الكتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي الأمي، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال: إن رسول الله قد كتبا فصنف القاضي أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة. قلت: يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب اسمه ليس إلا، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًّا، وما من كتب اسمه من الأمراء والولاة إدمانًا للعلامة يعد كاتبًا، فالحكم للغالب لا لما ندر، وقد قال عليه السلام: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب»، أي لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلًا. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. فقوله عليه السلام: «لا نحسب» حق، ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب، وقسم الفيء، وقسمة المواريث بالحساب العربي الفطري، لا بحساب القبط ولا الجبر والمقابلة، بأبي هو ونفسي صلى الله عليه وسلم. وقد كان سيد الأذكياء، ويبعد في العادة أن الذكي يملي الوحي وكتب الملوك وغير ذلك على كتابه، ويرى اسمه الشريف في خاتمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطول، ولا يخرج بذلك عن أميته. وبعض العلماء عد ما كتبه يوم الحديبية من معجزاته؛ لكونه لا يعرف الكتابة وكتب. فإن قيل: لا يجوز عليه أن يكتب، فلو كتب لارتاب مبطل، ولقال: كان يحسن الخط، ونظر في كتب الأولين. قلنا: ما كتب خطًّا كثيرًا حتى يرتاب به المبطلون، بل قد يقال: لو قال مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه: لا أعرف أن أكتب اسمي الذي في خاتمي، لارتاب المبطلون أيضًا، ولقالوا: هو غاية في الذكاء، فكيف لا يعرف ذلك؟ بل عرفه، وقال: لا أعرف. فكان يكون ارتيابهم أكثر وأبلغ في إنكاره، والله أعلم. وأما الحافظ أبو القاسم بن عساكر، فذكر أن أبا الوليد قال: كان أبي من بَاجَة القيروان، تاجرًا يختلف إلى الأندلس. قلت: فعلى هذا هو وأبو عمر بن البَاجِي وآله كلهم من بَاجَة القيروان، فالله أعلم. ومن نظم أبي الوليد: إذا كنت أعلم علمًا يقينًا بأن جميع حياتي كساعة فلم لا أكون ضنينًا بها وأجعلها في صلاح وطاعة أخبرنا ابن سلامة كتابة، عن القاسم بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا رَزِين بن معاوية بمكة، أخبرنا الفقيه علي بن عبد الله الصِّقِلِّي بمكة، حدثنا أبو الوليد القاضي، حدثنا يونس بن عبد الله القرطبي، حدثنا يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن يحيى بن يحيى، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبَطْحَاء التي بذي الحُلَيْفَة، وصلى بها. كذا رواه ابن عساكر. أنبأنا ابن عَلَّان وجماعة، عن أبي طاهر الخُشُوعِي، عن أبي بكر محمد بن الوليد الفِهْرِي. ح، وأخبرنا عبد المؤمن بن خلف الحافظ، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الوهاب الزُّهْرِي، أخبرنا جدي أبو الطاهر بن عوف، أخبرنا محمد بن الوليد الفِهْرِي، أخبرنا أبو الوليد سليمان بن خلف، أخبرنا يونس بن عبد الله مناولة، أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله اللَّيْثِي، أخبرنا عم أبي عبيد الله بن يحيى بن يحيى، أخبرنا أبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله». وسمعته عاليًا من أحمد بن هبة الله، عن المؤيد بن محمد، أخبرنا هبة الله بن سهل، أخبرنا سعيد بن محمد، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مُصْعَب، حدثنا مالك بهذا. وسمعناه في جزء أبي الجهم من حديث الليث، عن نافع. قال أبو علي بن سُكَّرَة: مات أبو الوليد بالمَرِيَّة في تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة، فعمره إحدى وسبعون سنة سوى أشهر، فإن مولده في ذي الحجة من سنة ثلاث وأربعمائة. ومات معه في العام مسند العراق أبو القاسم علي بن أحمد بن البُسْرِي البُنْدَار، وشيخ المالكية بسَبْتَة أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن العَجُوز الكُتَامِي، ومحدث نيسابور أبو بكر محمد بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن المُزَكِّي، ومُعَمَّر بغداد أبو بكر أحمد بن هبة الله بن صدقة الدَّبَّاس. وكان يذكر أن أصوله على أبي الحسين بن سَمْعُون والمُخَلِّص ذهبت في النهب. أخبرنا محمد بن عبد الكريم المقرئ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد سنة خمس وثلاثين، أخبرنا أبو الطاهر إسماعيل بن مَكِّي الزُّهْرِي قراءة عليه سنة 572، أخبرنا أبو بكر الفِهْرِي، أخبرنا أبو الوليد البَاجِي، أخبرنا يونس بن عبد الله القاضي، أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله، عن عم أبيه عبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس، أنه سمعه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، صلى الله عليه وسلم. المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف