
نبذة عن الكتاب:
يفصّل أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي في كتاب «التبصرة في أصول الفقه» مسائل هذا العلم من خلال بناء جدلي يقوم على تحرير محل النزاع ثم إثبات المختار بالدليل ومناقشة حجج المخالفين والجواب عنها، ولذلك تتتابع مسائله في صورة دقيقة تبدأ بتقرير الحكم الأصولي ثم حكاية الأقوال المقابلة وسوق الأدلة والاعتراضات. ويبدأ الشيرازي بمسائل الأمر والنهي، فيعرف الأمر بأنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، ويفصل بين حقيقة الأمر وبين إرادة الآمر للفعل، مستدلًا بقصة أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إسماعيل عليه السلام، كما يعتمد في تحرير دلالات الصيغ على استعمال العرب وتقسيم أهل اللسان للكلام إلى أمر ونهي وخبر واستخبار.
ويقرر أن للأمر صيغة موضوعة في اللغة هي «افعل»، وأنها إذا تجردت من القرائن اقتضت الوجوب، ثم يتتبع ما يعرض لهذه الدلالة من أحوال؛ فيبحث الأمر بعد الحظر، وهل يقتضي التكرار أو تكفي فيه مرة واحدة، وهل يقتضي الفور، وما يتعلق بالأمر المؤقت، والقضاء بعد فوات الوقت، ودلالة الأمر على إجزاء المأمور به وسقوط الطلب عند الإتيان بالفعل على الوجه الذي تناوله الخطاب. ولا يعالج هذه الفروع اللفظية منفصلة عن آثارها الفقهية، بل يختبر كل أصل بالأمثلة من الصلاة والصوم والحج والوكالة وسائر الأحكام، مع التفريق المستمر بين ما تدل عليه الصيغة بنفسها وما يثبت بقرينة أو بدليل زائد.
ويتوسع في دلالات الألفاظ من خلال العموم والخصوص، فيثبت للألفاظ العامة مقتضاها ويبحث وجوه تخصيصها بالكتاب والسنة وخبر الواحد والقياس والأدلة العقلية، ويفرق بين التخصيص والنسخ؛ فالتخصيص عنده بيان لما أريد باللفظ العام لا إسقاط له من أصله. ويقرر أن اللفظ العام الوارد بسبب خاص يبقى على عمومه إذا كان مستقلًا بنفسه ولا يقتصر حكمه على سببه، وإذا تقابل خاص وعام بُني العام على الخاص ما دام الجمع بينهما ممكنًا. ويتناول كذلك الاستثناء وشروط اتصاله وما يصح استثناؤه، ثم ينتقل إلى المجمل والمفصل والحقيقة والمجاز، مثبتًا وقوع المجاز في القرآن ومبينًا صوره من الزيادة والنقص والتقديم والتأخير والاستعارة.
ويبحث البيان من جهة وقته وصلته بالمجمل والعام، ويميز بين ما يجب اتصاله بالكلام كالاستثناء وبين الدليل المستقل الذي يمكن تأخيره إلى وقت الحاجة، لأن البيان إنما يجب عند الحاجة إلى العمل حتى يقع الفعل على الوجه المراد. ثم يعالج المطلق والمقيد، فلا يجعل مجرد ورود القيد في حكم سببًا لغويًا كافيًا لنقله إلى حكم آخر مختلف، بل يفتقر الجمع بينهما عند اختلاف الحكم إلى دليل. ويناقش «دليل الخطاب» فيقرر أن تعليق الحكم على صفة يدل على مخالفة ما عداها، ويستدل لذلك باستعمال الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبما تقتضيه إضافة الصفة في كلام العرب من التمييز بين الموصوف وغيره.
ويفرد لأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم مسائل تبين كيفية الاستدلال بها، فيقرر أن ما عُلم أنه فعله على وجه الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة تشاركه الأمة فيه ما لم يقم دليل على الخصوص، مستندًا إلى الأمر بالاتباع وإلى رجوع الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى أفعاله في معرفة الأحكام. أما الفعل الذي لم يعلم الوجه الذي صدر عليه فيتوقف في تحديد حكمه حتى يقوم الدليل، فلا ينقل بمجرد وقوعه إلى الوجوب أو الندب دون مستند يبين صفته.
ويعالج النسخ بوصفه أصلًا مستقلًا، فيثبت جوازه عقلًا وشرعًا، ويناقش الاعتراض القائل بأن تغير الحكم يقتضي البداء، فيقرر أن الناسخ لا يكشف علمًا حادثًا لله تعالى وإنما يرفع الحكم في الوقت الذي سبق العلم بتحديده. ويجيز أن يكون النسخ إلى مثل الحكم الأول أو إلى أخف منه أو أشد، كما يجيز نسخ الأمر قبل حلول وقت فعله، ويعود في ذلك إلى قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإلى إمكان تعلق التكليف بالاعتقاد والعزم قبل وقوع الفعل. ويفصل بعد ذلك في الأدلة التي يقع بها النسخ، فلا يجيز نسخ القرآن بالسنة ولو كانت متواترة، ويجيز في أحد القولين نسخ السنة بالقرآن، ولا يجيز النسخ بالقياس، كما يناقش أثر نسخ الأصل في الفروع المقيسة عليه ويفرق بين الزيادة على النص وبين حقيقة نسخه.
وينتقل إلى الأخبار فيبدأ من دلالة صيغة الخبر نفسها، ثم يبحث المتواتر وما يحصل به العلم، وأخبار الآحاد وشروط قبولها ووجوب العمل بها. ويفرق بين كون مضمون خبر الواحد ظنيًا وبين كون وجوب العمل بالخبر المقبول ثابتًا بالدليل، ولذلك لا يرى في العمل به إزالة لليقين بمجرد الشك. ويقرر قبول خبر الواحد ولو انفرد بروايته شخص واحد، محتجًا بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم رسله وعماله وقضاته أفرادًا، وبعمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأخبار الآحاد، ولا يشترط العدد الذي اشترطه بعض المخالفين.
ويمضي في تفصيل أحوال الرواية، فيقبل خبر الواحد في المسائل التي تعم بها البلوى كما يقبله في غيرها، ويقدمه على القياس عند التعارض لأن الخبر تصريح بالنقل عن صاحب الشرع والقياس استنباط لقصده بطريق الظن. كما يقبل زيادة الثقة إذا لم تناف رواية غيره، ولا يجعل إرسال أحد الراويين للحديث أو وقفه قادحًا في رواية من وصله أو رفعه. وفي المقابل لا يحتج بمراسيل غير الصحابة رضي الله تعالى عنهم لجهالة حال الواسطة، ويقبل مراسيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم على المذهب الذي يقرره، ويعامل قول الصحابي رضي الله تعالى عنه «أمرنا» أو «نهينا» أو «من السنة كذا»، وكذلك قوله «كنا نفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، معاملة الرواية المسندة في دلالتها على السنة.
ويثبت في مسائل الإجماع أن اتفاق العلماء على حكم الحادثة حجة مقطوع بها، ويناقش منكري حجيته من النظام والإمامية، مستدلًا بالنصوص وبما يدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين. ثم يفصل فيمن ينعقد بهم الإجماع وما يقع فيه الإجماع وما يترتب على استقرار أقوال المجتهدين، ومن ذلك أنه إذا استقر خلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؛ لأن حصرهم الخلاف في القولين يتضمن إبطال ما عداهما، وإن بقي الاجتهاد جائزًا في طلب الصواب من أحد القولين.
ويبحث التقليد ابتداءً من التفريق بين أصول الدين وفروعه، فيمنع التقليد في أصول الديانات لأن المطلوب فيها العلم والقطع، ولا يحصل ذلك بمجرد قول المقلَّد، بينما تقوم الفروع في كثير من طرقها على الظن ويشق إلزام العامة بالإحاطة بالكتاب والسنة والإجماع والقياس وطرق الاستنباط. كما يمنع العالم القادر على النظر من تقليد عالم آخر، لأن امتلاكه آلة الاجتهاد يوجب عليه الرجوع إلى الدليل لا العدول عن نظره إلى نظر غيره، ويفصل في دعوى جواز تقليد الأعلم وفي الفرق بين حال المجتهد وحال العامي الذي لا يملك طريق الاستقلال بالنظر.
ويجعل القياس من أوسع مباحث الكتاب، فيبدأ بإثبات النظر والاستدلال طريقًا للتمييز بين الحق والباطل، ثم يثبت جواز التعبد بالقياس في الأحكام الشرعية ويرد اعتراضات النظام ومن وافقه. ويقرر أن العلل الشرعية ليست عللًا موجبة للأحكام بذواتها على نحو العلل العقلية، وإنما هي أمارات نصبها الشرع للدلالة على الأحكام، ومن ثم يجوز أن تعرف العلة بدليل ثم يحمل الفرع على الأصل عند تحققها. وبعد تقرير الجواز يثبت وقوع التعبد بالقياس فعلًا، مستدلًا بحديث معاذ، وباجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبكتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في قياس الأمور ومعرفة الأشباه والنظائر، ويفسر ما ورد عن السلف في ذم الرأي بأنه ذم للرأي المخالف للنص لا للقياس المستند إلى أصول الشرع.
ولا يقف عند إثبات أصل القياس، بل يتوغل في صناعة العلة وشروطها وطرق الاعتراض عليها؛ فيقرر أن القياس لا يصح حتى تثبت علة الأصل، وأن تنصيص صاحب الشرع على العلة يقتضي إجراء الحكم حيث وجدت. ويجيز القياس في الحدود والكفارات والمقدرات متى ثبتت العلة بطريق معتبر، كما يجيز ابتداء حكم بالقياس وإن لم يسبق نص على جنسه إجمالًا إذا لم يصادم نصًا أو إجماعًا. ثم يناقش تأثير العلة وطردها ونقضها وتخصيصها، فيرفض تخصيص العلة المستنبطة ويعد وجودها دون حكم نقضًا لها، ويتتبع دقائق المناظرة من المعارضة والنقض والقلب وقلب التسوية، وما يجوز للسائل والمسؤول الاحتجاج به على أصول كل منهما.
ويفصل في تعارض العلل ومراتب الترجيح بينها، فيبحث تقديم العلة الناقلة عن حكم الأصل على المبقية عليه، وما إذا تعارضت علة للحظر وأخرى للإباحة، أو علة لإثبات الحد وأخرى لإسقاطه، ويرجح بعض العلل بكثرة فروعها أو قلة أوصافها أو تعدد الأصول التي تشهد لها، كما يناقش المفاضلة بين الصفات الذاتية والأحكام في بناء العلل. ومن خلال هذه المسائل يظهر أن الترجيح عنده ليس اختيارًا ذوقيًا، وإنما طلب لمزية معتبرة تزيد أحد الدليلين قوة على الآخر.
ويناقش الاستحسان بقدر كبير من التحرير، فيبطل منه ما فسر بأنه ترك القياس لما يستحسنه الإنسان من غير دليل، لأن ذلك يفتح الحكم الشرعي للرأي المجرد ويجعل العالم والعامي في الاستحسان سواء. لكنه يقرر أنه إن أريد بالاستحسان العدول عن حكم النظائر لدليل يخص المسألة أو العمل بأقوى الدليلين فلا نزاع في صحة المعنى، إذ يجب ترك الدليل الأضعف للأقوى، وإنما يبقى الخلاف في تحقق هذا الدليل في التطبيقات التي تسمى استحسانًا.
ويعقد بعد ذلك مسائل الاجتهاد، فيقرر أن الحق في أصول الديانات واحد، ثم يطرد هذا الأصل في الفروع فيجعل الحق من أقوال المجتهدين واحدًا له دليل يجب طلبه، خلافًا لمن جعل كل مجتهد مصيبًا. ولهذا لا يجيز تكافؤ دليلين في الحادثة تكافؤًا تامًا، بل لا بد عنده من مزية ترجح أحدهما. ويتصل بذلك بحثه الدقيق لأقوال الشافعي رحمه الله؛ فيبين أن تخريج المسألة على قولين لا يعني اعتقاد قولين متضادين في وقت واحد، فقد يكون أحدهما قديمًا رجع عنه في الجديد، أو يذكر القولين ويبين ترجيح أحدهما، أو يذكرهما لكون وجوه النظر قد تزاحمت ولم يتبين له الترجيح قبل وفاته. ويرفض نسبة قول إلى الشافعي رحمه الله لمجرد إمكان تخريجه على أصوله إذا لم ينص عليه أو يدل عليه بما يقوم مقام النص، مؤكدًا أن القول لا ينسب إلى ساكت.
ويتناول الاجتهاد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيجيزه، كما يقرر جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام في الحوادث التي لها مجال للاجتهاد، ويناقش إمكان وقوع الخطأ في اجتهاده صلى الله عليه وسلم مع عدم إقراره عليه وتنبيه الوحي إليه. ثم يبحث استصحاب حكم الإجماع في موضع الخلاف فلا يجعله دليلًا، لأن محل الخلاف غير المحل الذي انعقد فيه الإجماع، ويفرق بين ذلك وبين استصحاب براءة الذمة حيث يبقى دليل العقل قائمًا. ويقرر كذلك أن من يقطع بنفي حكم فعليه دليل كما أن المثبت يحتاج إلى دليل، وقد يكون عدم الدليل نفسه طريقًا إلى نفي الوجوب إذا كان من شأن التكليف الشرعي أن ينصب طريقًا لمعرفة ما أوجبه.
ويصل في آخر مسائله إلى حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، فيختار الوقف فلا يحكم لها بالإباحة ولا بالحظر، لأن الإباحة والحظر حكمان شرعيان ولا مزية لأحدهما قبل ورود الدليل. ويرد القول بالحظر والقول بالإباحة معًا، مبينًا أن ورود الشرع تارة بالتحريم وتارة بالإباحة يدل على أن العقل لم يوجب قبل الشرع واحدًا منهما، وأن الوقف ليس حكمًا ثالثًا من جنس التحليل والتحريم، وإنما هو امتناع عن إثبات واحد منهما حتى يرد ما يكشف الحكم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














