
نبذة عن الكتاب:
يبدأ أبو المعالي إمام الحرمين الجويني كتاب «البرهان في أصول الفقه» بتحديد حقيقة علم أصول الفقه والمواد التي يستمد منها قبل الدخول في تفاصيل الأدلة، فيجعل أصول الفقه مستمدة من الكلام والعربية والفقه، لأن النظر في الأدلة الشرعية يفتقر إلى معرفة ما يثبت بالعقل وما يثبت بالسمع، وإلى إحكام دلالات اللسان العربي، وإلى تصور الأحكام الفقهية التي يراد إقامة الأدلة عليها. ويقرر أن أخبار الآحاد والأقيسة لا توجب العلم بذواتها، وإنما يثبت وجوب العمل عند قيامها بدليل قاطع، وهي قاعدة تتكرر في الكتاب كله عند التفريق بين ما يورث القطع وما يعمل به في مجال الظن.
ويمهد لذلك بمباحث كلامية ومعرفية واسعة تتصل اتصالًا مباشرًا ببناء الأصول، فيبحث حقيقة الحكم الشرعي وعلاقته بالأمر والنهي، ويرد التحسين والتقبيح الملزمين بمجرد العقل في حكم الله تعالى، ويتناول حكم الأفعال قبل ورود الشرع، والتكليف وحقيقته، ومن يصح خطابه، وتكليف ما لا يطاق، وخطاب الكفار بفروع الشريعة. ثم ينتقل إلى العقل والعلم ومدارك المعرفة، ويميز العلم من الظن والشك والتقليد، ويناقش مراتب المعارف وطرق الاستدلال العقلي، لأن تحديد ما يفيد العلم وما لا يفيده هو الأساس الذي يبني عليه بعد ذلك مراتب الأدلة الشرعية وحجيتها.
ويجعل أول كتبه في «البيان»، فيبحث ماهيته ومراتبه وحكم تأخيره، ويرجح تعريفه بأنه الدليل بدل العبارات التي تجعله مجرد حصول الوضوح في نفس المخاطب. ويعرض مراتب البيان التي ذكرها الشافعي رضي الله تعالى عنه من النص الصريح، وما يحتاج فهمه إلى بصر بالعربية، وما يرد أصله في القرآن ويحيل تفصيله على الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تستقل السنة بإثباته، ثم القياس المستنبط من الأصول. ويعيد الجويني ترتيب المسألة وفق تصوره للبيان، فيقسم الدليل إلى عقلي وسمعي، ويقرر جواز تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة، مع امتناع تأخيره عن الوقت الذي يتوجه فيه التكليف بالفعل.
ويفصل بعد ذلك في الأدوات اللغوية التي يتوقف عليها فهم النص، مؤكدا أن الشريعة عربية وأن المستقل بالنظر فيها لا يستغني عن رسوخ في اللغة والنحو. ويناقش نشأة اللغات، والحقيقة والمجاز، والاستعمال العرفي والشرعي، والألفاظ التي خصها الشرع بمعان معينة كالصلاة والزكاة والحج، فلا يجعل الصلة بين المعنى اللغوي والشرعي منقطعة انقطاعًا تامًا، ولا يبقي الاستعمال الشرعي محصورًا في المعنى اللغوي الأول، بل يفسر ذلك بما أحدثه عرف الشرع من تخصيص وتوسيع في الدلالة مع بقاء المناسبة اللغوية.
ويمتد هذا التحقيق إلى صيغ الأمر والنهي، ودلالتهما على الوجوب والتحريم وما يعرض لهما من التأويل، ثم العموم والخصوص والمخصصات، والاستثناء، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر والمجمل، والمفهوم والتأويل. وهو شديد العناية هنا بتحرير درجة الدلالة نفسها، فلا يسوي بين النص والظاهر، ولا يجعل ظهور اللفظ بمنزلة القطع بمراد المتكلم، ولذلك يقرر أن الصيغة قد تكون ظاهرة في الوجوب أو التحريم أو العموم مع إمكان نقلها بدليل إلى معنى آخر، وأن وجوب العمل بالظاهر لا يعني القطع بأن المعنى الظاهر هو المراد في نفس الأمر. كما يتتبع الألفاظ التي يتوهم فيها العموم أو الظهور ويعيد فحصها بحسب السياق وقصد الخطاب.
ويبحث أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تقديم ما يحتاج إليه من مسائل عصمة الأنبياء عليهم السلام، ثم يقسم الفعل النبوي بحسب ما يقترن به من قول أو بيان وبحسب كونه جبليًا أو واقعًا في سياق القربة. ولا يجعل مجرد الفعل مقتضيًا للوجوب، بل يقرر أن ما ظهر قصد القربة فيه يدل على مشروعية التأسي والندب استنادًا إلى ما ثبت من طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم في الاقتداء، أما الفعل المجرد الذي لا يظهر فيه قصد القربة فيثبت به رفع الحرج دون أن يحمل بنفسه على الوجوب أو الاستحباب. ويتناول كذلك التقرير النبوي وما يدل عليه، ثم يبحث شرع من قبلنا، ويقرر أن التعبد بشرائع السابقين ممكن عقلًا لكنه لم يثبت شرعًا في حق هذه الأمة، مستدلًا بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا عند فقد النص يرجعون إلى الاجتهاد ولا يطلبون أحكام الوقائع في كتب الشرائع السابقة.
ويتوسع في الأخبار باعتبارها طريقًا أساسًا لنقل السنة، فيقسمها إلى المتواتر والمنقول آحادًا، ويبحث شروط التواتر والعلم الناشئ عنه، ثم خبر الواحد وحكم العمل به، وأحوال الرواة والعدالة والضبط، وما يتصل بالجرح والتعديل والإرسال والاتصال وطرق تحمل الحديث وأدائه. ويخالف من اشترط عددًا معينًا لقبول خبر الواحد، محتجًا بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يعملون في الأحكام بخبر الثقة الواحد إذا رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وتبقى القاعدة الحاكمة لهذا الباب أن خبر الواحد لا يتحول إلى دليل قطعي بذاته، وإنما القطعي هو ثبوت وجوب العمل به عند تحقق شروط قبوله.
ويخصص الكتاب الثاني للإجماع، ويبدأه بثلاث قضايا كبرى هي إمكان وقوعه، وكونه حجة، والطريق الذي تثبت به حجيته. ولا يكتفي بنقل أدلة المثبتين، بل يناقش صلاحية كل دليل لمقام القطع، فلا يعد الآية المستدل بها على اتباع سبيل المؤمنين نصًا قاطعًا في المسألة، ولا يجعل أحاديث الآحاد وحدها كافية لإثبات أصل قطعي. ويقيم حجية الإجماع على تحليل أعمق لطريقة اتفاق أهل العلم وما جرى عليه المسلمون من تبكيت من يخرق الإجماع، مع اعتبار ما تقضي به العادة من استحالة اتفاق أهل النظر على حكم مظنون اتفاقًا جازمًا من غير مستند يفسر هذا الاجتماع.
ثم يفصل الإجماع بحسب من ينعقد بهم، وعددهم، والزمن المعتبر فيه، وكيفية انعقاده بالقول أو الفعل أو السكوت، وما يصلح أن يكون محلًا له. ويجعل الاعتبار للمجتهدين القادرين على الاستقلال بالفتوى، ويناقش اشتراط انقراض العصر بدل قبوله أو رده بإطلاق. كما يرفض جعل السكوت وحده إجماعًا، ويستعيد عبارة الشافعي رضي الله تعالى عنه «لا ينسب إلى ساكت قول»، لأن سكوت العالم قد يعني تسويغ الاجتهاد للمخالف ولا يدل بالضرورة على موافقته. ويقصر أثر الإجماع الحجاجي على السمعيات، لأن المعقولات مناطها البرهان ولا تزيدها الموافقة قوة ولا يقدح فيها مجرد الخلاف.
ويمنح الكتاب الثالث للقياس بسطًا خاصًا لأنه «مناط الاجتهاد وأصل الرأي»، ولأن نصوص الكتاب والسنة ومواقع الإجماع متناهية بينما الوقائع لا نهاية لها، مع تقرير أن كل واقعة لها حكم متلقى من قاعدة الشريعة. ويبدأ بحقيقة القياس ويعرض التعريفات المختلفة له، ويقرب عبارة القاضي أبي بكر في حمل معلوم على معلوم بحكم جامع بينهما، مع التنبيه إلى أن صناعة الحد الدقيق قد لا تستوعب حقيقة مركبة كهذه وأن الأنسب أحيانًا رسم يقرب المعنى بدل ادعاء حد لا يطرد. ثم يناقش منكري القياس ومثبتيه، ويفرق بين النظر العقلي الصحيح وبين تشبيه غائب بشاهد في العقليات، ويثبت مشروعية القياس الشرعي المنضبط لا مجرد اتباع كل ظن يخطر للناظر.
ويستقصي بعد إثبات أصل القياس أركانه ومسالك العلل وطرق استنباطها، وما يرجع إلى المناسبة والإخالة والسبر والتقسيم والطرد والعكس والشبه، ويفرق بين ما يقبل التعليل من أحكام الشريعة وما يجب فيه الوقوف عند مورد النص. كما يحلل الاعتراضات الموجهة إلى القياس من النقض والفرق والمعارضة والأسئلة المتعلقة بالأصل والفرع والعلة، ولا يكتفي بصحة اسم الاعتراض حتى يختبر أثره الحقيقي في الدليل. وفي السبر والتقسيم يفرق بين استعماله في القطعيات واستعماله في المظنونات، فعدم إحاطة التقسيم بجميع الاحتمالات يمنعه من إفادة القطع، لكنه قد يولد غلبة ظن معتبرة في مسائل الاجتهاد بعد استقصاء الباحثين للأوصاف المحتملة.
ويعقد الكتاب الرابع للاستدلال، ويعرفه بمعنى مناسب للحكم من غير العثور على أصل متفق عليه يجري التعليل منه، ثم يحصر المذاهب فيه في ثلاثة اتجاهات: رفض كل معنى لا يستند إلى أصل معين، وإطلاق الاستصلاح والرأي ولو بعد عن موارد النصوص، وطريق وسط يقبل المعنى غير المستند إلى أصل معين إذا بقي قريبًا من المعاني والقواعد المستقرة في الشريعة. ويختار الطريق المقيد الذي يمنع تحويل الشريعة إلى استصواب عقلي مطلق يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، ويجعل المقبول من الاستدلال ما بقي بينه وبين مسالك الشرع الثابتة مداناة ظاهرة.
ويختبر هذا الاستدلال من جهة المناسبة والنقض والمعارضة ومخالفة الأصول، ثم يفرد استصحاب الحال بالبحث، ويفرق بين استمرار الحكم لبقاء دليله وبين محاولة نقل حكم سابق إلى صورة تغير محلها. ولا يقبل الاستصحاب في الصورة الثانية دليلًا مستقلًا ولا مرجحًا لمجرد أن الحالة السابقة كانت ثابتة، لأن تغير المورد قد يستتبع تغير الحكم، فلا يغني اسم الاستصحاب عن إقامة مأخذ يصلح لربط الحكم بالصورة الجديدة.
ويخصص الكتاب الخامس للترجيح، فيعرفه بتغليب بعض الأمارات على بعض في مجال الظن، ويثبت أصله بما جرى عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم من تقديم ما يقوى به الظن عند تعارض مسالك الاجتهاد. ويحصر الترجيح في الأدلة الظنية، لأن القطع إذا حصل لم يبق مجال لتقويته بمرجح ظني. ثم يطبق ذلك على الأخبار والظواهر والمعاني المستنبطة، ويميز التعارض الحقيقي من النسخ ومن الجمع الذي يقوم عليه دليل، ويرفض الجمع التحكمّي بين ظاهرين إذا كان مقتضاه تخصيص كل واحد منهما بالآخر من غير حجة خارجية. ويحلل كذلك أثر قوة الرواية والسياق وظهور قصد العموم وغيرها من القرائن في ترجيح أحد الاحتمالين.
ويأتي باب النسخ في آخر المادة الأصولية، فيعرض تعريفات الفقهاء والمعتزلة والقاضي أبي بكر، ثم يميز النسخ من مجرد التأقيت والتخصيص. ويقرر أن الدليل المقطوع به لا ينسخه دليل مظنون، فلا ينسخ القرآن بخبر آحاد ولا السنة المتواترة بما لم يثبت قطعًا، لأن الحكم بخلاف الدليل القطعي لو ثبت يومًا بدليل قاطع لكان الناسخ في الحقيقة هو ذلك الدليل القاطع لا الخبر الظني نفسه. ويتناول نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ الحكم بلا بدل، وحكم من لم يبلغه الناسخ، وما يترتب على نسخ الأصل الذي استنبط منه قياس.
ويحرر في آخر مسألة الفرق بين التخصيص والنسخ، فالتخصيص بيان لما أريد باللفظ العام، أما النسخ فلا يرجع إلى تغيير مدلول اللفظ ولا إلى رفع حكم ثبت في علم الله تعالى على التأبيد، وإنما يظهر به ما ينافي شرط استمرار الحكم الأول. وعند هذه المسألة يصرح الجويني بأن الغرض من هذا المجموع في الأصول قد تم، ثم يذكر أنه سيصنف بعده كتابًا مستقلًا جامعًا في الاجتهاد والفتوى يكون تتمة لهذا المجموع، ولذلك يقف «البرهان» في النص المرفق عند النسخ ولا يضم كتابًا مستقلًا في الاجتهاد والفتوى ضمن أبوابه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














