
نبذة عن الكتاب:
يستوعب بدر الدين الزركشي في كتاب «البحر المحيط في أصول الفقه» مسائل علم الأصول استيعابًا موسوعيًا، جامعًا أقوال المتقدمين والمتأخرين، ومحررًا مذاهب الفقهاء والأصوليين ومآخذهم وأدلتهم واعتراضاتهم. وقد صرح بأن ما اجتمع لديه من مصنفات الأقدمين في هذا الفن يربو على 100 كتاب، وأنه قصد إلى جمع شتات أقوالهم، واستخراج زبدة كتبهم، وفتح ما أغلق من مسائلهم، وتفصيل ما أجمل منها، وزيادة مسائل كثيرة لم تكن مجموعة في كتاب واحد، مع عناية خاصة بتحرير مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وخلاف أصحابه، ثم مذاهب سائر الفقهاء والأصوليين. كما يتعقب ما وقع في كتب المتأخرين من خلل في نسبة الأقوال، ويرجع في كثير من المسائل إلى كتب أصحابها أنفسهم، وقد ينقل عبارتهم بنصها ليحفظ ما تضمنته من دقائق المآخذ والمقاصد.
ويكشف تعداد مصادره عن طبيعة هذا الاستيعاب؛ فهو لا يعتمد كتب الشافعية وحدها، بل يستفيد من مصنفات الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية والمعتزلة والشيعة، ويستحضر كتب الشافعي رضي الله تعالى عنه وشروح «الرسالة»، ومؤلفات الصيرفي وابن سريج والقفال والجويني والغزالي وابن السمعاني والرازي والآمدي وابن الحاجب وابن دقيق العيد، إلى جانب كتب السرخسي والدبوسي والباجي والقرافي وابن عقيل وابن حزم وغيرهم. ومن هنا لا يأتي «البحر المحيط» عرضًا لمذهب أصولي واحد، بل سجلًا واسعًا لتطور مسائل الأصول واختلاف طرق تقريرها ونسبتها بين المدارس المختلفة.
ويمهد الزركشي لكتابه ببيان منزلة أصول الفقه وعلاقته بالفروع، ويرجع ابتداء تدوينه المستقل إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه، ثم يتتبع نمو التصنيف بعده. ويؤكد أن الأصول ليس مجرد نتف مقتبسة من اللغة والنحو والكلام والحديث؛ لأن الأصوليين استقرؤوا في دلالات العربية ومسالك الخطاب دقائق لم تكن مقصودة لذاتها عند أصحاب تلك العلوم، مثل دلالة الأمر والنهي وصيغ العموم والاستثناء وغيرها مما تتوقف عليه صناعة الاستنباط. ثم يعرف أصول الفقه ومفرداته، ويبحث معنى الأصل والفرع والدليل، ويعرض اختلاف الأصوليين في عدد الأدلة التي يبنى عليها الفقه، مع تقرير القول المشهور في الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
ويتوسع في مقدمات الأحكام والتكليف توسعًا يناسب منهجه في جمع التفاصيل، فيبحث حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه، والتكليف وشروطه، ثم الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه وما يتصل بالصحة والفساد والأداء والقضاء والرخصة والعزيمة. ويفصل أقسام الواجب من جهة فاعله إلى عيني وكفائي، ومن جهة ذاته إلى معين ومخير، ومن جهة وقته إلى مضيق وموسع، ويتناول قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به» وشروط دخول المقدمة في حكم الوجوب، فلا يكتفي بتعريف القسم بل يتتبع ما يتولد عنه من فروع واعتراضات.
ثم ينتقل إلى الكتاب، فيعرف القرآن ويبحث منزلته في أدلة الأحكام وصلته بالسنة، ويقرر أن دلالة الكتاب على الأحكام لا تقتصر على النصوص التي سيقت أصلًا لبيان الفروع، بل قد تستنبط الأحكام من عموماته ولوازمه وسياقاته. ويدخل في هذا الباب مباحث المحكم والمتشابه، والقراءات وما يثبت منها وما يحتج به، وما يتعلق بزيادة بعض الألفاظ واختلاف القراءة وآثار ذلك في الاستنباط، قبل أن يتسع البحث إلى أدوات فهم الخطاب العربي التي تشترك فيها دلالات الكتاب والسنة.
ويجعل مباحث اللغة جزءًا كبيرًا من صناعة الأصول، فيبحث وضع اللغات وطريق معرفتها، والحقيقة والمجاز، والاشتراك والترادف والاشتقاق والنقل الشرعي والعرفي، ومعاني الحروف والأسماء والأفعال، ثم ينتقل إلى مراتب الدلالة كالمنطوق والمفهوم والنص والظاهر والمؤول. ويعرض في كل مسألة تعدد المذاهب، ويحاول التوفيق بين النقول المتعارضة عن العالم الواحد متى أمكن؛ فمن طريقته مثلًا أن يفسر اختلاف النقل عن إمام الحرمين في مفهوم الصفة بتفريقه بين الوصف المناسب وغيره بدل الاكتفاء بنسبة قولين متناقضين إليه.
ويفصل في الأمر والنهي تفصيلًا واسعًا، فيبحث حقيقة الصيغة وما وضعت له، وهل الأمر للوجوب أو لمعنى أعم، ودلالته على الفور أو التراخي والتكرار أو المرة، والأمر بعد الحظر، والأمر بالشيء وما يستلزمه، وعلاقة الأمر بالحسن والقبح. ويقابل ذلك بمباحث النهي ودلالته على التحريم والفساد، ثم ينتقل إلى العام والخاص وصيغ العموم، وما يدخل في الخطاب وما يخرج منه، وطرق التخصيص المتصلة والمنفصلة، وتخصيص الكتاب بالسنة وخبر الواحد والقياس والمفهوم وغيرها. ولا يعرض هذه المسائل مجردة، بل يربطها بنصوص الفقهاء وفروعهم ليتحقق من صحة نسبة الأصل إليهم ومن اطراده في تطبيقاتهم.
ويجمع إلى ذلك المطلق والمقيد والمجمل والمبين، ودلالة السياق، والبيان وأنواعه وطرق وقوعه وتأخيره، وما إذا كان الفعل أو القول أو التقرير يصلح بيانًا. ومن خصائص عرضه أنه لا يقف عند التقسيمات المشهورة، بل يستخرج مسائل دقيقة من اختلاف الألفاظ وترتيبها وتعلق الصفات والغايات والاستثناءات، ثم يتعقب تحرير محل النزاع حتى لا يدخل في الخلاف ما ليس منه. ولهذا تمتلئ صفحات الكتاب بالتنبيهات والفوائد والفروع التي يرجع فيها الجزئي الفقهي إلى الأصل الدلالي الذي انبنى عليه.
ويفرد للنسخ كتابًا مستقلًا، فيبدأ بتحرير معناه اللغوي والاصطلاحي، ثم يبحث إمكانه ووقوعه وشروطه والفرق بينه وبين التخصيص والبيان، وما يقبل النسخ وما لا يقبله، والزيادة على النص وهل تكون نسخًا، ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة أو العكس، والعلاقات بين القرآن والسنة في الناسخ والمنسوخ، وطرق معرفة تقدم أحد الدليلين على الآخر. وتبرز هنا طريقته في تفكيك المصطلح نفسه قبل الانتقال إلى آثاره، إذ يعرض الخلاف في كون النسخ حقيقة في الإزالة أو النقل أو مشتركًا بينهما قبل تحرير حقيقته الأصولية.
ثم يجعل الكتاب الثاني لمباحث السنة، فيعرفها ويبين اختلاف استعمال لفظها بين اللغويين والمحدثين والفقهاء والأصوليين، ثم يتناول استقلال السنة بتشريع الأحكام وحاجة الكتاب إلى بيانها. ويقسم السنة إلى أقوال وأفعال وما يلتحق بها من تقرير، وقد سبق في الأقوال بحث دلالات الأمر والنهي والعموم والخصوص والمجمل والبيان والنسخ، ثم يفرد أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ببحث مطول في العصمة والتأسي، وما كان من خصائصه، وما صدر على جهة القربة أو الجبلة أو البيان، وكيفية دلالة الفعل وتركه على الأحكام.
ويتوسع بعد ذلك في الأخبار توسعًا حديثيًا وأصوليًا كبيرًا؛ فيبحث حقيقة الخبر والصدق والكذب وتقسيمات الأخبار، ثم المتواتر وشروطه والعلم الحاصل عنه، والمستفيض، وما يقطع بصدقه أو كذبه، وأخبار الآحاد ووجوب العمل بها. ولا يحصر خبر الواحد في رواية شخص واحد، بل يستعمله في كل خبر لم يبلغ حد العلم القطعي ولو رواه عدد من الناس. ثم ينتقل إلى شروط الراوي والعدالة والضبط والجهالة والبدعة وفقه الراوي، وزيادة الثقة، وإنكار الراوي لما رواه، وعمل الراوي بخلاف خبره، والإرسال والاتصال، والرواية بالمعنى، وحذف بعض الحديث أو زيادته، وطرق التحمل والأداء والإجازة والكتابة، والفروق بين الرواية والشهادة.
ويخصص للإجماع كتابًا يبدأ فيه من تعريفه وإمكان وقوعه والعلم به ونقله وحجيته ودليل الحجية وقطعية دلالته وإمكان الخطأ فيه ووجوب العمل به. ثم يفصل فيمن ينعقد بهم الإجماع، ودخول أهل البدع والعوام وبعض طبقات المجتهدين فيه، وإجماع أهل المدينة وأهل البيت وغيرهم، والإجماع السكوتي، وانقراض العصر، وسبق الخلاف ثم الاتفاق، وإحداث قول ثالث، ومستند الإجماع، وما إذا كان ينعقد عن قياس أو اجتهاد. وتدل طريقة ترتيبه على أنه يريد دراسة الإجماع من جميع جهاته: حقيقةً وثبوتًا وحجيةً وآثارًا، لا مجرد إقامة دليل مختصر على كونه أصلًا شرعيًا.
ويمنح القياس أوسع أبواب الكتاب عناية، ويصفه بأنه مناط الاجتهاد وأصل الرأي الذي تتشعب منه أحكام الوقائع غير المتناهية. فيبحث حقيقته والخلاف في حجيته والرد على نفاته، ثم أنواعه من قياس العلة والدلالة والشبه والعكس وغيرها، وأركانه من الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، وشروط كل ركن، وما يجوز القياس فيه وما يمتنع. ولا يفصل القياس عن الفقه التطبيقي؛ إذ يستحضر فروع المذاهب باستمرار لبيان حقيقة الجامع بين الأصل والفرع ومدى صحة تعدية الحكم.
ويستقصي في باب العلة معناها وشروطها وطرق إثباتها، فيبحث النص والإجماع والإيماء والتنبيه والمناسبة والسبر والتقسيم والدوران والشبه والطرد وتنقيح المناط وإلغاء الفارق، ثم يتناول الاعتراضات الموجهة إلى القياس والعلة وما يجيب به المستدل عنها. كما يوازن بين مراتب المسالك نفسها؛ فالمناسبة قد ترجح على الدوران أو السبر في بعض الصور، وتختلف مراتب المناسب بحسب الضروري والحاجي والتحسيني، وتتفاوت الأدلة المثبتة للعلة بحسب قطعيتها وظهورها. ولهذا يتحول بحث القياس عنده إلى دراسة كاملة لصناعة التعليل والترجيح بين الأقيسة، لا إلى إثبات أصل القياس وحده.
ثم يعقد كتابًا للأدلة المختلف فيها، ويجمع فيه أنواعًا متباينة من الاستدلالات التي لم يقع الاتفاق على استقلالها بالحجية. فيبحث الاستدلال بعدم الدليل، والاستقراء التام والناقص، والأصل في المنافع والمضار، والبراءة الأصلية، واستصحاب الحال وأقسامه وحجيته، وما إذا كان صالحًا للإثبات أو للدفع أو للترجيح. ويحرر الاستصحاب بأنه إبقاء ما ثبت في الزمن الماضي إلى أن يوجد ناقل عنه، ثم يميز بين استصحاب الحكم الثابت واستصحاب العدم الأصلي واستصحاب الدليل مع احتمال المخصص أو الناسخ.
ويضم إلى ذلك شرع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله تعالى عنه، والمصالح المرسلة، والاستحسان، وغيرها من المسالك المختلف في اعتبارها. ففي قول الصحابي رضي الله تعالى عنه يفرق بين حجيته على صحابي مجتهد آخر وبين حجيته على من بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويتتبع اختلاف أقوال الشافعي رضي الله تعالى عنه وأصحابه في ذلك. وفي المصالح المرسلة يعرفها بما لم يرد من الشرع اعتبار عينه ولا إلغاؤه، ثم يعرض مذاهب المانعين والمجيزين. أما الاستحسان فيبحث معانيه المختلفة، ويفرق بين مجرد الحكم بالاستحسان من غير حجة وبين ما يرجع في حقيقته إلى دليل شرعي أو قياس أقوى.
ويفرد للتعادل والتراجيح كتابًا يبحث فيه التعارض من حيث حقيقته وشروطه وأقسامه، ثم طرق الجمع والترجيح عند ظهور دليلين متقابلين. وينطلق من أن كثيرًا من أدلة الأحكام ظني، ومن ثم قد يقع بينها تعارض في الظاهر، فيلزم المجتهد طلب الأقوى. ثم يستقصي مرجحات الأخبار من جهة السند والمتن والمدلول والأمور الخارجية، ومرجحات الأقيسة من جهة قوة دليل الأصل وثبوت العلة ومسلك إثباتها واطرادها ومناسبتها وموافقتها للأصول، فلا يجعل الترجيح قائمة جامدة من القواعد، بل موازنة بين درجات القوة والاحتمال في الدليل.
ويجعل مباحث الاجتهاد قائمة على ثلاثة أركان: نفس الاجتهاد، والمجتهد، والمجتهد فيه، ويعرف الاجتهاد ببذل الوسع في تحصيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط. ثم يبحث وجوبه وكفائيته وإمكان خلو العصر من المجتهد وتجزؤ الاجتهاد، وشروط المجتهد وما يحتاج إليه من القرآن والسنة والإجماع والخلاف والقياس والعربية وطرق النظر. ولا يقبل حصر آيات الأحكام في عدد جامد؛ لأن وجوه الاستنباط تختلف باختلاف القرائح، كما لا يشترط إحاطة المجتهد بجميع الأحاديث، وإنما القدر الذي يمكنه من معرفة أدلة المسألة والبحث عما يعارضها أو ينسخها.
ويتتبع بعد ذلك مسألة تصويب المجتهدين وخطئهم، وحكم الاجتهاد في المسائل الظنية، ونقض الاجتهاد بالاجتهاد، وتقليد المجتهد غيره، ثم ينتقل إلى المفتي والمستفتي والتقليد. فيبحث شروط الفتوى، وحكم العامي إذا اختلف عليه المفتون، وتقليد الميت، وهل يلزم العامي مذهب بعينه، وهل يجوز لمن انتسب إلى مذهب أن يأخذ بقول إمام آخر، وضوابط الانتقال وتتبع الرخص والتلفيق. ويرجح أن العامي لا يلزمه في الأصل التزام إمام واحد في جميع الوقائع، مع منع اتخاذ الخلاف طريقًا للتشهي وجمع الرخص على وجه يفضي إلى صورة لا يقول بصحتها أحد من المجتهدين.
وتقف آخر مسائله عند مسؤولية المكلف في المسائل المختلف فيها؛ فيعرض حكم من يقدم على فعل مختلف في تحريمه من غير أن يسأل أو يقلد أحدًا، وينقل التفريق بين إثم ترك التعلم وبين الإثم المتعلق بالفعل نفسه، فلا يسوي بين مجرد وجود الخلاف وبين الإذن في الإقدام بلا معرفة. فالمكلف مطالب عنده بأن يعرف حكم ما يقدم عليه بالطريق الذي يناسب مرتبته؛ فإن كان من أهل الاجتهاد نظر في الدليل، وإن كان عاميًا رجع إلى من يصح أن يفتيه، ولا يصير اختلاف العلماء في نفسه مبررًا لاتباع ما يوافق الهوى من غير علم ولا تقليد معتبر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














