
نبذة عن الكتاب:
يؤصِّل عبد العزيز بن ريس الريس في هذا الكتاب الاحتجاج بمذهب الصحابة رضي الله عنهم، فيحرر موضع النزاع فيه، ويبحث أنواعه وأدلة حجيته والاعتراضات الموجهة إليه، ثم ينتقل إلى تطبيقه عند ابتداء الصحابي حكمًا شرعيًا أو تفسيره للنص أو وقوع الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم. وأصل الكتاب درس في «حجية قول الصحابي» راجع المؤلف مادته ونقحها ووثقها، ثم رتبها في تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ فجعل الفصل الأول لتأصيل الحجية، والثاني لأقسام مذهب الصحابي وتطبيقاته، والثالث لجملة من التنبيهات المتعلقة بكيفية استعمال هذا الأصل وعدم إهداره.
ويبدأ بتعريف الصحابي بأنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك، ثم يفضل التعبير بـ«مذهب الصحابي» على «قول الصحابي» من جهة الشمول؛ لأن المذهب يدخل فيه القول والفعل والإقرار، وإن شاع التعبير بالقول لغلبته. ومن هنا يتعامل الكتاب مع حجية الصحابي رضي الله عنه باعتبارها أوسع من مجرد الاحتجاج بفتوى منقولة عنه، فهي تشمل ما ثبت من مواقفه وأفعاله وتقريراته متى تحققت فيها الشروط التي يذكرها المؤلف.
ويحرر محل النزاع بأربعة قيود؛ أولها ألا يخالف قول الصحابي رضي الله عنه نصًا ثابتًا، فإذا خالف النص لم يقدم عليه، وثانيها ألا يعارضه قول صحابي آخر رضي الله عنه، لأن قول أحد الصحابيين عند التعارض لا يكون أولى بمجرده، مع تفصيل لاحق يتعلق بالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم. وثالثها ألا يكون للقول حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن حجيته حينئذ مستمدة من كونه في حكم المرفوع لا من كونه قول صحابي. ورابعها ألا يكون القول مهجورًا قد انعقد اتفاق العلماء بعده على ترك العمل به، ويمثل لذلك بما نقل عن أبي طلحة رضي الله عنه في أكل البرد للصائم ثم نقل الإجماع على خلافه.
ويقسم مذهب الصحابي رضي الله عنه من حيث اشتهاره إلى قول مشهور معروف وقول لم يشتهر أو لم يعلم اشتهاره، ويقرر حجية النوعين، مستندًا في ذلك خاصة إلى تقريرات ابن القيم في «إعلام الموقعين». وينقل أن القول بحجية مذهب الصحابي ثابت عند أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في القديم والجديد، ويضيف أبا عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه، مع جعل بحث ابن القيم أصلًا مهمًا في بناء الرسالة لكثرة ما جمعه من أدلة لهذه المسألة.
ويركز قبل عرض الأدلة على مقدمتين يراهما مفتاح المسألة: الأولى أن قول الصحابي رضي الله عنه ليس حجة لذاته، لأن الصحابي غير معصوم وقد يخطئ، وإنما تثبت له الحجية لما ينضم إليه من القرائن والأصول. ويقرب ذلك بجعله صورة من صور نقل الإجماع حين يقول الصحابي قولًا ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضي الله عنهم. والثانية أن هذه الحجية مبنية على غلبة الظن، لا على دعوى العصمة أو القطع في كل قول منقول؛ فالمقصود أن اجتماع القرائن المتعلقة بعلم الصحابي وموقعه من الوحي وعدم ظهور المخالف يجعل قوله أرجح وأولى بالاتباع في الموضع الذي تتحقق فيه شروط الاحتجاج.
ويبني الدليل الأول على صلة قول الصحابي رضي الله عنه بالإجماع؛ فيقرر أن الأدلة الدالة على حجية الإجماع تتناول عنده قول الصحابي الذي لم يظهر له مخالف، لأن اشتراط تصريح كل عالم في كل مسألة يجعل إثبات كثير من الإجماعات متعذرًا. ولذلك يجعل القول الصادر عن واحد أو أكثر من الصحابة رضي الله عنهم مع عدم معرفة المخالف سبيلًا للمؤمنين في تلك المسألة بحسب ما ثبت للباحث، ويربطه بدلالة النهي عن اتباع غير سبيل المؤمنين.
ثم يضيف أدلة خاصة بالصحابة رضي الله عنهم؛ فيستدل بالأخبار الدالة على منزلتهم ووجوب الاهتداء بهديهم، ويخص الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بمزيد من القوة استنادًا إلى الأمر باتباع سنتهم. ويضيف إلى الدليل النقلي وجهًا مبنيًا على طبيعة معرفتهم؛ فالصحابي قد يكون سمع الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو ممن سمعه منه، أو يكون ناقلًا لما استقر بين الصحابة رضي الله عنهم، أو يكون قد فهم من النص والسياق ما خفي على من بعده، فضلًا عن تمكنهم من العربية بالسليقة ومعايشتهم للوقائع التي نزلت فيها النصوص. ويوازن المؤلف هذه الاحتمالات بإمكان وقوع الخطأ في الاجتهاد، ثم يجعل مجموعها مرجحًا لقول الصحابي من جهة غلبة الظن.
ويرد بعد ذلك على اعتراضين يجعلهما من أقوى ما يستند إليه نفاة الحجية؛ أولهما أن التنازع يجب أن يرد إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا إلى أقوال الصحابة رضي الله عنهم، فيجيب بأن الاحتجاج بقولهم لم يثبت استقلالًا عن الكتاب والسنة، وإنما لأنه أصل دلت عليه الأدلة نفسها، كما أن الاحتجاج بالإجماع لا يعد عدولًا عن النصوص. والثاني أن الصحابة رضي الله عنهم غير معصومين، فيعيد التفريق بين عصمة الشخص وحجية قوله لما انضم إليه، ويقرر أن عدم ظهور المخالف هو العنصر الذي ينقل المسألة عنده إلى باب غلبة الظن والإجماع المنقول بهذا الطريق.
وينتقل في الفصل الثاني إلى التطبيقات، فيقسم مذهب الصحابي رضي الله عنه إلى ثلاثة أقسام: أن يبتدئ حكمًا شرعيًا، أو يفسر نصًا بالتخصيص أو التقييد أو البيان، أو يقع الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم فيحتاج المجتهد إلى معرفة طريق التعامل معه. وفي القسم الأول يجمع مسائل لم يثبت فيها عنده نص مرفوع صالح للاعتماد، وإنما ثبتت أحكامها بآثار الصحابة رضي الله عنهم مع عدم معرفة المخالف، فيمثل بالجلوس للتشهد في سجدتي السهو إذا كان السجود بعد السلام، وزكاة عروض التجارة، ورفع اليدين في تكبيرات الجنازة، والوضوء من تغسيل الميت، وبعض أحكام خروج الدم؛ ليبين عمليًا ما يقصده بابتداء الصحابي لحكم لم يظهر فيه مخالف من طبقته.
ويجعل القسم الثاني لتفسير الصحابي رضي الله عنه للنص، سواء كان ذلك بتخصيص عام أو تقييد مطلق أو بيان مجمل، ويقرر أن العمل بقول الصحابي هنا جمع بين دليل النص ودليل مذهب الصحابي بدل إهدار أحدهما. لكنه ينبه إلى ضرورة التمييز بين تفسير النص ومخالفته؛ فإن كان القول معارضًا للنص رد، وإن كان بيانًا لمراده عمل به. وينقل ضابط ابن القيم في ذلك، وهو النظر في موقف بقية الصحابة رضي الله عنهم؛ فإذا صدر التفسير عن صحابي ولم ينكر عليه غيره، حمله المؤلف على البيان لا على معارضة النص، لأن القول المخالف الذي يظهر خطؤه لا يفترض أن يمر بينهم من غير إنكار.
ويطبق هذا على مسائل متعددة؛ فيحمل حديث «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» على صيام النذر استنادًا إلى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، ويبحث الأخذ من اللحية بما زاد على القبضة من خلال فعل ابن عمر رضي الله عنهما، ويستدل بقول أبي هريرة رضي الله عنه على تقديم قضاء الصوم الواجب على التطوع، وبفعل ابن عمر رضي الله عنهما على المسح على الجبيرة، وبآثار عثمان وابن عمر رضي الله عنهم على اشتراط الحول في الزكاة. ويعرض كذلك أثر ابن عباس رضي الله عنهما في دخول الحرم بإحرام، وأثر أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في تخصيص زكاة الخارج من الأرض بأصناف معينة، مع التنبيه إلى أن بعض هذه الأمثلة قد يتردد تصنيفها بين ابتداء الحكم وتفسير النص، لكنه لا يجعل هذا التردد مؤثرًا في أصل الحجية الذي يقرره للقسمين.
ويعالج في القسم الثالث اختلاف الصحابة رضي الله عنهم، ويجعل الأصل محاولة الجمع بين أقوالهم متى أمكن حتى لا يثبت الخلاف إلا بعد تعذر التوفيق، بشرط ألا يؤدي الجمع إلى إنشاء قول جديد لم يقل به أحد منهم. فإذا وجد نص يحسم النزاع وجب تقديمه على جميع الأقوال، لأن السنة لا تترك لقول أحد. وإذا لم يوجد نص وكانت المسألة مشتملة على قول للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم قدم قولهم على غيرهم، أو قدم قول أحدهم إذا لم يخالفه بقية الخلفاء؛ ويستدل لذلك بالأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وما ورد في الاقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
ويمثل لهذه المرتبة بالخلاف في قراءة الجنب للقرآن، حيث يقدم ما نقل عن عمر وعلي رضي الله عنهما على قول ابن عباس رضي الله عنهما، وبالمبيت بمنى حيث يقدم أثر عمر رضي الله عنه في إلزام الناس بالمبيت على القول الآخر المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما. وينقل عن ابن القيم ترتيبًا داخل أقوال الخلفاء أنفسهم عند الاختلاف، بتقديم أبي بكر رضي الله عنه ثم ما كان من قوله وقول عمر رضي الله عنه على ما دونهما في هذا الباب.
أما إذا كان الاختلاف بين بقية الصحابة رضي الله عنهم ولم يوجد نص صريح ولا قول للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم يحسمه، فيجعل طريق الترجيح اختيار القول الأشبه بالكتاب والسنة دون الخروج عن مجموع أقوال الصحابة. ويطبق ذلك على استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، فيرجح التفريق بين البنيان والفضاء لوجود السنة التي توافق هذا الوجه، وينبه إلى أنه لا يجوز إنشاء قول ثالث خارج القولين المنقولين. ويطبق المنهج نفسه على رواتب الصلاة في السفر، وما يوضع على القبور، وتتبع الأماكن التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فيوازن بين الآثار ثم يختار ما يراه أوفق بالنصوص مع إبقاء النظر داخل دائرة الأقوال المأثورة عن الصحابة رضي الله عنهم.
ويخصص الفصل الثالث لتنبيهات تتعلق بسلامة تطبيق هذا الأصل، فيرفض التفريق بين حجية قول الصحابي رضي الله عنه في تفسير النص وحجيته عند ابتداء حكم جديد؛ لأن الدليل الذي أثبت له الحجية لا يتغير بتغير صورة استعماله، والعمل بالدليلين عند اجتماع النص وقول الصحابي أولى عنده من إهدار أحدهما.
ثم يتناول «تحقيق مناط مذهب الصحابي»، مفرقًا بين الاتفاق على الأصل النظري وبين صحة تنزيله على الوقائع؛ فقد يقرر عالمان حجية قول الصحابي ثم يختلفان في مسألة معينة لأن أحدهما لم يبلغه الأثر، أو لم يثبت عنده، أو فهمه على وجه مختلف، أو اعتقد أنه معارض للنص أو منسوخ. ولذلك يحذر من نقض أصل العالم بمجرد العثور على تطبيق يخالفه ظاهريًا، ويستفيد من المعاني التي قررها ابن تيمية في «رفع الملام» في بيان أسباب مخالفة العلماء لبعض الأدلة، مؤكدًا أن الخلاف في ثبوت أثر الصحابي وفهم دلالته لا يساوي الخلاف في أصل حجيته.
ويبحث أخيرًا ما يسميه تضييع الاحتجاج بمذهب الصحابي من جهتين متقابلتين؛ فينتقد الظاهرية لما ينسبه إليهم من تجويز إنشاء قول جديد خارج الأقوال السابقة وعدم جعل مذهب الصحابي أصلًا ملزمًا على الوجه الذي قرره، كما ينتقد التعصب المذهبي الذي يقدم التزام المذهب على إعادة النظر في الدليل. ويطرح بدل الطرفين طريقًا يقوم على التفقه في المذاهب لضبط الفروع وتصوير المسائل، مع بقاء الرجوع إلى الأدلة وعدم جعل الانتماء المذهبي مانعًا من الترجيح أو الاجتهاد الجزئي في المسألة التي تحصل للباحث أدوات النظر فيها.
ويثبت في نتائج الرسالة أن مذهب الصحابي رضي الله عنه عنده حجة سواء اشتهر أو لم يشتهر، وأن حجيته مبنية على غلبة الظن، وأن أدلة الإجماع تدخل في تأسيسها، وأن للصحابة رضي الله عنهم من مدارك فهم النصوص والوقائع ما يتميزون به عمن جاء بعدهم، وأن حجية مذهبهم تشمل ابتداء الحكم وتفسير النص. كما يجعل الجمع بين أقوالهم أول طريق التعامل مع اختلافهم، ثم تقديم الدليل إن ظهر، ثم تقديم قول الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم عند غياب النص، ثم اختيار الأشبه بالكتاب والسنة إذا كان الخلاف بين غيرهم، من غير إحداث قول يخرج عن الأقوال المأثورة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














