مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الإمام في بيان أدلة الأحكام لعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام PDF
كتاب الإمام في بيان أدلة الأحكام لعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام PDF

نبذة عن الكتاب:

يستقصي عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام في كتاب «الإمام في بيان أدلة الأحكام» الطرق التي يمكن بها التعرف إلى الأحكام الشرعية من خطاب الشرع، ولا يحصر الدلالة في صيغ الأمر والنهي المباشرة، بل يوسع مجال الاستنباط ليشمل المدح والذم، والوعد والوعيد، والمحبة والرضا والسخط، وما يرتبه الشرع على الأفعال من مصالح ومفاسد وثواب وعقاب، وما تضمنته الأمثال والسياقات والصفات والمجازات من معانٍ تكشف عن طلب الفعل أو طلب الترك أو الإباحة. ويقسم الأحكام في البداية إلى ما يتضمن طلب اكتساب فعل أو تركه، وما لا طلب فيه كالإباحة والأحكام الوضعية من الأسباب والشروط والموانع والصحة والفساد والآجال والأوقات والقضاء والأداء والتعيين والتخيير، مع تركيز معظم الكتاب على الأدلة التي تكشف عن الأحكام المتضمنة للطلب أو التخيير.

ويقرر أن الطلب الشرعي لا يتعلق إلا بالفعل الكسبي الذي يدخل تحت قدرة المكلف، ولذلك لا يحمل مدح الصفات الجبلية أو ذمها على ذات الصفة الخارجة عن الكسب، وإنما على آثارها التي يمكن اكتسابها؛ فمدح الرحمة مثلًا يدل على طلب معاملة الناس معاملة الراحم، ومدح الحلم والأناة يتوجه إلى ما يظهر من آثارهما العملية. أما الحكم الوضعي فيجوز عنده أن يرتبط بسبب كسبي، كالسرقة بالنسبة إلى القطع، أو بسبب غير كسبي، كالزوال بالنسبة إلى وجوب الظهر ورؤية الهلال بالنسبة إلى الصيام.
ويبني الكتاب على تقسيم أدلة الأحكام إلى دليل لفظي ودليل معنوي؛ فاللفظي قد يدل بصيغته أو بطريق الخبر، والمعنوي يدل بطريق اللزوم بواسطة أو من غير واسطة. ومن هذا الأصل يضع قاعدة واسعة للاستنباط: كل فعل طلبه الشرع، أو أخبر بطلبه، أو مدحه، أو مدح فاعله لأجله، أو رتبه سببًا لخير عاجل أو آجل، فهو مأمور به؛ وكل فعل طلب تركه، أو ذمه، أو ذم فاعله، أو جعله سببًا لشر عاجل أو آجل، فهو منهي عنه؛ وما سوى الشرع بين فعله وتركه على وجه التخيير فهو مباح. ثم ينظم تفصيل هذه الطرق في عشرة فصول تتدرج من الصيغ المباشرة إلى القرائن والسياقات والمجازات، ثم إلى التدريب على استخراج الأحكام منها.

ويخصص الفصل الأول للدلالة اللفظية الصريحة، فيمثل بصيغ الأمر والنهي والإباحة، ويفرق بين الدلالة المستفادة من نفس الصيغة وبين الإخبار عن الحكم، كالإخبار بإحلال الطيبات. ويلحق بذلك دلالة عرفية مهمة هي الامتنان؛ فإذا امتن الله تعالى على عباده بمنفعة موجودة في شيء دل ذلك عنده على أصل إباحة الانتفاع بها، لأن الامتنان لا يستقيم عادة بشيء ممنوع على من وقع الامتنان عليه. ومن هنا يبدأ توسيع مفهوم الدليل من الألفاظ الاصطلاحية المحدودة إلى الأساليب القرآنية التي تكشف عن الحكم بواسطة السياق والغرض.

ويجمع في الفصل الثاني ثلاثة وثلاثين نوعًا من العلامات الدالة على الأمر، فيجعل من أدلته تعظيم الفعل، ومدحه، ومدح فاعله، ومحبة الفعل أو فاعله، والرضا به أو عن صاحبه، ووصفه بالاستقامة والبركة والطيب والقربة، والإقسام بالفعل أو بفاعله، وترتيب محبة الله تعالى أو ثواب الدنيا والآخرة عليه، وجعله سببًا للهداية والمغفرة وتكفير السيئات وقبول العمل والنصرة والبشارة والأمن والولاية وغيرها. ولا يريد بهذه الأنواع إثبات أحكام منفصلة عن النصوص، بل تدريب الناظر على إدراك أن الوعد والمدح والثناء وبيان حسن العاقبة كلها تحمل معنى الطلب وإن لم ترد في صورة «افعل». ويشير إلى أن اجتماع أكثر من قرينة من هذه القرائن على فعل واحد يزيد دلالته قوةً وتأكيدًا.
ويقابل ذلك في الفصل الثالث بسبعة وأربعين نوعًا من العلامات الدالة على النهي، فيستخرج التحريم أو المنع من العتاب والذم والمقت، وذم الفاعل أو نفي محبته والرضا عنه، وتشبيهه بالبهائم أو الشياطين، وجعل الفعل سببًا للحرمان من الهدى أو القبول، أو وصفه بالسوء والخبث والرجس والإثم والفسق، أو ترتب اللعن والغضب والحدود والعذاب والخزي والخيبة عليه. ويدخل في هذه الدلالات كذلك تبرؤ الأنبياء عليهم السلام من الفعل أو فاعله، واستعاذتهم منه، والنهي عن الدعاء لأصحابه، ووصف صاحبه بأنه عدو، أو ترتيب زوال النعمة وحلول النقمة على فعله. ويرد هذه الصور جميعًا إلى أصلين هما الذم والوعيد، لكنه يفصل أنواعها حتى يسهل التعرف إليها عند الاستنباط، كما رد صور أدلة الأمر إلى المدح والوعد.
ويفرد الفصل الرابع لما يصلح أن يدل على الأمر والنهي معًا بحسب السياق والجهة التي تعلق بها، ومن ذلك كتابة الأعمال وحفظها، ووضع الموازين، وأخذ الكتب يوم القيامة، وغير ذلك مما يكشف عن كون الأفعال محل حساب وجزاء. ويبحث ضمن هذا المسار العلامات التي قد ترتبط بالطاعة أو المعصية بحسب المتعلق، فلا يكون مجرد ورودها دليلًا مستقلًا على المدح أو الذم، وإنما تحدد جهة دلالتها بما أحاط بها من سياق ووعد أو وعيد.

ويجعل الفصل الخامس لنفي التسوية، فيبين أن قول النص إن فعلين أو فاعلين أو جزاءين لا يستويان قد يكشف عن تفاوت الرتبة أو الثواب والعقاب أو المدح والذم. فإذا كان نفي التسوية متعلقًا بدرجة الثواب أفاد تفضيل أحد العملين، وإذا تعلق بالجزاء كشف عن اختلاف الحكم والعاقبة، وإذا اقترن بمدح أحد الطرفين وذم الآخر دل على أن أحدهما مأمور به والآخر منهي عنه. ويستثمر لذلك الآيات التي تنفي التسوية بين القاعد والمجاهد، والمؤمن والفاسق، وأصحاب الجنة وأصحاب النار، فيجعل المقارنة نفسها أداة من أدوات استنباط الحكم.

ويبحث في الفصل السادس ما تتضمنه الأمثال من أحكام، منطلقًا من أن ضرب المثل في القرآن يقصد به التذكير والوعظ، ولذلك يمكن أن يحمل داخله ترغيبًا أو ترهيبًا ودلالةً على مدح أو ذم أو تفاوت في الثواب والعقاب. ويمثل بمضاعفة أجر الإنفاق في تشبيه المنفق بمن زرع حبة أنبتت سبع سنابل، ويرى أن صورة المثل وما فيها من تضخيم للثمرة ليست مجرد بيان بل وسيلة إلى الترغيب في الفعل. ويتتبع على هذا الأساس أمثالًا أخرى تتضمن إحباط العمل أو تعظيمه أو تحقيره أو تصوير أثر الهدى والضلال، رابطًا بين الصورة البيانية والأثر التشريعي الذي يفهم منها.

ويجمع الفصل السابع فوائد متفرقة تضبط التعامل مع الخطاب عند استخراج الحكم، ويقدم فيها السياق بوصفه مرشدًا إلى بيان المجمل وترجيح المحتمل وتأكيد الواضح؛ فاللفظ الذي يصلح للمدح أو الذم يتحدد مراده بما يقع فيه من سياق، وقد ينقلب لفظ المدح نفسه إلى تهكم وذم إذا ورد في مقام التوبيخ. كما يبحث الحذف والإضمار وما يحذف من العلل والمعلولات والجمل اعتمادًا على دلالة السياق، وينبه إلى أن استكمال المحذوف شرط لفهم المراد الصحيح وعدم نسبة الحكم إلى غير سببه.
ويتتبع في هذه الفوائد كذلك أثر التذكير بالنعم، فيقرر أن ذكر النعمة مقصوده حمل العبد على شكرها لا مجرد الإخبار بها، فيستنبط من التذكير بها طلب الشكر بحسب السياق. ويناقش ورود المباح في سياق الذم، فيفرق بين ذمه لذاته وبين ذمه لكونه شاغلًا عن واجب، ويعود إلى الصفات الجبلية ليقرر أن ما لا يمكن اكتسابه بنفسه تحمل أوصاف الأمر والنهي الواردة فيه على آثاره الاختيارية. وتتكرر هنا قاعدة الكتاب الأساسية: لا يكفي النظر إلى الكلمة منفردة، بل يجب تحديد متعلقها ووظيفتها في السياق والنتيجة التي رتبها الخطاب عليها.
ويخصص الفصل الثامن لما يستفاد من صفات الله تعالى من ترغيب وترهيب وتعريف بالأحكام، فيقسم الصفات إلى سلبية وإثباتية، ثم يقسم صفات الإثبات إلى صفات ذات وصفات فعل. ويعرض الحياة والعلم والإرادة والسمع والبصر والقدرة والكلام، ويبين كيف ترد هذه الصفات في النصوص لأغراض مختلفة؛ فقد يذكر العلم للترغيب إذا تعلق بأعمال البر، وللترهيب إذا تعلق بأعمال الظلم، وقد يجمع السياق بين الوعد والوعيد، كما يستفاد من القدرة الرجاء أو الخوف بحسب متعلقها. ويجعل الكلام أصلًا في جميع الأحكام لما يتضمنه من أمر ونهي وإباحة ووعد ووعيد ومدح وذم ونصب للأسباب والشروط والموانع والأوقات والآجال.
ويتوسع في هذا الفصل في الألفاظ الواردة في الصفات التي يرى أن حقائقها لا تحمل على ما يعهد في صفات المخلوقين، فيبحث ما تشير إليه من لوازم وآثار تؤدي وظيفة الترغيب أو الترهيب. فيرد أوصاف المحبة والرحمة والمودة والقرب إلى ما يثمر الإكرام والإحسان، ويرد الغضب والسخط والمقت والعداوة والإعراض إلى ما يثمر الوعيد والعقوبة، ثم يجعل الضابط في ذلك النظر إلى المعنى اللازم الذي يراد إفهامه للسامع وما يترتب عليه من أثر في الطاعة أو المعصية. وينتقل من هذا البحث مباشرة إلى دراسة المجاز؛ لأن فهم هذه العلاقات اللفظية عنده جزء من القدرة على استخراج الحكم من الخطاب.
ويفرد الفصل التاسع لضروب المجاز التي تتوقف عليها سلامة فهم النص، فيبحث التعبير بلفظ الجسم عن معنى، وبأسماء الأعضاء عن آثارها أو وظائفها، والتعبير باليد عن القدرة أو القهر أو القبول، وبالعين عن الإدراك، وبالقرب والبعد والإقبال والإعراض عن لوازمها المعنوية. ثم يوسع الأمثلة إلى الأخذ والقبض والبسط والسعة والضيق، ووصف المكان والزمان بصفة ما يقع فيهما، والتعبير بالمحل عن الحال، وبالجزء عن الكل، وبما كان الشيء عليه أو ما سيؤول إليه، وبالألفاظ الحسية عن حالات المعرفة والإيمان والضلال. والمقصود من هذا الاستطراد اللغوي إبراز العلاقات التي إذا لم يفهمها الناظر ربما حمل الخطاب على غير مراده واستخرج منه حكمًا لا يدل عليه.
ويجمع الفصل العاشر حصيلة الكتاب في كيفية انتزاع الأحكام من هذه الأدلة؛ فيقرر أن مدح الفعل أو فاعله، أو الوعد بخير عليه، يدل على كونه مأمورًا به مع بقاء النظر في كونه واجبًا أو مندوبًا، بينما ذم الفعل أو فاعله أو ترتيب الشر عليه يدل على التحريم، وذم ترك الفعل أو ترتيب الشر على تركه يدل على وجوبه. كما يفرق بين دليل يدل على أصل التكليف إجمالًا، كالبشارة والنذارة غير المرتبطتين بفعل معين، ودليل يدل على نوع من الأفعال، ودليل عام يستغرق جملة المأمورات أو المنهيات. ويفرق كذلك بين العموم المستفاد من نفس الصيغة والعموم الذي يكشف عنه اللزوم والمعنى.

ويطبق هذا المنهج على مقاطع كاملة من القرآن، فيحلل آيات صفات المؤمنين في أول سورة المؤمنون ليستخرج منها أحد عشر حكمًا تشمل مأمورات وإباحتين وتحريمًا، موضحًا كيف اجتمع في المقطع المدح والوعد والاستثناء ونفي اللوم ووصف الاعتداء لتتولد عنها أحكام متعددة. كما يبين أن اللفظة الواحدة قد تؤدي وظيفتين في وقت واحد، فتدل بصيغتها على حكم وبلازمها على حكم آخر؛ فالأمر بالتبشير مثلًا يتضمن طلب التبشير من الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي الوقت نفسه يكشف تعلق البشارة بالإيمان والعمل الصالح عن طلبهما من المخاطبين.

ويبلغ التدريب درجة إحصاء الأحكام الجزئية الداخلة تحت التعبير الواحد، فينظر إلى الكفارات والعبادات لا باعتبار اسمها حكمًا واحدًا، بل باعتبار ما تشتمل عليه من أفعال وشروط وأعداد وتتابع؛ فيعدد ما يدخل في كفارة الظهار واليمين والتمتع والحلق والقتل، ويبين أن الأمر بالصيام قد يتضمن عددًا من المأمورات بتعدد الأيام، وأن الأمر بالتكبير في أيام معينة يتكرر بتكرر مواضعه. ولا يقصد بهذه الأعداد مجرد الإحصاء، بل يصرح بأن الغرض تدريب الناظر على استخراج الأحكام من أدلتها، سواء كانت الأدلة مجملة أو مبينة، مفردة أو متكررة، حتى يتعود رؤية كثافة الدلالة التشريعية في النص الواحد.

ويمد هذا التدريب إلى معظم آيات القرآن، إذ يرى أنها لا تخلو غالبًا من حكم أو أدب أو خلق حسن يقرب المكلف إلى الخير، ويجعل التدبر سبيلًا إلى اكتشاف هذه الطبقات من الدلالة بدل الاقتصار على صيغ الأحكام الصريحة. ولهذا ينتقل في آخر صفحات الكتاب من إحصاء المأمورات إلى النظر في الخطاب القرآني نفسه بوصفه رسالة تعرف المكلف بأسباب الرضا والسخط، وتدعوه إلى فهم الآيات والعمل بمقتضاها؛ فمعرفة الدليل عنده لا تتم بمجرد ضبط الصيغة، بل بضم السياق واللازم والوعد والوعيد والمدح والذم والمجاز وما يترتب على الفعل من أثر، حتى ينكشف الحكم من مجموع ما أقامه الخطاب عليه من دلائل.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام
الشيخ الإمام العلامة الفقيه المجتهد، حجة الإسلام، شيخ الإسلام، عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن السُّلَمِي الدمشقي الشافعي، صاحب التصانيف. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، أو في التي بعدها. وسمع حضورًا من: أحمد بن حمزة بن المَوَازِينِي، وبركات بن إبراهيم الخُشُوعِي، وسمع من: عبد اللطيف بن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وعمر بن طَبَرْزَد، وحَنْبَل بن عبد الله، وأبي القاسم الحَرَسْتَانِي، وطائفة من المشايخ، ولم يكثر من السماع. حدث عنه: الدِّمْيَاطِي، وابن دقيق العيد، وأبو الحسين اليُونِينِي، وشهاب الدين بن فرح، والقاضي جمال الدين محمد بن سُومَر المالكي، وعلم الدين الدُّوَيْدَارِي، وخطيب حلب أبو عبد الله بن بَهْرَام، والمصريون. وبرع في العربية والأصول، وبلغ رتبة الاجتهاد، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه معرفة المذهب، مع الذكاء المفرط، وسعة المعرفة، وفقه النفس، والعبادة والنسك، والقول بالحق المر، وقد ولي خطابة دمشق بعد الجمال الدَّوْلَعِي. قال الشريف عز الدين في «الوفيات»: حدث ودرس وأفتى وصنف، وولي الحكم بمصر مدة، والخطابة بجامعها العتيق، وكان علم عصره في العلم، جامعًا لفنون متعددة، عارفًا بالأصول والفروع والعربية، مضافًا إلى ما جبل عليه من ترك التكلف والصلابة في الدين، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه. قلت: وُلي الخطابة، فلما تملك دمشق الملك الصالح إسماعيل، وأعطى الفرنج الشَّقِيف وصَفَد، تألم الشيخ ونال من الصالح، وترك الدعاء له في الخطبة عمدًا، فعزله واعتقله، ثم أطلقه، فخرج هو وابن الحاجب إلى مصر، فتلقاه السلطان عم الملك، وبالغ في احترامه إلى الغاية. واتفق موت قاضي القاهرة شرف الدين ابن عين الدولة، فولي بعده قاضي القضاة بدر الدين السِّنْجَارِي، وولي قضاء مصر نفسها والوجه القبلي الشيخ عز الدين، مع خطابة جامع مصر، فاتفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين ابن الشيخ بنى بنيانًا على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طَبْلَخَانَاه الصاحب، فأنكر الشيخ عز الدين ذلك، ومضى بجماعته وهدم البناء، وعلم أن السلطان والصاحب حنقا من ذلك، فأشهد على نفسه بإسقاط عدالة معين الدين، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السلطان، فكتب له بعزله عن الخطابة وإلا شنع على المنبر، كما فعل بدمشق، فعزله، فأقام في بيته يشغل الناس. وكانت عنده من الأمير حسام الدين بن أبي علي شهادة تتعلق بالسلطان، فجاءه لأدائها، فبرز يقول للسلطان: هذا ما أقبل شهادته. فتأخرت القضية، ثم أثبتت على السِّنْجَارِي. وله أفعال من هذا الجنس محمودة. وقد رحل إلى بغداد، فأقام بها أشهرًا، وذلك في سنة سبع وتسعين. ونقلت من خط عبد الملك بن عساكر: أن الشيخ عز الدين لما ولي خطابة دمشق فرح به المسلمون، إذ لم يصعد هذا المنبر من مدة مديدة مثله في علمه وفهمه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم لقوة نفسه، وشدة تقواه، فأمات من البدع ما أمكنه، فغير ما ابتدعه الخطباء، وهو لبس الطيلسان للخطبة، والضرب بالسيف ثلاث مرات، وإذا قعد لم يؤذن إلا واحد، وترك الثناء ولزم الدعاء، وكانوا يقيمون للمغرب عند فراغ الأذان، فأمرهم بالتمهل في سائر المساجد، وكانوا دبر الصلاة يقولون: إن الله وملائكته يصلون، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحديث. ولما بعث إليه الملك الظاهر يقول: عين مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففوضت إليه بعده. قال قطب الدين بن اليُونِينِي: كان رحمه الله، مع شدته، فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار، وكان يحضر السماع، ويرقص ويتواجد. مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وشهد جنازته الملك الظاهر والخلق. وقال أبو شامة: شيعه الخاص والعام، ونزل السلطان. قال: وعمل التعزية في جامع العُقَيْبَة. قلت: كان مقتصدًا في لباسه، تاركًا للتكبر، مقدمًا في العلم والعمل، ومن نظر في تصانيفه عرف قدره. حدثني أبو الحسن بن العطار عن جدي: أن والد الشيخ عز الدين كان نجارًا، وكان يؤم بمسجد الرَّحْبَة، ويؤدب الصبيان. وقال لي أبو الحسن: إن الصالح تلقاه، وبالغ في إكرامه، وبنى له في الصالحية. قلت: حضر يوم بيعة المستنصر أحمد، فكان أول من بايعه، وتلاه الملك الظاهر، وقد ألف «القواعد الكبرى»، وفيها نفائس وبدائع. المصدر: تكملة سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف