
نبذة عن الكتاب:
يتتبع علي بن أحمد بن حزم الأندلسي في كتاب «الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس» وجوه التناقض التي يراها في طرائق أهل الرأي والقياس في الاستدلال وبناء الأحكام، ولا يقتصر على مناقشة نتائج فقهية منفردة، بل يختبر مدى التزامهم بالأصول التي يحتجون بها؛ فيوازن بين قبولهم الحديث أو المرسل أو قول الصحابي رضي الله عنه أو الإجماع أو القياس في موضع، وبين ردهم الدليل نفسه أو ما هو أقوى منه في موضع آخر. وقد أشار ابن حزم إلى هذا الكتاب في «الإحكام» بوصفه مؤلفًا جمع فيه مئات القضايا التي رأى فيها تضادًا بين أقوال مخالفيه وطرائق احتجاجهم، وهو ما يكشف أن مقصده الرئيس نقد المنهج الاستدلالي من خلال تطبيقاته الفقهية الواسعة.
وقد وصل «الإعراب» ناقصًا؛ إذ فُقد أوله، ويبدأ القسم المحفوظ منه ببقية الفصل السادس في احتجاج الحنفية بمرسل دون مرسل، ويظهر من ترتيب الفصول وإحالات ابن حزم الداخلية أن قدرًا مهمًا من بداية الكتاب لم يصل. كما ينتهي الجزء الموجود بإشارة الناسخ إلى جزء ثانٍ كان مخصصًا لذكر طائفة أخرى من الأقوال التي يعترض عليها ابن حزم لعدم استنادها عنده إلى قرآن أو سنة، وهو جزء لم يصل إلينا. ومع هذا النقص يكشف الباقي بوضوح عن مقصد الكتاب وطريقة مؤلفه في التعقب والمناظرة، وقد وصف ابن حزم الكتاب نفسه بأنه كتاب ضخم استقصى فيه ما رآه من تناقض أقوال مخالفيه وحججهم.
ويرتب ابن حزم مادته في فصول وتنبيهات ومطالب بحسب نوع الاعتراض الذي يريد إظهاره، لا بحسب ترتيب أبواب الفقه المعتاد. وتدل إحالاته إلى فصول لاحقة على أن للكتاب مقدمة مفقودة كانت تتضمن خطته وتقسيمه، كما تكشف العناوين الباقية عن طبيعة منهجه؛ فمنها فصل في الاحتجاج بأخبار لا تدل على الحكم المدعى أو وقع مخالفة بعض ما نصت عليه، وتنبيه في مسائل يراها مخالفة للإجماع المتيقن، وبحث في اختلافهم في دلالة الأوامر بين الوجوب وغيره من غير فارق برهاني عنده.
ويظهر أول ما بقي من الكتاب في مناقشة الحديث المرسل؛ فابن حزم لا يحتج بالمرسل أصلًا، لكنه يلزم الحنفية بما يقررونه هم من قبوله، ثم يجمع المواضع التي أخذوا فيها بحديث مرسل حين وافق قولهم، والمواضع التي ردوا فيها مرسلًا آخر محتجين بإرساله حين خالف مذهبهم. ويوازن كذلك بين قوة ما قبلوه وما تركوه، فيذكر قبولهم بعض المراسيل الضعيفة أو الساقطة عنده، ورفضهم مراسيل يصف بعضها بأنه أقوى مما احتجوا به. ومقصوده من هذا الإلزام ليس إثبات حجية المرسل، وإنما بيان أن الأصل الذي يتخذه الخصم حجة ينبغي أن يطرد في نظائره، وإلا اختل عنده معيار الاحتجاج نفسه.
ثم ينتقل إلى الأخبار التي يحتجون بها، فيدور جانب كبير من اعتراضه على صورتين: أن يكون الخبر ثابتًا ولكنه لا يدل على الحكم الذي أريد إثباته، أو أن يحتج المستدل بجزء من الخبر ثم يترك حكمًا آخر دل عليه الخبر نفسه. ومن أمثلته مناقشته الاستدلال بأخبار ولوغ الكلب على أحكام الماء؛ إذ يرى أن الأخبار لا تتضمن بعض الأحكام المستخرجة منها، ثم يعترض بأن من احتج بها لم يلتزم في المقابل ما ورد فيها من عدد الغسلات واستعمال التراب. ويكرر هذا الأسلوب في مسائل متعددة من الطهارة والصلاة والمعاملات وغيرها.
ويتشدد في التحقق من ألفاظ الروايات ووجوه دلالتها، فلا يقف عند السؤال عن صحة الحديث، بل يبحث هل اللفظ الذي بني عليه الحكم موجود فعلًا في الرواية، وهل السياق الذي استند إليه المستدل ثابت فيها، وهل دلالة الخبر توافق الدعوى التي أقيم من أجلها. وينتقد لذلك إدخال قيد في الرواية ثم بناء الحكم عليه، كما يناقش الاحتجاج بحديث في موضع ثم مخالفة ما يراه دلالته في موضع آخر. ومن هذا الباب اعتراضه على الاستدلال بالنهي عن بيع الغرر مع إجازة صور يرى أنها داخلة في الغرر نفسه، واعتراضه في بعض روايات الجمعة على إثبات وصف لم يثبت عنده في الخبر المحتج به.
ويفرد لأقوال الصحابة رضي الله عنهم مساحة كبيرة؛ لأن الاحتجاج بها يمثل عنده موضعًا آخر لاختبار اتساق المنهج. فيتعقب مسائل لا يجد لأصحابها فيها متعلقًا إلا رواية عن صحابي رضي الله عنه، ثم يرفض تقديمها عند معارضتها نصًا من القرآن أو السنة الصحيحة بحسب فهمه. كما يناقش الاحتجاج بقول صحابي رضي الله عنه لإثبات أن للمذهب سلفًا في المسألة، ثم يعرض ما يراه مخالفة للرواية نفسها في بعض ما اشتملت عليه، أو عدم مطابقة الرواية لما نُسب إليها من حكم. ويستند في ذلك إلى تتبع واسع لأقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين واختلافهم ورجوع بعضهم عن بعض أقوالهم.
ويتصل بذلك نقد التقليد من جهة جعل قول الإمام أو الصحابي رضي الله عنه مرجعًا مستقلًا عن البرهان؛ فابن حزم يعيد في تطبيقاته الفقهية الأصل الذي يدافع عنه في كتبه الأخرى، وهو أن الحكم لا يثبت عنده لمجرد أن إمامًا قال به أو وجد له قائل متقدم، وإنما العبرة بما تقوم عليه الحجة. ولذلك يضع أقوال خصومه بعضها بإزاء بعض، ويسأل في كل موضع عن القاعدة التي سوغت قبول الدليل هنا ورده هناك، ويظهر من خلال ذلك موقفه من المرسل، وشرع من قبلنا، والتقليد، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والقياس.
ويبحث دعوى الإجماع بالطريقة نفسها، فيميز بين ما يسميه الإجماع المتيقن وبين الإجماع الذي يبنى على عدم معرفة المخالف. ويجمع مسائل يرى أن الحنفية خالفوا فيها اتفاقًا ثابتًا، ثم يضع بإزائها مسائل أنكروا فيها على غيرهم قولًا بحجة أنه لم يعرف عمن سبق، مع وجود أقوال ينسبها إليهم لا يعرف لها قائلًا قبلهم. ومن هنا يصبح البحث في الإجماع جزءًا من امتحانه للمعايير نفسها: فإذا كان عدم معرفة السلف بالقول موجبًا للإنكار على الخصم، فينبغي عنده أن يطبق المعيار على جميع الأقوال من غير استثناء.
ويتعقب كذلك طريقة التعامل مع أوامر القرآن والسنة، فيجمع مواضع يرى أن صيغة الأمر فيها حملت على الوجوب، ومواضع أخرى حُملت فيها صيغة مماثلة على الإباحة أو غيرها من غير نص آخر يفرق بين الدلالتين. وهذا الاعتراض متصل بأصله الظاهري في دلالات الألفاظ؛ إذ يرفض نقل الصيغة عن ظاهرها من غير برهان، ويستعمل الفروع الفقهية لإظهار ما يعتبره اضطرابًا في تطبيق القاعدة اللغوية والأصولية نفسها.
ولا تبقى مناقشاته محصورة في أبواب أصول الفقه النظرية، بل تمتد إلى مساحة واسعة من الفروع؛ فالكتاب يجمع مسائل من الطهارات والصلاة والزكاة والصيام والحج، والبيوع والشهادات والنكاح والقضاء، والأطعمة والأشربة، والحدود والقصاص والديات. وهذه الكثرة جزء من طريقة ابن حزم في الاحتجاج؛ لأنه يريد إظهار أن ما يسميه التناقض لا يقع في مسألة عارضة أو باب واحد، بل يتكرر عند تطبيق الأصول على فروع متباعدة. ولذلك يجمع «الإعراب» في القسم الباقي منه قدرًا كبيرًا من فقه الحنفية الذي يناقشه، وفقه ابن حزم الذي يقابله به، إلى جانب الحديث والآثار والخلاف الفقهي.
وتظهر عنايته بالحديث في أثناء هذا الجدل من خلال الكلام على صحة الأخبار وضعفها، واتصالها وإرسالها، وتتبع طرق الروايات، والموازنة بين ما يصح عنده وما لا يصح، ثم ربط ذلك بوجه الاستدلال الفقهي. كما يرجع إلى اللغة في تفسير الألفاظ ومناقشة دلالاتها، ويتتبع مذاهب الفقهاء والفرق وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، فيتحول الكتاب إلى مناظرة فقهية وأصولية وحديثية في آن واحد، مبنية على مقارنة الدعوى بالدليل ثم مقارنة استعمال الدليل في مسألة باستعماله في نظائرها.
ويبلغ هذا المنهج ذروته في مناقشة القياس، وهو أصل الخلاف الأشد بين ابن حزم وأهل الرأي؛ فلا يكتفي بإبطال القياس من حيث أصله، بل يلزم القائلين به بمقتضى قياسهم نفسه. فيجمع صورًا قاسوا فيها حكمًا ثم تركوا في المسألة نفسها قياسًا مماثلًا، أو تركوا ما يراه قياسًا أقوى وأظهر، أو أجروا القياس في واقعة ثم تركوه في واقعة أخرى مماثلة لها. ومقصوده أن صحة القياس على فرض التسليم بها تقتضي اطراده، أما استعماله عند موافقة النتيجة وترك نظيره أو الأقوى منه في موضع آخر فيكشف عنده خللًا في أصل الاحتجاج به.
ومن أمثلة ذلك مناقشته الوضوء بنبيذ التمر؛ إذ يعرض تعليل الحكم بقياسه على الماء الذي خالطه طاهر، ثم يقارن ذلك بترك إلحاق سوائل أخرى به، فيجعل المثال اختبارًا للقياس من داخله لا مجرد رفض له من خارجه. ويكرر هذه الطريقة في مسائل الجنايات والكفارات والديات وغيرها، فيبحث الجامع الذي أقيم عليه القياس، ثم يذكر نظيرًا يراه أقرب إلى الأصل أو أقوى في المعنى ويسأل عن سبب ترك إلحاقه به.
ويقف الجزء الذي وصل إلينا بعد هذا الاستقصاء الطويل لتناقضات القياس؛ فيقرر ابن حزم أن القياس الذي يستعمله خصومه لا يكاد يسلم، بحسب احتجاجه، من ترك نظيره في المسألة نفسها أو ترك ما هو أقوى منه. ثم تنص خاتمة النسخة على أن جزءًا آخر كان سيعقب ذلك لذكر طائفة من الأقوال التي يرى أنها لم تتعلق بقرآن ولا سنة، فانقطع ما وصل من «الإعراب» عند نقد القياس وتطبيقاته قبل انتقال ابن حزم إلى القسم التالي الذي كان قد أعده لمواصلة تعقبه لأقوال أهل الرأي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













