
نبذة عن الكتاب:
يلخِّص أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي في كتاب «الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل» جملةً من أهم مباحث أصول الفقه في بناء موجز قصد به تقريب أصول الاستدلال وطرائق فهم الأدلة، وهو مختصر من كتابه الأكبر «إحكام الفصول في أحكام الأصول». ويبدأ بتحديد جملة من المصطلحات الأصولية، ثم يرتب مادته حول الأدلة ودلالاتها وما يتصل بها من قواعد الاستنباط، مع عناية ظاهرة بأصول المذهب المالكي، وإيراد أقوال لعدد من علمائه المتقدمين.
ويقيم الباجي تصوره لأدلة الشرع على ثلاثة أضرب كبرى: «الأصل»، و«معقول الأصل»، و«استصحاب الحال». ويجعل الأصل شاملًا للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويجعل معقول الأصل مشتملًا على لحن الخطاب وفحوى الخطاب والحصر ومعنى الخطاب، ثم يقسم استصحاب الحال إلى استصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع؛ فتنتظم مباحث الكتاب وفق الانتقال من النصوص وأصولها إلى ما يستفاد منها بطريق الدلالة والمعنى، ثم إلى ما يبقى عليه الحكم عند عدم الدليل الناقل.
ويفصل في دلالات الألفاظ، فيبدأ بالحقيقة والمجاز، ويعرض أقسام المجاز ومسألة وقوعه، ثم يقسم الحقيقة إلى مفصل ومجمل، والمفصل إلى غير محتمل ومحتمل؛ فغير المحتمل هو النص، أما المحتمل فيدخل فيه الظاهر والعموم. ومن هنا ينتقل إلى الأوامر والنواهي، ومباحث العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ثم إلى المجمل وما يفتقر إليه من البيان، فيجمع بذلك جانبًا كبيرًا من القواعد التي تضبط انتقال المجتهد من اللفظ إلى الحكم الذي يدل عليه.
ويتناول السنة من جهة صور صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيقسمها إلى أقوال وأفعال وإقرار، ثم يبحث أحكام الأخبار وما يتصل بها من التواتر والآحاد، والمسند والمرسل، ويعقب ذلك بمباحث النسخ بوصفها متعلقة بالكتاب والسنة، فيدرس الناسخ والمنسوخ وما يترتب عليهما من معرفة بقاء الحكم أو ارتفاعه. ثم يعرض إجماع الأمة باعتباره القسم الثالث من «الأصل» الذي ترجع إليه الأدلة.
ويجعل «معقول الأصل» طريقًا لفهم ما وراء الدلالة الصريحة للنص؛ فيبحث لحن الخطاب، ويستعمله في دلالة الاقتضاء، ثم فحوى الخطاب الذي يطلقه على مفهوم الموافقة، ويبحث الحصر، ثم يصل إلى «معنى الخطاب» وهو القياس. وبذلك يفرق بين وجوه الاستدلال التي تستفاد من تركيب الكلام وما يقتضيه أو يدل عليه بطريق الموافقة، وبين إلحاق واقعة بأخرى لاشتراكهما في المعنى المؤثر في الحكم.
ويعرّف القياس بأنه حمل أحد المعلومين على الآخر في إثبات حكم أو إسقاطه لأمر جامع بينهما، ويقرره دليلًا شرعيًا، ثم يسوق وجوه الاحتجاج له، ويستدل بما ورد من رد النظائر إلى نظائرها وبما جرى من اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في الوقائع التي لم يجدوا فيها نصًا مباشرًا. ولا يقصر مجال القياس على نوع ضيق من الأحكام، بل يبحث جريانه في الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال، ويواصل بعد ذلك تفصيل مسائل القياس والعلة وما يتصل بإثبات الحكم في الفرع بواسطة المعنى الجامع بينه وبين الأصل.
وينتقل إلى استصحاب الحال، فيقسمه إلى استصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع. ويمثل للأول ببقاء الذمة على البراءة حتى يثبت دليل شرعي يشغلها، فإذا ادعى أحد الخصمين حكمًا شرعيًا كان عليه إقامة الدليل الناقل عن الأصل. أما استصحاب حال الإجماع فيعرضه من خلال الاحتجاج باستمرار حكم ثبت موضع الاتفاق عند الانتقال إلى حال وقع فيها الخلاف، ويناقش مدى صلاحية هذا الطريق للاستدلال.
ويربط الباجي هذه الأدلة بمن يستعملها، فيبين صفة المجتهد وما يحتاج إليه من معرفة مواضع الأدلة وطرق دلالتها، وما يتصل باللغة والشرع وأصول الفقه، ويشترط من العربية ما يمكّنه من فهم كلام العرب، مع الأمانة في الدين والثقة في الفضل؛ فإذا اجتمعت له خصال الاجتهاد جاز له الإفتاء، وجاز للعامي تقليده فيما يفتيه.
ويخصص خاتمة مباحثه لأحكام الترجيح عند تعارض الأدلة، فلا يجعل الترجيح مرحلة أولى مع إمكان الجمع، وإنما يبحثه عند تعارض الأخبار بحيث لا يمكن الجمع بينها ولا يعرف المتأخر منها ليحمل على النسخ. ويقسم الترجيح في الأخبار إلى ما يرجع إلى الإسناد وما يرجع إلى المتن، ويذكر لكل منهما أحد عشر وجهًا، ثم ينتقل إلى ترجيح المعاني والعلل ويجعله كذلك على أحد عشر ضربًا، فتكتمل بذلك دورة النظر الأصولي من معرفة الدليل وفهم دلالته إلى معالجة ما يعرض للأدلة من تعارض.
ويعتمد الكتاب الإيجاز والتيسير بدل التوسع في استقصاء الخلاف؛ فيذكر أهم الأقوال ويبين ما ترجح لديه، ويدعم اختياراته بالحجة النقلية أو العقلية بحسب المقام، من غير أن يحول المختصر إلى كتاب مطول في المقارنة والجدل. كما حفظ في ثناياه أقوالًا أصولية لجملة من متقدمي المالكية، فجمع بين تقديم مدخل مركز إلى أبواب الأصول وبين إظهار بعض ملامح النظر الأصولي المالكي في دلالات النصوص والأخبار والإجماع والقياس والاستصحاب والترجيح.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














