
نبذة عن الكتاب:
يؤسِّس علي بن أحمد بن حزم الأندلسي في كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» منهجه في فهم الشريعة واستنباط أحكامها على ردِّ الدين إلى ما ثبت به البرهان، وفي مقدمة ذلك القرآن والسنة الصحيحة، مع تحرير ما يصح من الإجماع وما يستفاد من النص بطريق الدليل، ورفض إدخال الأحكام في الدين بالرأي والقياس والاستحسان والتقليد من غير نص ملزم. ويصرح بأن غرض الكتاب بيان أصول الأحكام التي كُلِّف بها الناس في العبادات والحكم بينهم، واستقصاء ما اختلف فيه أهل العلم في هذه الأصول، ويربط مشروعه بقوله تعالى في الأمر برد التنازع إلى القرآن والسنة، وبكمال الدين الذي يمنع الزيادة فيه أو النقص منه بغير حجة.
ويبدأ قبل الخوض في دلالات النصوص ببحث أدوات المعرفة التي يقوم عليها النظر؛ فيثبت حجج العقل، ويحدد المجال الذي يدركه العقل والمجال الذي لا يستقل بإدراك الأحكام فيه. فالعقل عنده أداة للتمييز بين الأشياء وفهم الخطاب والاستدلال على صحة النبوة والوحي وتمييز الخبر الصحيح من الباطل، لكنه لا يملك أن ينشئ بنفسه تحليلًا أو تحريمًا أو عددًا لعبادة أو كيفية لحكم شرعي؛ لأن هذه الأمور مردها إلى الوحي. ويناقش لذلك من حصر المعرفة في الإلهام، أو قول إمام بعينه، أو الخبر المجرد، أو التقليد، ويقرر أن كل خبر أو دعوى تحتاج إلى معيار يميز صحيحها من فاسدها، وأن هذا التمييز لا يستغني عن العقل والبرهان. ثم ينتقل إلى أصل اللغات وكيف ظهرت، والألفاظ المستعملة بين أهل النظر، وما إذا كانت الأشياء قبل ورود الشرع محظورة أو مباحة، ليمهد بذلك للبحث في كيفية فهم خطاب الشريعة.
ويجعل القرآن أصلًا يجب الوقوف عند أوامره ونواهيه، ويرى أن الدين قد بُيِّن ولم يترك محتاجًا إلى إنشاء أحكام خارجة عن النص. ثم يبحث معنى البيان وصوره وتأخيره، وكيف يفسر بعض الوحي بعضًا، فيفرق بين التفسير والاستثناء والتخصيص والنسخ؛ فالتخصيص والاستثناء يكشفان أن الحكم العام لم يُرد به بعض أفراده من الأصل، أما النسخ فهو رفع حكم ثبت التكليف به فعلًا، ولذلك لا يجوز عنده ادعاء النسخ إلا ببيان يقيني يثبت انتقال الحكم. ويقرر أن القرآن قد يبين القرآن والسنة، وأن السنة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراره وإشارته قد تكون بيانًا للقرآن، كما قد يبين بعضها بعضًا.
ويفرد للسنة مساحة واسعة، فيبحث الأخبار وطرق نقلها وأسباب اختلاف العلماء فيها، ويجعل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وحيًا واجب الاتباع لا تقل حجيته من جهة التشريع عن القرآن. ومن أبرز اختياراته في هذا الباب قوله بأن خبر الواحد إذا رواه العدل عن مثله متصلًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معًا، ويرد على من أوجب به العمل دون العلم وعلى من رد أخبار الآحاد أصلًا. ويناقش المرسل والموقوف، وزيادة الثقة، واختلاف الروايات، وحال الرواة، وما إذا كانت مخالفة الراوي لما رواه أو مخالفة غيره له تسقط الخبر، ويجعل صحة النقل هي المعتبرة لا موافقة الحديث لمذهب سابق أو رأي فقيه.
ويبحث دلالات الأمر والنهي على أساس الأخذ بظاهر الخطاب؛ فالأمر عند تجرده يحمل على الوجوب والفور حتى يقوم دليل ينقله عن ذلك، والنهي يفهم على مقتضاه من المنع، كما يجعل الأصل في الألفاظ العامة بقاءها على عمومها حتى يأتي نص صحيح يخصصها. ومن هنا يفصل مسائل العموم والخصوص، وأقل الجمع، والاستثناء، والضمير، والإشارة، والمجاز والتشبيه، ولا يجيز نقل اللفظ عن دلالته الظاهرة لمجرد احتمال أو تعليل يضاف إليه من خارج النص. ويظهر في هذه المباحث أصل مذهبه الظاهري بوضوح: وظيفة المجتهد أن يستوفي دلالة الكلام كما ورد، ويجمع النصوص المتعلقة بالمسألة، لا أن يجعل وراء ظاهر الخطاب معنى تشريعيًا لم يدل عليه برهان.
ويتناول أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته، ويفرق بين الاقتداء بالفعل وبين القول بوجوبه على الأمة. فهو لا يرى أن كل فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم يصبح بمجرد وقوعه فرضًا على المسلمين؛ لأن الأصل عدم الإلزام حتى يقوم نص يدل عليه، ولو جعل كل فعل واجب الاتباع على جهة الفرض للزم اتباع جميع الهيئات والأماكن والحركات التي لم يقل أحد بوجوبها. وفي المقابل يجعل التأسي به صلى الله عليه وسلم في فعله المشروع حسنًا مأجورًا، ويرفض ادعاء الخصوصية بلا دليل من نص أو إجماع، كما يبحث دلالة سكوت النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره لما يراه أو يبلغه من أفعال الناس.
ويخصص للإجماع بحثًا مطولًا يكشف تشدده في إثباته؛ فلا يقبل التوسع في دعوى الإجماع لمجرد عدم معرفة المخالف، ولا يرى أن سكوت من لم ينقل عنه قول يصح أن يحول قول غيره إلى إجماع. ويعرض الخلاف في كون الإجماع مخصوصًا بالصحابة رضي الله عنهم أو ممكنًا بعدهم، ثم يضيق دائرة «الإجماع المتيقن» إلى ما يمكن القطع باتفاق المسلمين عليه، ومنه أصول الدين والفرائض الظاهرة التي لا يشك أحد في اجتماع الأمة عليها، وإلى ما ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم جميعًا عرفوه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أو بلغه جميعهم. ويؤكد أن الإجماع الصحيح لا يمكن أن ينشئ حكمًا في مقابلة نص، لأن أصله عنده راجع إلى توقيف من القرآن أو السنة. ويكثر لهذا من نقد الإجماعات المدعاة، ويتتبع وجود المخالفين ليبين أن عبارة «لا نعلم فيه خلافًا» لا تساوي عنده «أجمع العلماء عليه».
ويشرح ما يسميه «الدليل» حتى يميزه من القياس؛ لأن بعض مخالفيه عد قبول الدليل تناقضًا مع إنكاره للقياس. فيقرر أن الدليل الذي يحتج به لا يخرج أصلًا عن النص أو الإجماع، بل هو معنى لازم لهما أو نتيجة برهانية مستفادة منهما. فيجعل من الدليل المأخوذ من الإجماع استصحاب الحال، والأخذ بأقل ما قيل في مواضعه، وما ثبت من اتفاقهم على ترك قول، وما يلزم من اتفاقهم على حكم مشترك، ويذكر للدليل المأخوذ من النص صورًا من النتائج الضرورية التي تنتج من مقدمات صحيحة أو من المعنى الذي يتضمنه الخطاب. وبذلك يفصل بين «الدليل» بوصفه كشفًا عما تضمنه النص أو الإجماع، وبين القياس الذي ينقل حكم المنصوص عليه إلى واقعة أخرى بسبب عِلّة يدعيها المجتهد.
ويجعل استصحاب الحال أصلًا مهمًا في ضبط الأحكام عند فقد الناقل؛ فإذا ثبت حكم بنص أو إجماع فلا يجوز ادعاء زواله لمجرد تغير زمان أو مكان أو بعض أحوال الشيء، بل يبقى الحكم المتيقن حتى يأتي نص صحيح ينقله. ومن هذا الأصل يناقش العقود والعهود والشروط، ويرى أن إثبات الالتزام يحتاج إلى ما أوجبه الشرع، كما يفرق بين الاستصحاب وبين «أقل ما قيل»؛ فالأخير يعمل به في بعض المقادير التي ثبت أصل وجوبها ولم يثبت قدر زائد منها، فيقتصر على المقدار المتفق عليه ولا يلزم الناس بما زاد بلا دليل.
ويشن حملة واسعة على الاختلاف في الدين إذا كان الحق قد ثبت بالنص، ويرفض القول بأن كل مجتهد مصيب مع تناقض الأحكام؛ فالحق عنده واحد، وما خالفه خطأ، لكن الخطأ لا يستلزم دائمًا الإثم. فالمجتهد الذي بذل وسعه وقصد الحق ثم أخطأه معذور مأجور على اجتهاده، أما من تبين له النص ثم أعرض عنه عمدًا فليس في حكم من طلب الحق وأخطأ طريقه. ومن هذا الأصل يبحث معنى «الشذوذ» ومن يعتد بخلافه من الفقهاء، وينقد استعمال كثرة القائلين أو قلتهم لإبطال قول لمجرد مخالفته للجمهور؛ لأن الميزان عنده هو البرهان لا عدد القائلين.
ويعرض بعد ذلك صفة طلب الفقه والمفتي وما يجب على كل مسلم تعلمه من الأحكام بحسب ما يلزمه في حياته؛ فيوجب على صاحب المال معرفة أحكام زكاته، وعلى من وجب عليه الحج تعلم مناسكه، وعلى التجار معرفة أحكام البيوع، وعلى القضاة والأمراء معرفة ما يتعلق بأعمالهم، مع وجوب قيام من يكفي في كل جماعة بتحصيل أحكام الديانة وحفظ القرآن والأحاديث الصحيحة والإجماع وما وقع فيه الخلاف وتعليم الناس ذلك. ولا يجيز للمفتي أن يقتصر في تعليمهم أو إفتائهم على آراء الرجال معرضًا عن النصوص.
ويبحث كذلك النيات وأثر الخطأ والعمد، وحكم شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يناقش الاحتياط وقطع الذرائع، رافضًا تحريم المباح لمجرد خوف أن يكون وسيلة إلى محرم إذا لم يقم النص على ذلك، لأن التحريم نفسه حكم شرعي يحتاج إلى دليل. ويمتد هذا الأصل إلى موقفه من الاستحسان والاستنباط والرأي؛ إذ يجمعها في معنى الحكم بما يستحسنه المجتهد ويظنه أصلح من غير نص، ويرفض جعل استحسان الفقيه مصدرًا للتشريع، ويقرر أن «أحسن القول» هو ما وافق القرآن والسنة لا ما استحسنته النفوس والآراء.
ويخص التقليد بنقد مفصل، فيجعل اعتقاد القول إما قائمًا على برهان أو خاليًا منه؛ فإن قام على البرهان كان الاتباع للبرهان نفسه، وإن أخذ المرء قول شخص لمجرد أن ذلك الشخص قاله فهو التقليد الذي يبطله. ولذلك يرفض التزام مذهب إمام بعينه في جميع أقواله، ويستدل بأن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لم يجعل أحد منهم قول رجل واحد ميزانًا يرد إليه جميع النصوص والمسائل، كما يفرق بين سؤال العالم عن حكم المسألة وبين جعل شخص دون النبي صلى الله عليه وسلم مصدرًا مستقلًا يلزم اتباع قوله.
ويبلغ هذا المنهج أشد صورته في إبطال القياس والعلل التي يبني عليها القائلون به نقل الأحكام؛ فيناقش أدلتهم من القرآن والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم، ويعمل على رد كل ما احتجوا به إلى نص أو دلالة أخرى لا قياس فيها، ثم يورد مسائل وقع الاتفاق فيها على عدم التسوية بين أشياء تجمعها وجوه شبه ظاهرة ليبين أن مجرد التشابه لا يوجب اتحاد الحكم. ويرفض أن تكون العِلّة التي يستنبطها المجتهد مشرعة للحكم في غير محل النص، ويفرق بينها وبين الأسباب والعلامات والعلل الحقيقية التي يدل عليها النص أو الحس. وفي مقابل القياس يثبت «الدليل» لأنه عنده لا ينشئ حكمًا جديدًا، وإنما يستخرج لازم النص نفسه أو الإجماع المتيقن.
ويحرر في مباحث الاجتهاد معنى العذر بالخطأ، فلا يجعل إنكاره للقياس والتقليد إلغاءً للاجتهاد، بل يجعل الاجتهاد بذل الوسع في طلب الحكم من النصوص وفهمها وجمع ما يتصل بالمسألة منها، ويفرق بين من أخطأ بعد صدق الطلب ولم تتبين له الحجة، وبين من أعرض عن البرهان بعد ظهوره أو تكلم في الدين بغير علم. فالحق عند ابن حزم واحد لا يتعدد بتعدد المجتهدين، غير أن من طلبه واجتهد في الوصول إليه ثم أخطأه لا يلحق بمن ترك النص أو اتبع التقليد والرأي، وإنما يبقى واجبه أن يرجع إلى ما ثبت من القرآن والسنة الصحيحة متى ظهر له، وألا يجعل لقول أحد أو لاجتهاده سلطانًا على النص.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














