
نبذة عن الكتاب:
يفصِّل تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي وولده تاج الدين عبد الوهاب السبكي في كتاب «الإبهاج في شرح المنهاج» مسائل كتاب «منهاج الوصول إلى علم الأصول» للقاضي ناصر الدين البيضاوي، فيبسطان عباراته الموجزة، ويحرران حدود المسائل ومواضع الخلاف فيها، ويستقصيان أدلة الأقوال واعتراضاتها وأجوبتها، مع كثرة رد الفروع الفقهية إلى أصولها، ولا سيما فروع المذهب الشافعي. وقد بدأ تقي الدين السبكي الشرح وانتهى إلى مسألة مقدمة الواجب، ثم أكمل تاج الدين ما بقي منه، فكان أكثر الكتاب من شرحه، مع محافظته على ترتيب متن البيضاوي وتبويبه واتصال الشرح بعباراته. ويظهر في طريقة تاج الدين أنه لا يقتصر على حل العبارة، بل يقدم للمباحث بتقسيماتها، ويتعقب التعريفات والاستدلالات، وينقل مذاهب الأصوليين من مصادر متعددة، ويرجح ويعترض ويصحح، ويطيل حين يرى أن المسألة لم تستوف حقها، مع الاستدلال بالقرآن والسنة والإجماع وأقوال الصحابة رضي الله عنهم وأهل اللغة والشعر العربي والأدلة العقلية.
ويمهد الشارحان قبل الأدلة بالأحكام ومتعلقاتها؛ لأن تصور الحكم سابق على البحث في دليله، ويجعلان بناء أصول الفقه قائمًا على مقدمة وسبعة كتب: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والأدلة المختلف فيها، ثم التعادل والتراجيح، ثم الاجتهاد والإفتاء. وفي المقدمة يبحثان حقيقة الحكم الشرعي، وتقسيماته، والواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح، وما يتصل بالأحكام الوضعية من السبب والشرط والمانع، ثم مسائل التكليف والمكلف به. ويجري الشرح منذ هذه المباحث الأولى على مناقشة الحدود والقيود، وإخراج ما لا يدخل في المحدود، وربط المسائل النظرية بالفروع؛ فلا تمر قاعدة مثل وجوب ما لا يتم الواجب إلا به إلا وتفصل شروطها وصورها وما يترتب عليها من أحكام.
ويجعلان الكتاب الأول للقرآن الكريم وطرق الاستدلال بألفاظه، ويقرران أن فهمه متوقف على معرفة اللغة وأقسام دلالاتها، ولذلك لا يبدأ البحث بالأمر والنهي مباشرة، بل يتناول جملة من المقدمات اللغوية التي يحتاج إليها الأصولي في فهم الخطاب، من طرق معرفة وضع الألفاظ، والحقيقة والمجاز، والاشتراك والترادف والاشتقاق، وما يتصل بدلالة اللفظ على معناه. ثم يقسمان مباحث الخطاب إلى الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبيَّن، والناسخ والمنسوخ. ويناقشان في الأمر حقيقته وصِيَغه ودلالته على الوجوب، وما يتعلق بالتكرار والفور، والأمر بالشيء وما يستلزمه، والأمر الوارد بعد الحظر، وما لا يتم المأمور به إلا به، ثم يقابلان ذلك بمباحث النهي وما يقتضيه من التحريم والفساد وعلاقته بضد المنهي عنه.
ويتوسعان في العموم والخصوص من جهة صِيَغ العموم ودلالتها، ودخول الصور المختلفة تحت اللفظ العام، وما يجوز تخصيصه وما لا يجوز، ثم المخصصات المتصلة والمنفصلة وعلاقة العام بالخاص عند اختلاف زمن ورودهما. ومن المسائل التي يفصلانها تخصيص القرآن بخبر الواحد، فيعرضان مذاهب المانعين والمجيزين وأدلة كل فريق، وينقلان اختيار البيضاوي ومن وافقه بجوازه. كما يبحثان المجمل وأسباب إجماله، والمبيِّن وطرق البيان وتأخيره، ثم النسخ وحقيقته والفرق بينه وبين التخصيص، وما يجوز نسخه وما لا يجوز، وعلاقة النصوص بعضها ببعض عند معرفة المتقدم والمتأخر، ويتعقبان بعض صيغ البيضاوي إذا رأيا أنها لا تستوعب الفروق الدقيقة بين النسخ والتخصيص.
ويفردان الكتاب الثاني للسنة، وقد سبق في الكتاب الأول بحث دلالات الأقوال، فيتركز النظر هنا على أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وطرق ثبوت السنة. ويبحثان عصمة الأنبياء عليهم السلام، ودلالة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وما يكون منها بيانًا أو امتثالًا أو خاصًا به، وما يتعلق بالتأسي به، ويدخلان التقرير في الأفعال من جهة كونه كفًّا عن الإنكار. ثم ينتقلان إلى الأخبار، فيفصلان المتواتر والآحاد وما يفيده كل منهما، وشروط الرواة والجرح والتعديل، والرواية بالمعنى، وزيادة الثقة، والمراسيل وما يقويها أو يضعفها، وطرق تحمل الحديث وأدائه. ويظهر في هذا الموضع حضور الصناعة الحديثية في الشرح؛ إذ لا يقتصران على القاعدة الأصولية المجردة، بل يتعرضان لطرق الأحاديث والرواة وما يثبت به اللفظ الذي بُني عليه الاستدلال.
ويبحثان في الكتاب الثالث الإجماع، فيعرفانه باتفاق أهل الحل والعقد من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يحرران من يدخل في أهل الإجماع، وإمكان انعقاده وحجيته وطرق العلم به، وما إذا كان انقراض العصر شرطًا فيه، وحكم اتفاق أهل عصر بعد اختلافهم، وإحداث قول ثالث بعد استقرار الخلاف، والإجماع السكوتي وما تدل عليه أمارات الرضا أو مجرد السكوت. ويفرقان بين كون الشيء إجماعًا وكونه حجة؛ فقد يكون القول حجة عند بعض الأصوليين من غير أن يسموه إجماعًا، كما يظهر في بعض الأقوال في الإجماع السكوتي. ثم يعرضان مسائل إجماع فئات مخصوصة، وما يقال في قول الصحابي رضي الله عنه، ويفحصان أدلة القائلين بحجيته والمانعين منها بدل الاكتفاء بنسبة كل مذهب إلى أصحابه.
ويجعلان الكتاب الرابع للقياس، فيبدآن بتعريفه وإثبات حجيته ومناقشة منكريه، ثم يفصلان أركانه الأربعة: الأصل والفرع والعِلّة وحكم الأصل، ويعترضان على جعل حكم الفرع ركنًا خامسًا؛ لأنه ثمرة ثبوت القياس لا جزء مستقل من بنيته. ويمنحان العِلّة مساحة واسعة، فيبحثان حقيقتها وشروطها وأقسامها، وما يجوز التعليل به من أوصاف حقيقية وإضافية وعدمية وشرعية ولغوية وغيرها، والعلل المتعدية والقاصرة والبسيطة والمركبة، ثم مسالك معرفة العِلّة من النص والإجماع والإيماء والمناسبة والسبر والتقسيم والدوران وما يتصل بها من تنقيح المناط وتحقيقه وتخريجه. ويكشف هذا الباب بوضوح طبيعة الشرح؛ فالشارح قد ينبه إلى قسم أغفله المتن، أو يعترض على ترتيب الأدلة، أو يقدم ما يراه أقوى وإن خالف ما قد يوهمه ترتيب البيضاوي.
ويفصلان كذلك ما يقدح في العِلّة، فيجعلان من مبطلاتها النقض وعدم التأثير والكسر والقلب والقول بالموجب والفرق، ويشرحان حقيقة كل اعتراض وموقعه من القياس وما يصح أن يكون جوابًا عنه. ولا يبقى البحث في مستوى الجدل الاصطلاحي، بل تتخلله فروع فقهية يختبر بها أثر العِلّة وصحة تعديتها، مع مناقشة القياس في الحدود والكفارات والرخص والمقدرات، والقياس على ما خرج عن القواعد العامة، وقياس الشبه والطرد، ومدى صلاحية كل منها لإثبات الحكم. وتتضح عناية السبكيين بتخريج الفروع على الأصول في هذا الباب خاصة، حيث تتحول القاعدة الأصولية إلى أداة لتفسير بناء مسائل الفقه واختلاف طرق الاستدلال فيها.
ويعالج الكتاب الخامس الأدلة التي اختلف المجتهدون في اعتبارها، ويقسمها إلى مقبولة ومردودة بحسب اختيار البيضاوي والشرح. فمن المقبول عندهما القول بمقتضى الأصل، والاستصحاب، والاستقراء والأخذ بأقل ما قيل، والمناسب المرسل، والاستدلال بفقد الدليل بعد استفراغ الوسع في البحث عنه؛ إذ يجعل فقد الدليل بعد التفحص موجبًا لغلبة الظن بعدم الحكم. ويناقشان المصلحة المرسلة ومقدار اعتبار المناسبة التي لم يشهد نص معين باعتبارها أو إلغائها، كما يبحثان شرع من قبلنا والخلاف في كونه شرعًا لهذه الأمة وما يترتب على كل قول من فروع. وفي الجانب المردود يناقشان الاستحسان بمعانيه المختلفة، ويبينان أن بعض ما يسمى استحسانًا قد يرجع عند التحقيق إلى دليل آخر معتبر، بينما لا يقبل ما كان مجرد معنى ينقدح في نفس المجتهد من غير إمكان إظهاره وتمييز صحيحه من فاسده.
ويخصصان الكتاب السادس للتعادل والتراجيح، فيبحثان إمكان تعادل الأمارتين وحكم المجتهد عند تساويهما، ثم ينتقلان إلى وجوه الترجيح بين الأخبار بحسب حال الراوي وطريق الرواية والمتن والمدلول والمرجحات الخارجية، وبين الأدلة بحسب قوتها ومراتبها، فيقدمان ما كان أقرب إلى القطع. ويتوسعان بعد ذلك في ترجيح الأقيسة، فيفاضلان بينها بحسب العِلّة، وطريق ثبوتها، ودليل حكم الأصل، وكيفية الحكم، ومحال العِلّة، ويذكران مثلًا ترجيح التعليل بالوصف الذي هو مظنة الحكمة على التعليل بالحكمة نفسها، كتعليل رخص السفر بالسفر الذي هو مظنة المشقة. ولا يحصران وجوه الترجيح فيما أورده المتن حصرًا نهائيًا، بل ينبهان إلى أن طرقه تتسع باتساع الاجتهاد والفقه، وأن استقصاء جميع صورها وأمثلتها يفضي إلى تطويل شديد.
ويفردان الكتاب السابع للاجتهاد والإفتاء، فيعرفان الاجتهاد باستفراغ الوسع في إدراك الأحكام الشرعية، ثم يبحثان شروط المجتهد وما يحتاج إليه من علوم، ومقدار معرفته بالحديث واللغة وأصول الفقه وسائر ما تتوقف عليه ملكة الاستنباط، مع نقل قول من يجعل أصول الفقه أهم علوم المجتهد. ويتناولان تجزؤ الاجتهاد، واجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم، وتصويب المجتهدين وتخطئتهم، ونقض الاجتهاد وتغيره عند ظهور دليل أقوى، وما يترتب على الأحكام التي نفذت باجتهاد سابق. ثم ينتقل البحث إلى الإفتاء من جهة المفتي والمستفتي وموضوع الفتوى، وحكم إفتاء المجتهد، وتقليد الحي والميت والخلاف فيه، وما يجوز للمستفتي أن يعمله عند اختلاف المفتين. وتبقى طريقة «الإبهاج» في هذه المباحث قائمة على الجمع بين بيان مراد البيضاوي، وتتبع مأخذ القول في كتب الأصول، ومناقشة الاعتراضات، وإظهار أثر القاعدة في الفقه؛ حتى يغدو الشرح دراسةً للمسألة الأصولية نفسها بقدر ما هو تفسير لعبارة «المنهاج».
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














